في «ربيع تونس رحلة الإنسان والأدب»: رصد المؤتلف والاعتزاز بالثقافة المغربية

بعد مرور أكثر من سنة على ثورة الياسمين التي كانت انطلاقة للربيع العربي، وتحديدا في مارس/آذار 2012، سافر القاص والروائي المغربي مصطفى لغتيري إلى تونس، وكانت تلك هي رحلته الأولى بعد طول تمن وليد حب الكاتب لتونس والتونسيين من جهة، وغواية من علاقات صداقة ربطها مع العديد من الكتاب التونسيين من جهة أخرى. وجاء هذا السفر تلبية لدعوة تلقاها الكاتب من فرع اتحاد كتاب تونس في مدينة توزر للمشاركة في المهرجان الوطني للأدب والفنون. وكان من ثمار هذا السفر كتاب «ربيع تونس رحلة الإنسان والأدب» مارس 2012، الذي صدر في طبعتين؛ الأولى سنة 2013 والثانية سنة 2024، عن منشورات غاليري الأدب في الدار البيضاء في 93 صفحة من الحجم المتوسط، دوّن فيه مصطفى لغتيري تجربة سفره وتنقّله عبر مجموعة من المدن التونسية، ولقائه بجملة من الكتاب والكاتبات، وما خاضه معهم ومع غيرهم من الناس العاديين الذين التقاهم في تنقلاته عبر الحافلات وسيارات الأجرة، من أحاديث شتى امتدت من الأدب إلى السياسة. وكان لهذه الأحاديث أثر واضح في عملية تحويل تجربة السّفر هذه إلى نص رحلي تميز بحس انفعالي ملحوظ.
يبدو لي أن عاملين نفسيين مهمين كان لهما حضور قوي في فعل السفر، تظافرا وساهما في تلفيظ سفر مصطفى لغتيري على تونس؛ تمثل الأول في حب الكاتب لتونس وللتونسيين، وتجلى الثاني في ثناء كل التونسيين، الذين التقاهم أو حاورهم على طول مقامه في تونس على قصره، على المغرب والمغاربة والتعبير عن إعجابهم بالمغرب وبثقافته ومميزاته الحضارية. لقد طبع هذان العاملان نص لغتيري بسمتين مميزتين على مستوى كتابته؛ أولهما حرص الكاتب على التقاط المؤتلف بين تونس والمغرب، أرضا وعمرانا وثقافة وإنسانا، وثانيهما تعبير الكاتب عن اعتزازه وافتخاره ببلده المغرب وثقافته.
تفرض طبيعة السفر على الرحالة القيام بمقارنات بين بلدانهم والبلدان التي انتقلوا إليها، لذلك تحضر ثنائية المؤتلف والمختلف في نصوصهم الرحلية، كسمة بارزة في عملية كتابتها، وتتم أحيانا بتوازن، وفي أحيان أخرى بغلبة كفة أحدهما على الأخرى، حسب العلاقة التي تجمع بين الرحالة وبلده وهذه البلدان، ارتباطا بعوامل ذاتية وجغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية. وفي نص مصطفى لغتيري أدى تضافر العاملين الذاتي والثقافي، إلى جعل كفة المؤتلف ترجح على كفة المختلف. ولمسنا حضور المؤتلف على طول صفحات هذا النص الرحلي، ومن خلال تعبير الكاتب الذي صار بمثابة لازمة رددها في أكثر من مناسبة، وإن اختلفت على مستوى الصياغة، فهي تؤكد التشابه الملحوظ بين المغرب وتونس: «كلما توغلت أكثر في شوارعها وأزقتها وأحيائها، كنت أشعر وكأنني أبدا لم أغادر المغرب». ويبدو هذا التشابه على عدة مستويات؛ في سحنات الوجوه، في المدن، في الأشجار المثمرة، في الصناعة التقليدية، في اللباس، في الحكواتيين، في أحياء المدن على مستوى حركتها الاقتصادية.
يلفت انتباه القارئ، على امتداد صفحات نص «ربيع تونس»، وجود نفَس انفعالي مميّز له؛ وهو اعتزاز الكاتب بالمغرب والثقافة المغربية، استجابة للمقام؛ فلقاء مغربي مع تونسيين في مقامات مختلفة في تونس، يستدعي بالضرورة الحديث عن المغرب وثقافته وصداهما عند التونسيين. وقد وقف لغتيري من هذه المقامات عند ثناء التونسيين على المغرب والمثقفين المغاربة وإعجابهم بهما. لقد كان لهذا الثناء وقع كبير في نفسية الرحالة، فدفعه إلى إظهار مميزات المغرب على المستوى الثقافي وقاده إلى السعي إلى التعريف بها أكثر لتأكيد ذلك الإعجاب الذي أبداه محاوروه التونسيون وتعميقه من جهة، وإلى التعبير عن افتخاره واعتزازه بالمغرب وثقافته ومميزاته الحضارية من جهة أخرى. يقول: «وكان يتحدث عن مراكش وفاس ومكناس بكثير من الافتنان، جعلتني أكثر اعتزازا ببلدي، وإن أخفيت ذلك. لكن المناسبة كانت سانحة لأحدّثهم عن صناعة خشب العرعار بمدينة الصويرة الشاطئية، ووعدت الشاعرة بأن أرسل لها حقا صندوقا صغيرا بديع الصنع من خشب العرعار، لتحفظ به بعضا من حليها». هكذا يبدو لنا أن تلفيظ تجربة سفر مصطفى لغتيري إلى تونس تميزت بميسمين بارزين؛ أولهما ترجيح المؤتلف على المختلف برصد أوجه التشابه بين المغرب وتونس على عدة مستويات، بشرية وثقافية واقتصادية وعمرانية، وثانيهما التعبير عن اعتزاز الكاتب وافتخاره ببلده المغرب وبثقافته تصادى مع إعجاب التونسيين بهما وثنائهم عليهما والسعي إلى التعريف بها أكثر

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية