في رثاء العالم القديم: عالم ما قبل كورونا

حجم الخط
3

لسنا متأكدين من الاعتقاد المتردد بأننا يحب أن نتعايش مع كورونا. فهذا الاعتقاد نفسي واجتماعي أكثر من كونه علميا، العزلة الحالية هي من إنتاج وباء كورونا، العزلة القسرية التي لم يخترها أحد سوى أولئك الذين اختاروا عزلتهم قبل الوباء. العزلة هي محاولة لتجنب الموت، كما هي محاولة لتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل بعد الانهيار النصفي، فالعزلة هي لتجنب بربرية الفيروس وهمجيته، إنه يسقط المدن عن طريق إفراغها، ويقلص المارة والعابرين عبر قيود الإغلاق، ويفتك بالحرية من خلال السجن الإجباري، ويقيد حرية التنقل، ويحاصر الكتابة عبر الضغط النفسي، إنه عالم روايات وقصص وأفلام الأشباح.
قلة هم أولئك الذين يعتبرون شروط الوباء بالعزلة فرصة كبرى للكتابة، فالكتابة تأبى الشروط أيا كانت، الكتابة حرية، ولا يمكن لعزلة كورونا أن تكون حرية أو توفر حرية، فالخوف ينقض الحرية، ويسلبها كرامتها، فقط أولئك الذين يعتبرون الكتابة عملا مرتبطا بتوفر الوقت، وقلة المشاغل هم من ينتجون الهوامش الثقافية على حساب المتون، لكن لسوء حظنا وحظ الثقافة أن أولئك كثيرون ويستطيعون أن يغمروا المتن بهوامشهم.
أسوأ ما فعله فيروس كورونا أنه حول الموت إلى فعل بسيط، فعل لا علاقة له بغيب أو فلسفة، أو روحانيات أو تأمل، أو بحث في الكون والميثولوجيا، التي قدمت لنا آلهة في مجمع الآلهة في بابل، وكشفت لنا عن العالم السفلي، الذي تحكمه الآلهة أركشيغال مع ثلة من حرس الجحيم من الرجال – العقارب والرجال الضفادع ـ الذين كان على عشتار أن تغافلهم لتخرج تموز من ذلك العالم. يبدو كورونا ضربةً للمخيلة وطعنة لتصورات الإنسان عن عظمته وقيادته للعالم.
قلص كورونا الطبقة الوسطى في العالم، تلك الطبقة الحاملة للأفكار والأفعال الملحة للتغيير، والمنتجة للثقافة والهويات وأنماط العيش وأنماط التفكير. إنها طعنة للنموذج الليبرالي، وإنعاش لدور الدولة المتقلص، حيث تتم المطالبة بتدخلها للقضاء على الوباء، كتب ألكسندر شيبكوف استاذ الفلسفة في كلية الفلسفة في جامعة موسكو تحليلا بعنوان «الفلسفة السياسية لفيروس كورونا» نشر مؤخرا: «بالأمس عشنا تحت شعار نعيش معا في مجتمع بلا حدود، واليوم نعيش تحت شعار ابقوا في المنزل، لا تتصلوا ببعضكم بعضا. ويعمل كل بلد لحسابه، كانوا يقولون لنا إنكم بحاجة إلى القليل من دور الدولة والمزيد من السوق. أما الآن يجري العكس، فهم يطلبون المساعدة والحماية من الدولة».
تنتعش آمال كثيرين بانهيار العولمة في ظل الجائحة التي اجتاحت العالم كله وأظهرته عاجزا عن مواصلة العيش في الأنماط السياسية والثقافية السائدة، ففيروس كورونا وضع النخب في مأزق وطرح أمامها فكرة: العالم قبل كورونا ليس هو العالم بعد كورونا، لكن في الجانب الثقافي ما هي صورة الأدب والفن المقبلة؟
يبدو العالم وقد تورط بفكرة فوكوياما عن نهاية التاريخ، وبدلا من النهاية المتوقعة للأيديولوجيات الشمولية الكبرى، وقعت الديمقراطية في الأسر، لتواجه نهاية حقبة اقتصاد آدم سميث وريكاردو وليبرالية الاقتصاد، فالمجتمع الصناعي الربحي لم يستطع تشغيل مكائن الطباعة، وفتح المكتبات لنشر وبيع الكتب، ودفع مكافآت المؤلفين وتعرضت صناعة الكتاب للكساد، وهو الأمر الأخير الذي يمكن أن يفكر به الرأسماليون اليوم. فلا أحد يمكنه توجيه اللوم لهم، فيما يتم البحث السريع عن حل صحي لإنقاذ العالم من الهلاك، حل يكون ربحيا هو الآخر، نتيجة بيع مليارات اللقاحات. لا احد يمكنه التنبؤ بأن الرواية المقبلة ستكون رواية كورونا، وستشكل حقبة أدبية باعتبارها موضوعا خارج الخيال Non Fiction فقد كانت هناك روايات خيالية مشابهة لما حدث ويحدث، وحوّلها الوباء وخطره إلى روايات قريبةً جدا من الحقيقة. هل استفاد نيوتن من عزلته بعيدا عن مرض الطاعون؟ كان نيوتن، العالم الفيزيائي العظيم، قد اضطر مثل الآخرين في إنكلترا أثناء انتشار وباء الطاعون عام 1651 في لندن وانتقاله إلى كامبريدج، أن يذهب إلى مزرعة خالته، التي تبعد ستين ميلا عن الجامعة، وبقي هناك ثمانية عشر شهرا قبل أن ينتهي الوباء ويعود إلى الجامعة بعد أن أكمل نظرية التفاضل والتكامل، ويكتشف قانون الجاذبية، وهو ينظر إلى تفاحة سقطت من شجرة في مزرعة خالته.
نيوتن هو مكتشف نظرية الجاذبية، ولكن قد تكون هذه طرفة من طرائف مؤرخي العلوم الطبيعية، شبيهة بصيحة ارخميدس: وجدتها، فكل الأشياء، وليس التفاحة وحدها، تسقط من الأعلى إلى الأسفل، ولم يحدث أن سقط جسم من الأسفل إلى الأعلى، ولكن قد تكون عزلة نيوتن هربا من الطاعون، أتاحت له مزيدا من التأمل والبحث، وهو على أي حال عمل رياضي وفيزيائي، لكننا اذا تحدثنا عن الإبداع الثقافي فقد تكون النتيجة مغايرة وبائسة. كثير من علماء الاجتماع يرصدون المتغيرات الآن، بعد اجتياح كوفيد 19 العالم كله، وسننتظر كيف سيتغير الأدب والفن ضمن متغيرات الأنساق الثقافية وموديلات الكتابة. والإبداع.

شاعر عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية