في رثاء المخ العربي ‘المركب غلط’

حجم الخط
0

توفيق رباحيـ كنت أود طرق هذا الموضوع منذ مدة غير قصيرة، لكن موضوعات أخرى كانت دائما تفرض نفسها فأخرته، وها قد جاء يومه.

دعونا نطرح هذا السؤال ونتأمله بهدوء وبعيدا عن التشنج والمغالاة: هل المخ العربي ـ عموما ـ ‘مركب غلط؟’. طبيعي أن لكل واحد جوابه، أما أنا فجوابي: نعم كبيرة، بل ضخمة وبدون تحفظ، مع احترامي لكل الذين لديهم أو يحلمون بجواب آخر غير هذا.

أبدأ من العام ثم أصل الى الخاص شارحا: يحدث أن أتابع برامج ‘الجزيرة مباشر’ التي يتاح فيها للناس الاتصال هاتفيا، ليس حبا في شيء إنما هروبا من برامج أخرى تسبب الضجر. وكذلك لأن في كليات الصحافة قيل لنا ان الاستماع لآراء الناس دليل أو بوصلة الصحافي، فها نحن نستمع!

مؤخرا كنت أتابع ‘مباشر مع’ عن السودان في ما أذكر، عندما اتصل مشاهد من دولة خليجية لا أحفظ اسمه. قال بدون مقدمات: أبغى أسلم وايد على غادة عويس!

اعتقدت لأول وهلة أن غادة عويس ملكة بريطانيا الجديدة أو وليّة عهد السعودية، لكن اتضح لي بعد بحث سريع أنها إحدى حسناوات الأخبار بقناة ‘الجزيرة’ الأم. قطع القائمون على البرنامج الاتصال وحاولت الحسناء الأخرى، المذيعة، أن تنقذ الموقف بالقول مبتسمة: ‘تأكد أن سلامك سيصل’، لكن لسان حالها كان ربما يقول في صمت: يخي مسكين يخي!

هي المسألة أصلا غلط، لكنني تمنيت لو تُرك الرجل يقول كل ما عنده، فلعل الأمر عنده مهم وضروري، وربما انتظر المسكين شهورا وأسابيع كي تتاح له الفرصة، وعندما أُتيحت مُنع من الكلام. واعتقادي أنه ما كان ليخرج عن الأدب العام، فيا خسارة.

في الأسبوع ذاته والبرنامج ذاته، أثناء نقاش جاد اتصل آخر ـ من السعودية حسب التعريف ـ وقال: ‘أبلغ تحياتي للسيدة الفاضلة المحترمة الأخت خديجة بن قنة’. ثم استرسل كلاما، وبسرعة فائقة باغت الجميع منتقلا الى كلام عن إيران والشيعة وغيرهما، فقال: اشبيكو انتو.. أطلب من المسؤولين عن ‘الجزيرة’ أن ينظفوها من الوجود الإيراني.

مرة أخرى سارع القائمون على البرنامج الى قطع الاتصال تاركين المذيعة ـ الحسناء رقم 3 ـ مذهولة ومرتبكة هذه المرة. كان هذا يوم الخميس، ثالث أيام عيد الأضحى على ما أذكر.

هذا غيض من فيض.. لدي قصص أخرى كنت شاهدا عليها أو رويت لي، وأعرف أن العاملين في غرف استقبال الاتصالات بالاذاعات والمحطات التلفزية يحتفظون بمئات القصص والطُرف عن مستمعين ومشاهدين، لكن ليس هذا موضوعنا.

قبل فترة قصيرة كنت في سيارة أجرة بالجزائر، فأراد سائقها أن يكسر صمتا طال بيننا. قال: ‘ماجر (لاعب الكرة الجزائري المشهور) سيصبح رئيس الفاف’ (اتحاد الكرة). سألته من دون اهتمام: والله.. من أين لك هذا الخبر؟ أجاب: حطوها فالجرنان! ثم ناولني جريدة معربة يحتل صفحتها الأولى عنوان منسوب لماجر: مستعد لتولي رئاسة الفاف (إذا طلبوا مني) ـ أو شيء قريب جدا من هذا.

من أين جاء السائق بهذه الثقة والصيغة التوكيدية لكلامه؟ استنتاج مخه ـ المركب غلط ـ طبعا، وإلا لقال، مثلا، إن ماجر يعتزم أو يريد ترؤس ‘الفاف’. أصل الآن الى الخاص: الأسبوع الماضي عرضت بهذا المكان وجهة نظر عن تعاطي التلفزيونات المغربية مع أحداث العيون، فقامت القيامة ولا تزال. نشرنا أزيد من مئة تعليق على المقال، وكان مصير مثلها سلة المهملات، لأن أصحابها تجاوزوا حدود الأدب. وإلى نهار أمس كنت ما ازال أتلقى رسائل الكترونية حول الموضوع تصب كلها في اتجاه واحد. كما أحتفظ بنحو 50 رسالة، تسعة أعشارها خارج الموضوع، ناهيك عن المضمون البذيء لكثير منها. قررت أن أحتفظ بهذه الرسائل لأولادي حتى أعرّفهم بالدليل الحي ما هو المخ المركب غلط والعقل الذي يستوعب جوانب الأفكار لا صلبها.

أقول ثور، يقولون: احلبوه! دفعتني تلك الهبّة العظمى الى إعادة قراءة المقال بتروٍ، فلم أجد فيه ما يشير الى أن الصحراء مغربية أو غير مغربية. ولم أجد فيه ما يحيل الى أن سكان مخيم العيون على حق أو على باطل. ولم أجد فيه حرفا عن أن الجزائر أفضل من المغرب أو أسوأ أو أي مجال للمقارنة. كل ما في الأمر وجهة نظر قابلة للنقاش، لكن تسعة أعشار الذين قرروا الإلقاء بثقلهم في الموضوع مروا على الهامش فناقشوا القشور وتركوا اللب. فهموا المقال كما سوّلت لهم أنفسهم منطلقين من أحكام مسبقة، وليس كما يجب أن يفهموه. بعضهم عادوا قرونا الى الوراء، الى الموحدين والمرابطين والزيانيين، وآخرون ألغوا تاريخ الجزائر، وغيرهم شككوا في مستقبلها. تماما كأن تقول ان القمر غائب الليلة فيثور في وجهك أحدهم: ولماذا لا تقول ان أشعة الشمس مفيدة للعظام؟

تضمن المقال جملة عن زيارة مدينة العيون بالنسبة لكثير من الصحافيين الجزائريين، وقلت إن ذلك يشبه زيارة القدس الواقعة تحت الاحتلال. فكان أن قصفني أكثر من قارئ برسائل طويلة جدا تلومني بشدة وحدة كيف أقارن بين العيون والقدس!

هذا هو ما قلت عنه أعلاه انه استيعاب جوانب الأفكار وترك صلبها. بالنسبة لي، لا فرق بين هؤلاء وبين الذي يكلف نفسه عناء وثمن مكالمة خارجية كي يسلّم على غادة عويس وسط نقاش يتعلق بمصير السودان، ويعتقد أن مكالمته هي أهم ما في الكون في تلك اللحظة.

أحاول أن أقرأ صحف المغرب ومتابعة تلفزيوناته ما استطعت. وقد شدني في سهرة الثلاثاء نقاش مباشر مع وزير الإعلام خالد الناصري حول أحداث العيون، خصص جزء منه للتغطية التلفزية المغربية. لم أتعجب وأنا استمع لأفكار وانتقادات تشبه تماما ما ورد في مقالي الماضي. بل أن خالد الناصري قالها بالفم الملآن: ارتكبنا أخطاء. هنا مربط الفرس، كلنا نمضي يومنا ننتقد بلداننا وحكوماتنا ونقول فيها ما قاله مالك في الخمر، لكن ما أن تأتي هذه الانتقادات من ‘غريب’ حتى تستيقظ فينا تلك الشوفينية المقيتة النائمة في أعماق كل واحد منا. هذا هو بالضبط ما حدث مع مقال الأسبوع الماضي. وليس المغاربة أسوأ من غيرهم، كلنا في الهمّ غمّ، وقد جلبت لي تسع سنوات من الكتابة المستمرة بهذه الزاوية ردودا مشابهة، كلها تبدأ بـ’وأنت اش دخلك’، من فلسطينيين على مقالات عن منظمة التحرير، ومن مصريين عن مقالات عن الحكم المصري، ومن سودانيين عن مقالات عن الرئيس الركن المشير العميد عمر البشير، ومن أردنيين عن مقالات عن الأردن.. وهكذا.

وأنتم أعلم مني بأن في السودان ومصر والجزائر والمغرب وفلسطين والأردن وسورية وكل مكان من هذه المنطقة الموبوءة، لا همّ للناس غير لعن حكوماتهم وبلدانهم من طلوع النهار الى حلول الليل. كلنا نسخة مكررة لثقافة الاقصاء والحجر المتسللة الى أعماق أعماقنا.

لا أريد أن أظهر وكأنني في صراع مع فئة من الجمهور، لأنني فعلا لست كذلك. وليس الأمر متعلقا بشخصي ومقالي بقدر ما هو متعلق بعقل لا يساورني شك في أنه ‘مضروب’. إنني أؤمن بأن هذا الموضوع أخطر ما يواجه مستقبل هذه المجتمعات. بصدق، إني أرثي هذا العقل العربي المسكين الذي يرفض وجهة نظر مختلفة ويعجز عن استيعاب فكرة بسيطة، أو يستوعبها كما يشاء هو لا كما تريد هي، كي يسمح لنفسه بجلد الآخرين وسحلهم فكريا. وإني أحزن على الفقيد محمد عابد الجابري الذي أفنى حياته باحثا في كنه هذا العقل.

استدراك لابد منه: لا تلغي هذه اللوحة السوداء وجود عقول سليمة ونيّرة ومتوازنة والتي أتساءل عن حال الدنيا لو لم لم تكن موجودة. تفاصيل.. للاستراحةـ أنصح طائفة من الصحافيين المغاربة بأن يتجاوزوا أزمة قناة ‘الجزيرة’ وحكومة بلادهم. لا تفعلوا مثل رجل يتطلق وزوجته ثم لا يتوقف عن الحديث عنها في مجالسه العامة والخاصة وكأنها لم تكن زوجته ذات يوم.

ـ ما زالت ‘ام بي سي’ ومحطات تلفزية أخرى كثيرة تبث مسلسلات تركية مدبلجة للسورية. وما زلت أتساءل هل بقي هناك من يشاهدون هذه المسلسلات؟

ـ ردت قناة ‘ميدي1 تي’ المغربية على الجزائر بإبراز (بالصوت والصورة) مواجهات بين الشرطة وسكان حي القبة في العاصمة يوم الثلاثاء أسفرت عن وقوع جرحى، تعامى عنها التلفزيون الجزائري. ردت وكأنها تقول: لكم العيون ولنا القبة!

أما أنا فقولي ان ‘اللي كلا دجاج الناس يسمّن دجاجه’. ـ أضم صوتي الى زملاء سبقوني إليها: أفضل برنامج حواري في القنوات العربية اليوم هو ‘مثير للجدل’ الذي تقدمه قناة ‘أبوظبي’. أكثر جدية وعمقا ورصانة وفائدة لمن يفهم ويريد أن يستفيد. لكن لا حظ لصاحبته فضيلة سويسي، والحال هنا مثل مسابقات ملكات الجمال.. هل الفائزة بلقب ملكة جمال العالم أو فرنسا أو الصومال هي حقا أجمل البنات؟ ألم يقولوا قديما انه يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر؟

ـ بثت قناة ‘ميدي1 تي في’ في سهرة الثلاثاء تحقيقا ـ قديما ـ من انتاج فرنسي عن اغتيال رفيق الحريري، تكلم فيه كل الذين سارعوا الى اتهام سورية بالجريمة، بدءا من وليد جنبلاط ووصولا الى سعد الحريري. وأنا أشاهد التحقيق سألت نفسي: ألم يقل لهم أحد إن هذا التحقيق أصبح في حكم الملغى بحكم أن وليد بك وجماعته انقلبوا 180 درجة وسافروا الى دمشق طالبين الصفح؟* كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية