في رثاء جسر الصرافية ـ الرمز البغدادي البهيّ

حجم الخط
0

عبد الرحمن مجيد الربيعي

لا احد يستطيع ان يقنع اي عراقي بسيط بأن نسف هذا المعلم البغدادي العريق، جسر الصرافية، عمل تخريبي مجاني. لا احد يستطيع هذا اذ ان عملية النسف كانت مقصودة وقد خطط لها، وهي لا تختلف في شيء عن نسف التمثال الرأسي لباني بغداد ابو جعفر المنصور او سرقة تمثال السياسي الوطني عبد المحسن السعدون، وقبل هذا بفترة ليست طويلة حرق اعرق سوق للكتب الذي ضم مكتباته الشارع الذي يحمل اسم شاعر العربية الخالد المتبني.

كل هذا مخطط له ولا نستغرب ان ينقض المالكي علي قوس النصر فقد هدد في هذا، ويقال ويا للغرابة ان الامريكان منعوه من هذا ـ لحد الآن ـ فهذا القوس هو رمز انتصار العراق علي ايران فكيف يرضي المالكي او الحكيم ومن معهما بأن يبقي في مكانه خاصة ان الذين حققوا هذا النصر قد تمت تصفيتهم في عمليات اغتيال اعد لها مسبقا وشملت كبار القادة العسكريين والطيارين منهم بشكل خاص ومعهم كل من كانوا في سلاح الهندسة والتصنيع العسكري.

وقد تأكد لكل المراقبين ان ما يجري هو اجتثاث العراق وليس اجتثاثا للحزب الذي كان يحكمه. ولاحظوا الي اي حد تبدو كلمة (اجتثاث) مخيفة فهي تعني ان لا تبقي للمجتث اي اثر. فهل استطاعوا ذلك؟ هل اجتثوا العراق فعلا وهو النابض كهدير الدم في عروق اهله وعروق كل الشرفاء العرب؟

ان مسلسل التدمير ماض، متواصل منذ عام 1991 بعد تهديد جيمس بيكر لطارق عزيز، وقد تم تنفيذ التهديد علي مراحل: قصف بلا رحمة، بأعتي الاسلحة، لا يهم اين تسقط الصواريخ والقذائف. ولا يهم عدد ضحاياها ولا كمية الدور والمنشآت التي تدمرها بل المهم الحاق الاذي بالعراقيين، ومرورا اكذوبة اسلحة الدمار الشامل فتحول الجميع الي عقلاء ناصحين للنظام العراقي وقتذاك بأن يقبل المفتشين، وقبلهم وعاثوا، والحقوا الاهانات، وسجلوا كل شيء، رسموا الخرائط حتي تحولت جغرافيا العراق الي كتاب مفتوح امامهم تهيئة لاحتلاله.

لم يردعهم رادع عن فعل كل ما هو محرم في القانون الدولي، فهذا القانون لا ينطبق علي سيدة العالم امريكا بل علي البلدان الصغيرة الخائفة، والويل لمن يتحداها، لمن يقول لا. لان درس العراق ارادوه ان يكون بليغا للعالم كله، ولكن الاحداث اخذت مسارا آخر، فاذا بالغزاة يتحولون الي رهينة، وها هم في قعر الفخ وليست لهم القدرة علي الخروج منه.

صارت هزيمتهم قريبة، بتنا نراها وكان الكثيرون يظنونها مستحيلة، لا احد يريدهم الا عملاؤهم، هم من يمسكون بهم، ولم نستغرب ما صرح به المالكي وما نطق به من (رفض)، هكذا ذكر في الاخبار، لما قرره الكونغرس من اشتراطات علي الرئيس الامريكي في جدولة الانسحاب من القرار مقابل اقرار الميزانية العسكرية التي طلبها لتغطية نفقات حربين مفتوحتين في العراق وافغانستان.

نسف جسر الصرافية الذي يعود بناؤه الي عام 1946 هو محطة اخري في مسلسل التخريب وتصحير البلد حتي من شعبه الذي تحول الي ملايين من اللاجئين والوف الواقفين امام السفارات بحثا عن اي بلد يقبلهم.

هل لنا ان نسأل قادة امريكا: لماذا هذا كله؟ ما الذي فعله لكم العراق؟ شعب العراق، تاريخ العراق، حضارة العراق؟ ماذا فعل لكم هذا البلد الذي كان قبل ان تكونوا؟ بلد اقدم الحضارات الانسانية واثراها، بلد ابراهيم الخليل وحضارة سومر وأكد وبابل ونينوي، بلد حمورابي صاحب اقدم الشرائع التي ضمنت كرامة البشر في عصور ما قبل التاريخ، بلد الكبار والمناقب والاشعاعات الكبري، بلد العلماء والادباء والقادة؟!

ونسأل قادة امريكا: بمن تقنعون في الذي ترددونه عن الديمقراطية الفتية او الناشئة او الوليدة في العراق الذي تريدونه وفقا لمقاساتكم؟

هل فعلتم كل هذا من اجل الرهط الذي التقطتموه من عواصم الغرب والجوار واوهمتموهم بأنهم حكام قصدقوكم، ونفشوا ريشهم كالطواويس الكسيحة رغم انهم يعرفون جيدا بانهم لولاكم لما بقوا يوما واحدا ولذا يلحون من اجل ان تبقوا، خوفهم يدفعهم لهذا؟!

انتم تخرجون من هنا وهم معكم، وسعيد من يعرف الطريق للالتحاق بركبكم الهارب، والعراق الذي دخلتموه بتلك الصلافة المارقة ستخرجون منه وانتم تدركون بان الشعوب اقوي من قتلتها، اطول ذراعا من محتليها وعملائهم. وحادث التفجير في مطعم ما يسمي بالبرلمان هو احد الأدلة علي هذا وقبلها ادلة كثيرة، اسألوا سعادة الامين العام للامم المتحدة فالرجفة ما زالت في عظامه من القذيفة ـ الرســـالة التـــــي سقطت علي بعد بضعة امتار من المكان الذي عقد فيه المؤتمر الصحافي مع المالكي فما كان منه الا اللجوء للفرار من المكان.

اتذكر جسر الصرافية الشامخ الذي كانت لي شخصيا علاقة وجدانية به في سنوات الدراسة الطويلة بمعهد الفنون وكلية الفنون القريبين منه، وكم قطعناه اصدقاء وعشاقا من العطيفية الي الصرافية الي الوزيرية حيث مبني جريدة الجمهورية التي كتبنا فيها وكتبنا واتفقنا واختلفنا نحن فتية الستينات بكل ما فينا من رفض وعنفوان وغضب.

انهم يحاولون سرقة بغداد منا، سرقة معالمها كما سرقوا متحفها ومكتباتها ومستشفياتها ووزاراتها واسواقها.

لكن بغداد عنقاء المدن، ستنهض من رمادها وتعود كما كانت جميلة الجميلات!

تعود لنا نحن الذين نحبها ونفتديها، ونكتب لها وعنها اجمل ما نقوي علي كتابته، ونصوغ من اجلها ابلغ الصلوات.

هي بغدادنا نحن عشاقها الابديون.

ہ روائي من العراق يقيم في تونس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية