هاهي ذي تونس تناديني من جديد.. هذه المرة أدخلها سالما مطمئنا من باب الرواية، بعد أن فتحت لي حضنها شاعرا قبل سنوات.. هأنذا أفتح بابها السماوي على مهل لأحط الرحال في مطار تونس قرطاج، بعد أن ضمنت لنفسي رفقة طيبة، متيمنا ومقتديا بالمثل السائر «الرفيق قبل الطريق» وبالفعل كان الرفيق رجلا نبيلا، يعتني بي وأعتني به، وكأننا مسؤولان عن بعضنا بعضا، إنه الصديق إبراهيم الحجري، الكاتب المتعدد وصاحب الجوائز التي تعز عن الحصر..
منذ التماس الأول مع تونس كان الانطباع جيدا، مفاده أننا سنقضي في رحابها أياما جميلة. الجو معتدل كما تركناه في الدارالبيضاء، والاستقبال على عتبة المدخل الأول من طرف شخص لطيف اسمه المؤدب مبعوثا من قبل المنظمين، يسر لنا الإجراءات الروتينية، ثم ما لبث هذا الرجل أن سلمنا للسائق الذي حملنا طرا نحو الفندق، فندق إفريقيا الذي دشن اسمه في أذهاننا انطلاق عملية التأويل، فالمكان له رمزيته القوية، خاصة لدينا نحن الذين قدمنا للتداول في قضايا ذوي البشرة السوداء، فلا أجمل من أن يكون اسم الفندق، الذي يحتضننا «إفريقيا» بكل تداعيات هذا الاسم العزيز على القلب، هناك في الفندق كانت تونس تستقبلنا برحابة صدرها وبابتسامة لا تفارق شفتيها، يميز حركاتها نشاط وحيوية لا يفتران، طبعا أتحدث عن المبدعة عبير، التي كانت نحلة نشيطة تتحرك هنا وهناك محاولة أن تجعل إقامتنا في المكان راحة واطمئنانا، وابتسامتها بلسما شافيا لأي خدوش طارئة رغم عدم وجودها أصلا.
بعد أن استقر بنا المقام توالت المفاجآت.. وجوه طالما تخيلتها وقرأت لها وعنها أراها وجها لوجه، مكونة في الذهن والقلب لوحة فسيفسائية، تزيدك حسنا كلما زدتها نظرا، الروائي كمال الرياحي يحضن الجميع وفي عمق عينيه يستقر بريق الفرح، يشعرك وكأنه قد جمع أقاربا له في بيته، والمبدع الشاب محمد الحباشة بجانبه يشد من عضده، محاولا تقديم أقصى ما يمكن من روحه الطيبة المضيافة.
في بهو الفندق العامر تعرفت على الضيوف تباعا هناك من عرفتهم، وآخرون منهم انتظرت فترة لكي أعرفهم وأتعرف عليهم، كان هناك إلياس خوري ونبيل سليمان وسلوى بكر وشكري المبخوت وسميحة خريس وعبدالله إبراهيم وأسماء المعيكل وعلي بدر وطارق الطيب وإبراهيم الدرغوثي وعلي المقري ومحمد عيسى المؤدب وخيرية بوبطان والصديق الحاج أحمد ومنصور الصويم وحمور زيادة وحجي جابر وجمال جلاصي ونبيل فياض.
تأججت في الأجواء فرحة اللقاء وكانت كلمات المجاملة تتطاير هنا وهناك كفراشات تائهة وسعيدة بأجواء الربيع.. مع مرور الوقت تكونت بدون ترتب مسبق مجموعات صغيرة، تقضي أكثر الوقت مع بعضها بعضا، وكان نصيبي منها جميلا ووافرا الجزائري الحاج أحمد الزواني والسوداني المصري طارق السيد واليمني علي المقري، بالإضافة إلى ابن بلدي إبراهيم الحجري، هذه المجموعة كانت تسأل عن بعضها بعضا وتقضي أمورها مجتمعة، وتخرج في جولات سياحية ممتعة، سرعان ما مزجت قلوبها مع بعض حتى أصبحت كتلة واحدة، لكن لليل منطقه الذي لا يعلى عليه، خلاله تتغير المجموعات تلقائيا وتتخذ نظاما آخر، تحكمه ظروف مختلفة، في الليل كنت أسعد برفقة عبدالله إبراهيم وعلي بدر، اللذين كانا يحبان التوغل في النقاش عميقا، خاصة في ما يتعلق بظروف بلدهما الجريح، وكان الحوار يعرج على قضايا أدبية شائكة، فتكون الفرصة سانحة ليدلو الجميع بدلوه فيها.
اختار المنظمون أن تنعقد الجلسات مساء، فكانت لنا فسحة الصباح للاسترخاء وللتعرف على بعضنا بعضا، وللقيام بجولات سياحية في الأسواق وفي جوار المدينة، وحين يحين وقت الندوات في رحاب مدينة الثقافة، يتجند الجميع لإنجاحها، فيكون الالتزام في درجاته القصوى، لكن ذلك لا يخلو من تمرد هنا أو هناك، وقفشات مضحكة يبرع الأدباء في اجتراحها، وكانت خيرية بوبطان من الوجوه الباسمة المبتسمة التي تخلق جوا من المرح حولها، حتى في أقصى درجات الجد والجدية والالتزام.
هدية اللقاء كانت الجيلاني، رجل من عمق الجنوب يتميز بعفوية مفرطة، عرفنا عليه المبدع الجزائري الصديق الحاج أحمد، فكان بحق هدية لا تقدر بثمن.. سمرته المحببة كانت منسجمة مع محور الملتقى، ولا أخفي أنني شعرت وكأنه فرد من عائلتي، لم أره منذ زمن طويل، ثم حطه القدر فجأة في طريقي.. ربما لهذا حدث بيننا انسجام كبير في ظرف وجيز، حكى لي عن ظروف حياته التي قادته من جنوب الجزائر من مدينة أدرار تحديدا، مرورا بليبيا التي اشتغل فيها مدة طويلة، ثم غادرها بعد أن أصبح العيش فيها مستحيلا، ليحط الرحال في تونس العاصمة وهناك سيتنقل في أشغال عدة، أنهكت الجسد، لكنها أبدا لم تنل شيئا من الروح التي ظلت متوقدة، متحفزة وسعيدة، تواقة إلى لحظات الفرق الفارقة، في جولاتنا مع السيد الجيلاني رددت وأياه أغاني مغربية يحفظها عن ظهر قلب، وقد استضاف بعضا من مجموعتنا في غرفته الوحيدة على سطح العمارة، التي يحرسها وتحرسه، وقد أسعدنا بطقوسه وهو يعد كأس شاي ذكرني بأهالينا في الصحراء وهم البارعون في تحضيره، ويستمتعون بذلك أيما استمتاع.
يا لهذه الحياة أحيانا تكون أبدع من الخيال، تفتح في القلب والذهن كوى على الحلم والمستقبل، فقد كانت فرحتي بلقاء الأدباء والنقاد فإذا بشخصية بسيطة قادمة من عمق سمرتها تستحوذ على الكيان وتخلق من إيحاءاته قضية حية بعيدا عن دهاليز الخيال ومتاهاته.
٭ كاتب من المغرب