في رحيل خالد جميل الصدقة .. مؤلف معجم لآلئ الأمثال والحكم المقارنة والمعلقة الكورونية

مولود بن زادي
حجم الخط
2

لندن: توفي الأحد الماضي في مستشفى مبارك الكبير في الكويت الشاعر والمدقق اللغوي والصحافي السوري خالد جميل الصدقة عن عمر يناهر 64 عاما إثر إصابته بكوفيد-19.
تعود أصول الكاتب والباحث الراحل إلى مدينة النبك في منطقة القلمون في ريف دمشق في سوريا. درس اللغة الإنكليزية وآدابها في جامعة دمشق، وحصل على إجازة في الآداب. وبعد تخرجه، انخرط في حقل التعليم في سوريا والكويت. واشتغل في الصحف الكويتية، لاسيما صحيفة «الجريدة» التي عمل فيها نائب رئيس قسم (دسك). كان خالد الصدقة كاتبا وباحثا في الدراسات المقارنة وحوار الحضارات. وكان أيضا باحثا لغويا ومترجما، ساهم في ترجمة العديد من قصائد الأديب الإنكليزي وليام شكسبير إلى اللغة العربية.

الباحث اللغوي
اشتهر خالد الصدقة بأبحاثه اللغوية، حيث استفاد من إتقانه العربية ولغة العالم الإنكليزية، مقدما إضافة قيمة في حقل الدراسات الأدبية واللغوية المقارنة. كان من مؤلفاته في هذا المجال معجم «لآلئ الأمثال والحكم المقارنة… إنكليزي – عربي)َ. يقع المعجم في 558 صفحة، وقد استغرقت كتابته عشر سنوات كاملة. وتتضمن صفحاته درر النثر وجواهر الشعر المختارة، من عشرات المراجع الإنكليزية القديمة والحديثة، فضلا عن 450 مرجعا عربيا من كتب اللغة والتراجم والأدب والأمثال والحديث والدواوين وغيرها. ويحتوي هذا المعجم على آلاف الأبيات الحكمية لأكثر من 600 شاعر عربي، إضافة إلى 529 مثلا وحكمة إنكليزية مختلفة، من حيث أغراضها ومعانيها، يكتشف القارئ والباحث من خلالها طريقة تفكير المجتمع الإنكليزي ونظرته إلى قضايا الحياة والموت والجمال والحب والصداقة والصراعات وغيرها. ويتعرف الباحث بعد ذلك على مقابلاتها باللغة العربية، من شعر ونثر، مما تم جمعه عبر العصور. من مزايا هذا العمل اللغوي الكبير مساهمته في الكشف عن الأصول العربية وغير العربية لعدد كبير من الأمثال الإنكليزية.

عمق ودقة وتفصيل
من ميزات كتابات خالد الصدقة متانة الأسلوب ودقة المعلومات. نرى ذلك جليا من خلال المنهج المتبع في تأليف «معجم لآلئ الأمثال والحكم المقارنة» حيث يقوم الباحث بتسجيل المثل الإنكليزي أولا ويسجل معه التاريخ الذي تبلورت فيه صيغته الشائعة في عصرنا، واسم قائله أو مدونه، وبعد ذلك مقابله باللغة العربية. ويجتهد الكاتب أيضا في توضيح معناه، إذا تعلق الأمر بعبارة غامضة، وبعد ذلك يقارنه بما وجده من نظائره في القرآن الكريم والحديث الشريف والأمثال العربية والأقوال المأثورة عن الفصيحين العرب، مع الإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية، وتفاصيل الكتاب الذي ورد فيه المثل أو الحكمة، وذكر تفاصيل القائل بكل أمانة، مرتبا الأبيات ترتيبا تاريخيا منطلقا مما هو أقدم.

المفكر الإنساني
خالد الصدقة كان أيضا مفكرا إنسانيا منفتحا على الثقافات والعالم، مؤمنا بحوار الحضارات والتقارب بين أجناس العالم، وعالمية الفكر الإنساني، وهو ما أكده الكاتب نفسه. فقد اكتشف الكاتب، من خلال أبحاثه الواسعة التي اعتمد فيها على مراجع عالمية متعددة اللغات، أنّ ثقافات العالم تشترك جميعا في انتمائها إلى الجنس البشري، مؤكدا إيمان الإنسان بوحدة الجنس البشري، وهو ما يفسره هذا الانسجام الوثيق الموجود بين الأمثال والحكم المسجلة عبر العصور، ومن جملة ذلك هذا التشابه المذهل بين كثير من الأمثال الإنكليزية والعربية، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان واللسان، وهو ما يمكن تفسيره بطبيعة البشر المتشابهة، وإن تعددت اللغات واختلفت العادات وتباينت الثقافات.

المعلقة الكورونية
في يوم 21 نيسان/ إبريل 2020، نظم خالد الصدقة أبياتا بعنوان «المعلقة الكورونية»، وهي قصيدة أرادها الفقيد أن تكون على وزن معلقة عمرو بن كلثوم الشهيرة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا» ختم بها مشوراه الأدبي والفكري الثري. جاء فيها:

ألا هُـــبِّــي بــكـمّـامٍ يـقـيـنـا رذاذَ الـعـاطـسينَ وعَـقِّـمـينا
فـنحن اليومَ في قفصٍ كبيرٍ وكـورونـا يـبـثُّ الـرعـبَ فـينا
إذا ما قد عطسنا دون قصدٍ تـلاحـقُـنا الـعـيـونُ وتـزدريـنـا
وإنْ سعلَ الزميلُ ولو مُزاحا تـفـرَّقـنـا شــمــالا أو يـمـيـنـا
وبـــاءٌ حـاصـرَ الـدنـيا جـمـيعا وفـــيـــروسٌ أذلَّ الـعـالـمـيـنا

وبرحيله اليوم، تفقد الساحة الأدبية في الوطن العربي أحد أعمدة اللغة والأدب والفكر في هذا العصر. رحل الفقيد متأثرا بفيروس كوفيد- 19 كورونا الذي تسبب إلى حد اليوم في إصابة أكثر من 6 ملايين شخص، ووفاة أكثر من 371 ألف شخصا في العالم. كانت آخر كلماته مناجيا هذا الفيروس الذي نشر الموت والدمار وشل الحياة على وجه الكرة الأرضية وبث الرعب في نفوس سكانها:
«أيــا كـوفـيدُ لا تـعـجلْ عـلـينا.. وأمـهـلْـنـا نــخـبـرْكَ الـيـقـيـنا
بــأنّـا الـخـائـفونَ إذا مـرضْـنـا.. وأنـــا الـجـازعـونَ إذا ابـتُـلينا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية