في رفقة أستاذي صنع الله إبراهيم أدركت عن قرب سعيه إلى كشف حقيقة العالم ومؤسساته المُسخّرة لتضليل الوعي واستعباد البشر

حجم الخط
0

في أحد مساءات صيف عام 1998، كنت مستقلاً مترو الأنفاق، أطالع الوجوه في الزحام، وأنقل كتب الدراسة الجامعية من يد إلى أخرى وأنا أشعر بالإرهاق، وأنظر من النوافذ خلف الجالسين، إلى آخر أضواء النهار قبل المغيب. فجأةً لمحت وجهاً معروفاً، رغم أنني لم أستوعب في البداية أن يكون هو من خمَّنته، فمن المستبعد على كاتب كبير أن يستقل المترو بهذه البساطة ويحشر جسده النحيل في الزحام ككل الناس- (أو هكذا كانت تصوراتي البسيطة في شبابي عن الكُتّاب المشهورين). أخذت أتأمل وجهه مجدداً ونفسي بين المُصدِّقة والمكذبة! قررت الاقتراب منه.. كان يستند بظهره إلى مسند مقعد غير شاغر. لمحني أنظر إليه فأخذ يتأملني. كان ارتباكي بادياً عليَّ. بادرته بالسؤال: هل حضرتك الأستاذ صنع الله إبراهيم؟
ابتسم الرجل وهو يواصل النظر إليَّ بثبات وقال بصوت عميق وواثق: «أيوة»!
هذه الكلمة، هذه النبرة الواثقة التي نطقها بها، الابتسامة التي طالعني بها وأزالت توتري، كلها مما سأظل أحمله في حياتي بأكملها كعلامات على طريق بدأه هذا اللقاء منذ نحو ثلاثين عاماً ولم ينتهِ أبداً.
أخبرني أنه سينزل في المحطة التالية، وسألته متلعثماً: كيف يمكنني التواصل معك؟ (لم تكن الهواتف المحمولة انتشرت بعد، وحتى بعد انتشارها، لم يقتنِ الأستاذ صنع الله أي هاتف محمول إلى يومنا). أطرق قليلاً، ونظر إليَّ. كنت أتطلع إليه بأمل وانبهار. كان المترو يبطئ ويستعد لدخول المحطة، عندما لمعت عيناه كمن تذكر شيئاً. كان يحمل في يده كتاباً ومظروفاً أبيض. قطعَ جزءاً من المظروف الذي يحمل شعار «المعهد الثقافي الفرنسي»، يحتوي اسمه وعنوانه وهاتفه. وأعطاه لي، قائلاً: زرني في أي وقت في هذا العنوان.
ما إن فتح باب المترو، تدافع الجميع مغادرين وصاعدين، وهو في وسط الزحام، يجاهد لينزل محافظاً على ما يتمسك به: الكتاب والمظروف وقد صارَ بغلاف واحد بعدما قطعه.
غاب في زحام السائرين وتحرك المترو..
رحت أطالع العنوان في يدي «شارع محمود أبو العيون». مصر الجديدة.
هناك، في ذلك الحي الهادئ، والعمارة التي تحتل ناصية شارع ساكن خلف نادي النصر في ميدان المحكمة، لم أكن أعرف أن مصير حياتي بأكملها سيتغير في هذا البيت الذي عشت فيه أزهى سنوات تكويني الفكري والقيمي في شباب هو كل ما عشته في حياتي إلى اليوم.
منذ اللقاء الأول، والإجهاد في صعود الطوابق الستة، وصولاً إلى الدور الأخير من العمارة، حيثُ أضغط الجرس وأتراجع نازلاً بضع درجات من السلّم الذي يواجه الشقة، وعندما يفتح الأستاذ صنع الله لا يجد أحداً ! فيردد الكلمة الأولى نفسها، التي كانت مفتاح تعرفي عليه: «أيوه»! قبل أن يبتسم مستغرباً من وقوفي بعيداً وحرجي ويدعوني للدخول (ربع قرن وأنا على الحال نفسه كلما زرته!). وفي بيت الأستاذ صنع الله، راحت العوالم تتكشف أمامي تباعاً.. عوالم لم أكن أعرفها أو أسمع عنها سوى من بعيد من أخبار حركة اليسار في مصر، وأحزاب التجمع والأهالي، والمفكرين الماركسيين، والحياة في المعتقل، الناصرية، المقاومة والرفض، اليسار الوطني، «حدتو» و»إسكرا»، وعرفت الطريق إلى كتب حسنين هيكل ومحمود أمين العالم وأنور عبد الملك وعبد العظيم أنيس وسيد البحراوي وغالي شكري وغيرهم كثيرون.
الكتابة عن صنع الله إبراهيم تعني لي الكتابة عن عُمر كامل، تكوّنت فيه ثقافياً وفكرياً على يديه، وأنا أتطلع إليه وأتأمل كيف يمكن لكاتب واحد فرد أن يقف متمسكاً برؤيته في مواجهة العالم والأسس النظرية لخطابات ما بعد الاستعمار، وإعادة موضعة مفهوم علاقة الذات بالآخر. ومن خلال أعمال صنع الله كنت أتعرف شيئاً فشيئاً على كيفية بلورة وقائع الوعي في صورة أدبية تطرح الأسئلة وتُسائِل المُسلّمات، وترصد الواقع وتنحاز للإنسان، الإنسان المغلوب أو المستضعف، أو صاحب المبدأ، دون أن يجد من ينصره، وهو ما جسّده صنع الله في تجاوزه فكرة «الوعي القائم» إلى «الوعي الممكن»، من خلال الانحياز إلى المبدأ والموقف والمواجهة، وهو ما يجعلنا نطرح سؤالاً في كل عمل جديد يقدمه: ضد من سيقف هذه المرة؟ ولصالح أي موقف وفكرة ومفهوم سينحاز العمل؟ أنظر الآن، وقد شارفت على عتبات الخمسين من العمر إلى رحلتي مع الحياة، فلا أرى في قلب المشهد وجهاً أكثر رسوخاً وثباتاً في هذه الرحلة أكثر من وجه صنع الله، الذي عرفته وأنا في العشرين من عمري تقريباً، وأنا جالس أمامه في منزله في مصر الجديدة أتعلم من تجربته، وأقرأ مسوّدات رواياته قبل أن ينشرها، وكان يسألني عن رأيي فيها باهتمام بالغ، ويقيم له اعتباراً حقيقياً، (كنت ما أزال طالباً في كلية الآداب)! وكان هذا درساً أخلاقياً وأدبياً كبيراً تعلمته عن قيمة ومصداقية الكاتب الحقيقي، في تواضعه وتلمسه سبل تجويد عمله ولو من خلال تلاميذه.
في بيته نشأ وعيي على القيمة ومعنى الصدق والرهان على الإنسان ورفض كل ما هو زائف وملفق ومصطنع. وكان أجمل مشوار لي في نهاية الأسبوع بعد العودة من الجامعة، هو الذي أستقل فيه مترو مصر الجديدة إلى محطة المحكمة، وأسير بمحاذاة سور نادي النصر وصولاً إلى شارع أبو العيون، قبل أن أبدأ في القفز على درجات السلم إلى الطابق السادس مهرولاً وسعيداً! ففي الأعلى، أمام الأستاذ، كنت أفهم العالم ويتفتح وعيي على قيمة جديدة؛ خرافة التقدم والتخلف، الإمبريالية العالمية ومحاولتها ضرب حركات التحرر الوطني، الشركات العابرة للقارات وخدمتها مصالح الرأسمالية العالمية وتهديد المصالح الاقتصادية الوطنية، المتغيرات المجتمعية من خلال التحولات الاقتصادية والسياسية، الفكر الماركسي والحتمية التاريخية، ومدى واقعية فكرة حتمية الثورة البروليتارية، وأنا أشرب الشاي الساخن معه ومع «مدام ليلى»، أمي الغالية الراحلة، ولفضلها عليَّ بدورها ما يحتاج إلى مقدمات أخرى وربما كتاب كامل. من هذا البيت، في أحد المساءات سألتني أمي ليلى، بينما يشرح لي صنع الله تصوره عن مفهوم الرفض والطبقة والسلطة والوعي الممكن، سألتني: لماذا لا تفكر أن تحضِّر دراسات عليا في الأدب؟ بعدها بسنوات، في 2016، كنت أناقش رسالتي للماجستير عنه، عن «ثنائية الحاكم والمحكوم في روايات صنع الله إبراهيم» وكان أول الحاضرين في الصفوف الأولى (أخبرني وقتها أحد أساتذة جامعة عين شمس، أن إدارة الجامعة، والأمن، اعترضا على حضوره المناقشة، ولم يُستخرج له تصريح للحضور إلا بتدخل أستاذين في قسم اللغة العربية، وتأكيدهما لإدارة الجامعة أن حضوره سيكسب المناقشة قيمةً ونزاهةً ويشرّف كلية الآداب.. فوافقت الإدارة على مضض.. ولم أعرف بذلك الأمر سوى يوم المناقشة).
في مساء آخر.. وبينما نجلس في شرفة شقته المُطلة على سور نادي النصر، نراجع إحدى رواياته الجديدة التي يستعد لإصدارها، قالت لي مدام ليلى: هل رسالة الماجستير التي أخذتها هي نهاية المطاف؟ أين الدكتوراه؟ نظرت لصنع الله حائراً، فابتسم دون أن يُعلّق. كان يعرف كم أُجلُّ كل ما تطلبه مني السيدة ليلى، أو تقوله، وكانت له وجهة نظر أيضاً في أن كثيرين ممن حصلوا على الدكتوراه في جامعاتنا لم يقدموا شيئاً ذا فائدة أو شيئاً يُذكر في تاريخ النقد، بل راكموا آراء تقليدية غير مفيدة وراء الاطمئنان لوجاهة اللقب! بعدها بأربع سنوات، وبفضل مدام ليلى كنت أناقش الدكتوراه أيضاً. وأذكر يومها أنني خرجت من قاعة المؤتمرات في كلية الآداب إلى منزله القريب من الجامعة، استقبلني مستبشراً ومكرراً (أهلاً يا دكتور).. وظل يكررها طوال اللقاء.. بينما قبلت يد أمي ليلى طويلاً وأنا أبكي.
أنظر إلى المنجز الإبداعي الهائل الذي قدمه صنع الله إبراهيم بعين المتعلم في كل مرة، وأرى الآن أن صنع الله إبراهيم الذي كتب اليوم رواية «1970» ليس هو ذاته من كتب في الماضي رواية «نجمة أغسطس»، أو «اللجنة»، ربما هو الروائي الأقرب إلى «ذات» و»شرف» لكنه في الوقت ذاته ـ وبالاستعانة بالمادة التي استطاع أن يكتشفها في «إنسان السد العالي»- استطاع أن يستبصر تبدلات المصائر وتحولات المسارات السياسية والاجتماعية للمجتمع المصري عبر نصف قرن، من رحلته الطويلة، لتقول عنه ما لا يريد قوله مباشرةً. إن بلورة هذه الرؤية المتماسكة والملتزمة أخلاقياً وقيمياً وفنياً في مشروع روائيّ ممتد ومتواصل، ليست بالأمر باليسير، فبعد خمسين عاماً من «1970» يمكن الحديث عن تبدلات كبيرة وكثيرة في أرض الواقع، ومن هذه المساحة الزمنية التي تفصلنا عن نقطة تاريخية كان لها تعقيداتها وأوضاعها، وعلينا أن نضع في الحسبان أن الصورة لم تكن بالقدر ذاته من الوضوح في وقتها؛ كما هو الحال الآن، كما أن نتائج اختيارات القرارات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تم اتخاذها في وقتها يمكن النظر لها الآن عبر هذا الفاصل الزمني بمنظور مختلف ومتعدد – وربما متراكب بتعددية من تنويعات الرؤية عبر هذه المسافة الزمنية، مروراً بـ»اللجنة» التي مثلت هجاءً ساخراً لسياسة الانفتاح في عهد السادات، و»شرف» التي رصدت ملامح التدهور في المجتمع المصري، وانتشار الفساد وبداية انهيار المنظومة القيمية و»ذات» التي ترصد التحولات والتبدلات السياسية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري منذ ثورة 1952 وصولاً إلى حقبة ما بعد كامب ديفيد وتوابعها الكارثية على المجتمع المصري، وغيرها من أعمال مثّلت أيقونات تاريخية معاصرة وحية للمجتمع المصري.
أنظر إلى أستاذي صنع الله إبراهيم، وأنظر إلى الأيام في تحولاتها، بينما أسير وحيداً في شارع «الحجاز» باحثاً عن مترو مصر الجديدة ليحملني إلى بيته، فلا أجد المترو القديم الأنيق ولا محطاته، إنما أجد شوارع سريعة وجسورا عملاقة محت ملامح مصر الجديدة الأليفة ورائحة الذكريات في شوارع هارون وسفير وأبو العيون، فأدرك أن الزمن تقدم عقوداً- ليس للأمام بالضرورة- دون أن أنتبه.
وما زلت ذلك الفتى الذي يركض في نهايات الأسبوع إلى بيت «الأستاذ» ليرى العالم بعينيه ومن خلف «نظارته» ويستمد منه الإيمان بالقيمة والوعي والانحياز إلى المغلوبين والمستضعفين وكشف حقيقة العالم ومؤسساته المُسخّرة لتضليل الوعي واستعباد البشر، باحثاً عن ألفة كوب الشاي في بيته الدافئ بينما ترحّب بي أمي «ليلى»، وباقياً هناك في الطابق السادس.. إلى الأبد.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية