في رواية «تابو»: تدوّن سرديات الفنتازيا العراقية

يمكن للأحداث ومفارقاتها أن تكون مدخلا للحديث عن بعض أسرار لعبة السر، إذ تتطلب هذه اللعبة وجود بنى ظاهرة، لكنها تتعرّض للانزياح، أو للتقويض عبر ما يقترحه السرد من تخيّل، أو مغايرة، أو مغامرة، فيتشظى الحدث عبر السرد، ويمارس السرد وظيفته الماكرة في إعادة تدوين الحدث، أو تشكيله وفق مستويات يتداخل فيها النفسي والأسطوري، الميثولوجي والاجتماعي، وبما يجعل صياغته المتخيلة قائمة على التصرّف بواقعية الحدث، في اتجاه تجاوزه، وتغريب شخصياته، وأسطرة زمنه، وإخضاعهم إلى توريات المجاز السردي.
في رواية « تابو» للروائي حميد المختار الصادرة عن دار سطور ـ بغداد 2020 تبدو تلك الثنائية محكومة بمنظر سردي أراد من خلاله الروائي أن يمارس لعبته الضدية في التقويض، من خلال جرّ الحدث إلى تجريب بنائي ونفسي، وبقصد الكشف عن محجوبات تُخفي كثيرا من مظاهر ذلك «التقوّض» الرمزي للمكان، وتراقب تصاخب صراع الشخصيات في الواقع/ المكان، أو صراعها مع ذواتها المشوهة، التي تستدعي استيهامات تنفتح على وظائف يفترضها السرد الغرائبي والسحري، وحتى الفنتازي.

حدث الرواية الرئيس يتجوهر حول فكرة البحث عن أصل «الشر» ليس بوصفه الديني أو السحري، بل بوصفه جزءا من سايكولوجيا الإنسان ذاته، أو أنها قناع له، الذي يتحوّل إلى «قوة ساحرة» تتسرب من الهامشي، ومن المقموع، ومن أسطورة «الخطيئة الأولى» إلى سردنة فكرة «مكان الطرد» إذ تبدو الأمكنة، وكأنها مُصابة بعدوى الطرد، فتتحوّل إلى دستوبيات، يتوحش فيها الإنسان، النظير لـ»إبليس» وهو يفرض وجوده الإغوائي، مثلما يقود الآخرين إلى توحش غرائبي للهامش، حيث تعيش شخصياته الباحثة عن وهم الخلاص والتطهير، وكأنها شخصيات نعمان عاشور في عوالم «اللي تحت» حيث التشوهات النفسية، وحيث العطب الروحي، وحيث الذهاب إلى الخرافة كنوع من التعويض، وحيث البحث عن الجنس المقموع كنوع من الاحتجاج على رثاثة الجسد.
سردية «تابو» هي الكشف عن سر الممنوع الذي يصنعه الشر الإنساني، مثلما هي كشف عن سردية خرق «الحدود» بالمعنى الفقهي، إذ يحضر كائن هذا الشر بوصفه الغاوي، أو الصاحب الذي يتمرد، ويخرق، حيث يلبس قناع الشيطان، وهذا ليس توصيفا «فاوستيا» بقدر ما هو شغف حاد للتوغل في داخل «الشخصية العراقية» المسكونة بفوبيا الخطيئة، والمكشوفة على تاريخ طويل من الحروب والاستبداد والفقر والخرافة، التي تجعل من فكرة «الشر» بوصفها الشيطاني، كأنها تملك إيهاما بالاستحواذ، وبقتل الآخر/ قتل الأخ/ قتل الند/ المعارض، وصولا إلى قتل «المقدّس» ذاته، بالمعنى الوجودي أو الرمزي..
اختفاء «عبد الحميد» هو مدخل لصياغة مستويات السرد في الرواية، عبر تقويض الحدث الواقعي، وترحيل المكان/ قطاع 33 من الجغرافيا إلى الفنتازيا، حيث تتحول وصيته المتروكة، واعترافاته الغامضة إلى «سرد داخلي» فضائحي، تطهيري، يأخذنا إلى عوالمه الخفية، بدءا من الطفولة وحكاية العائلة السحرية، إلى السجون والحروب وليس انتهاء بالصحوة المُستفزة، التي يكشف فيها السارد العليم عن أزمته الوجودية، وعن قلقه ووقوعه في فخ الغرائبية العراقية، التي حدثت ما بعد عام 2003، وطبيعة شخصياته المتحولة والمتغولة عبر أنموذج الشيخ عبد القادر النسر، الذي يحمل معه روح الشر، واصطناع ما يشبه ميثولوجيا الغواية عبر التسرّب الخادع إلى النظام الجديد، بعلاماته وغواياته ومجازاته المُضللة، فضلا عن شخصية «مزاحم الهيلاني» الشاذ والمنحرف، الذي يمثل بخنثويته سيمياء الرياء والنفاق والشر الشيطاني..

هذه « الواقعية السحرية» تحمل معها غرائبية المسكوت عنه، وبروز صخب الحرب وغرائبيتها في الفقد «صمت القطاع يعني موت الأبناء، وخرس المستقبل الذي اعتقله الحاضر المتصامت» وحيث يعود الجرحى معاقين منها «عاد عمي كشكول وقد نهشت ربلة ساقه اليسرى ذئبة شرسة، ثم عاد رجال محلتنا وجيء بالقتلى وهم ملفوفون بالأعلام الممزقة، لكن الأسطة مطشر لم يعد.

التطهير والاعتراف وسردية الخراب..

اعتراف أو شهادة «عبد الحميد» وهو اسم يقترب من اسم الروائي، أو ربما هو قناعه، يفصح عن سلسلة من التحولات الفارقة، بدءا من تحوّل الزمن النفسي في «القطّاع» حيث التشبّع بالفقر والميثولوجيا والهامشية، إلى زمن سياسي له مفارقاته الدامية، وله أوهامه التي بدأت تتسلل إلى حيوات الناس لتزيد من تشوهها، ولتعمّق لديها الإحساس المرعب بالفقد، حيث يكون الفقد هو ثيمة الغرائبية والجنون التي تُصيب الناس، بدءا من سحرية «فقد الأم لبكارتها، وفقد الرجل/ الأب لعضوه التناسلي» وفقد الجارة «نجية» لزوجها، وانتهاء بالفقد الوجودي بعد تغوّل الاستبداد والحرب والكراهية والعنف، حيث تفقد المرأة الجميلة صبرية «آلهة الأنوثة العطشى وملكة الأفرشة الساخنة» ابنها في الحرب، بعد أن أفقدها الواقع العراقي الغرائبي أزواجها الثلاثة. يمكن لقطاع «33» أن يكون نظيرا لـ«قرية ماكوندو» لماركيز، فالحياة فيه ملتاثة بالسحر والشخصيات الغرائبية، مثل «الحاج شغاتي، ونجم المخبل، شكيح، بدرية، حميدة، الشيخ خلف، كاظم طابور، بنات فليفل، طاكة وغيرها» وصولا إلى شخصية «شالح» الذي كان يرى الطيور وهي تطير من « قدر اللبلبي، وهي طيور شبيحة تملأ سماء القطاع، وانتهاء بشخصية المرأة التي كانت تخون زوجها مع العشيق الذي قتله، فكانت تسخر من عودته للحياة عبر أصوات صاخبة تطلقها من مؤخرتها، تمنع الأطفال من النوم، ومؤذن الجامع من أذانه.

هذه « الواقعية السحرية» تحمل معها غرائبية المسكوت عنه، وبروز صخب الحرب وغرائبيتها في الفقد «صمت القطاع يعني موت الأبناء، وخرس المستقبل الذي اعتقله الحاضر المتصامت» وحيث يعود الجرحى معاقين منها «عاد عمي كشكول وقد نهشت ربلة ساقه اليسرى ذئبة شرسة، ثم عاد رجال محلتنا وجيء بالقتلى وهم ملفوفون بالأعلام الممزقة، لكن الأسطة مطشر لم يعد.. وبقي فراش عمتنا باردا بلا رجل يملأ عليها وحدته ويطرد صراصير الوحشة وهوام الظلام» وحيث الاستغراق بمتاهات الصوفية والعرفان، وحيث البحث عن» إبليس» لمقاضاته عن الشر الذي أصاب الناس، وهي تورية للبحث عن «السلطة» وجماعاتها الذين وزعوا الشر بالتساوي بين الناس، فكان شرُّ الحرب والفقد، وشرُّ السجن والطرد والفقر، مثلما كان شرُّ الاحتلال والتشظي الهوياتي، والمأزق الوجودي الذي عاشه البطل/ السارد الرئيس وهو يواجه محنته، بعد أن اكتشف بأنه كان ضحية لجريمة قتل، وأن القتيل يشبهه، ويحمل أوراقه الثبوتية نفسها. هذه الفنتازيا الكابوسية تكشف عن غرائبية الوجود في القطاع، فشخصياته الأضحوية تتحول إلى قرابين في مصائرها، وفي خضوعها إلى سوداوية الوجود في مواجهة الفقد والحروب والقمع والغياب وانطفاء الجمال، وحيث يعود إليها الأولاد مشوهين، وتظل النساء متلفعات بحزن غريب، وبسرديات الخراب الأقرب إلى الفنتازيا.

الرواية ومستويات السرد..

ما يجمع أقسام الرواية، هو ما يجمع الواقعي بالتخيلي، وبما يجعل الروائي مدفوعا إلى القيام بإجراءات سردية يتقصى عبرها ما هو غائر في أساطير «المقموع والمحذوف» داخل المكان والشخصية العراقيين، إذ يمارس «الشيطان» لعبته الماكرة عبر تلبّسه أقنعة الإنسان ذاته، وهذه جرأة في تجاوز أسطورة المقدّس عبر استحضار أسطورة الإنسان الذي يمارس خطيئته في التحوّل، عبر الحروب والاستبداد والرياء والفقد والخديعة، وعبر الغواية بالتفاح أو بالجسد أو باللغة أو بغيرها، وكذلك عبر توظيف الغرائبية كممارسة في «تقشير» الواقع، وفي إعطاء الشخصيات توصيفات ينكسر عبرها السياق السردي، وفي اتجاه أن تكون لعبة «التكسير» مكاشفة مع الواقع، ومع ما هو غير ظاهر في صراعاته، وفي تحولاته، فالشخصيات الغائرة في الواقع تتحول إلى شخصيات مأزومة، وأحيانا شخصيات لها ملامح غرائبية، ووظائف أغرب، لاسيما شخصيات «فريد الدين العطار ومحمد الشهواني وجمولي الكوري وسامي البصير ونهاوند».

إذ تتبدى من خلالهم التباسات الواقع الغرابي وفنتازيا تحوله، فرغم «عشوائية أسماء هذه الشخصيات، إلا أنها تلتقي عند الكاشف عن سردية الخراب، وعن مستوياته النفسية والجنسية والأخلاقية والهوياتية، فشخصية الحاج عبد القادر هي قناع لشخصية «القط السمين» الذي ظهر عبر «التدين» الساذج، أنموذجا للسلطة بعد التغيير وتحولات الإشباع الرمزي، وشخصية «الهيلاني» هي قناع لأنموذج الشاذ الذي يمارس وظيفة السري الممنوع والمسكوت عنه، وشخصية مثل «نجم المخبل» تستعير من أسطورة الحكيم الإغريقي الأعمى سحره في الكشف عبر البصيرة عن الرعب، وعن الخيانة، وعن «هوية القادمين الجدد» وحتى شخصية مثل «قاسم» تكشف عن محنة الشغف الإيروسي، وعن التشظي الهوياتي، إذ يضعنا السارد عند حكاية التاجر اليهودي سليمان وابنته سارة، ورفض الحاج زاير زواج ابنه قاسم منها، ليكون الابن خطّاءً في الجسد، تاركا ابنه «شموئيل» أضحية للهوية المتشظية، أو الهوية «المقتولة».

كما أن شخصيات مثل «فريد الدين العطار، محمد الشهاوي، سامي البصير وجمولي الكروي، يكسب وجودها أبعادا سيميائية، فهي مُرحَّلة من مرجعيات صوفية/ العطار، وشعرية ناسكة/ الشهاوي، ورياضية/ جمولي، وسحرية/ البصير، يحضرون بوصفهم «قضاة من وزارة العدل» ليمارسوا وظائف يشتبك فيها البوليسي مع الفنتازي، إذ تتقصون عبر المحاكمة التحولات التي تعيشها شخصية «عبد الحميد» السارد العليم في الرواية، بعد حكاية « ميتته» الفنتازية، وتحوله إلى شاهد خفي على ما يجري في الواقع العراقي من تحولات زائفة وفارقة في غرائبيتها وفي غموضها..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية