في رواية ‘نادجا’ لأندريه بريتون: بريتون الشاهد ـ الشارد

حجم الخط
0

لينا شدود’أنت التي لست شيئاً آخر بقدر ما أنت امرأة رغم كل ما فيك مما دفعني ويدفعني لأن أحسب أنك الوهم”أندريه بريتون’ضد التسلسل المُتَوقَع للأحداث، وعلى الأرضية الطرية المُمهِّدة لتواطؤات مستحيلة وممكنة في نفس الوقت، وكإيقاظ لحوادث كامنة في خبايا الروح أو لرصد حركة أشياء نادرة ومشبوهة، تمهيداً لخلق حالة من عدم السكينة وبالرغم من كل ذلك ندخل وبأمان إلى عالم نادجا. يكشف لنا بريتون في روايته ‘نادجا’ عن براعة التحليق ما بين الذاتي والموضوعي، واعتماد أسلوب متقشف خارج الحدود المعتادة، إلى أن تتهشّم الصّور وتضيق بالمكان المُعاش، وكأنّنا رفقة الشخص وشبحه.أحد أسباب فرادة بريتون، هو خسارته للبعد الزّمني والانجذاب المفروض لفكرة القصاص والسّقوط، واقتحامه الحاذق لكل ما هو ممنوع.يؤيد بريتون هويسمَنس ‘Huysmans’ في أنّه ‘ليس من المجدي البحث عن مسالك للهروب، ويثمِّن انشغاله بالظل وليس التّغني بالفاجعة’، وبرأيه أن هويسمنس قد وجّه الضربة القاضية للأدب القائم على الحبكة الرّوائية.يُمجِّد بريتون المفتون بـ ‘لوتريامون’، صاحب أناشيد مالدورور، كل ما يدفع إلى العالم شبه المُحرَّم، عالم التقاربات المُباغتة والصدف المذهلة، حيث المزيد من الإشارات للكشف.بريتون هو الشّاهد- الشّارد، المستند على غريزة المحافظة على الذّات، المُتأرجح ما بين الانزلاق والمُشارفة على الهبوط في الحلم. في عمله هذا نتحسّس ‘التّأثير التعزيمي’ الذي مارسه عليه رامبو – الصديق.يؤكد بريتون أن المعنى الذي يريده لحياته أو من حياته لا يمكن أن يأتي كثمرة للعمل، هو يفضِّل التجول في ظلمة الليل بدلاً من ضوء النّهار.بالنّسبة له الحرية عملية فك دائمة للقيود، وهذه الحرية تغذّيها السورياليّة بنظرتها القاطعة إلى العالم وبحثها عن ذاتها في آن معاً، كونها أقرب إلى التّصوف المُلحد، وكما يصفها ‘جوليان غراك’ بـ ‘ذنب الرّومنطيقية’. يروي لنا بريتون أنه التقى بنادجا لدى خروجه من المكتبة مُتأبِّطاً كتاب تروتسكي، حينها لفتت نظره كونها تمشي مرفوعة الرّأس على عكس المارة مرتدية ثياباً رخيصة الثمن.ولمّا سألها من أنت؟ أجابته: ‘أنا الرّوح الهائمة’.وبعد أن أهداها كتابين ‘الخطى الضّائعة’ و’بيان السوريالية’، تتالت اللقاءات بينهما.مع أنه كان أحياناً يقرأ في عينيها فقداناً للصبر وشكّاً واضحاً بأمره، زادَهما إحساسه الأكيد بأنها كانت تعاني من خلطٍ في ذهنها، إذ كثيراً ما كان يروق لها أن تتمثّل شخصية هيلين متقمّصة الأرواح. كانت دائماً تلمّح وتُشير في أوقات تسكعهما معاً إلى حشد أناسٍ كانوا هنا يوماً، وأنها كانت في السجن منذ قرونٍ خلَتْ، متسائلةً عمّن يمكنها أن تكون من بين حاشية ماري أنطوانيت. هنا السؤال عن الكينونة يقرع بجرسه، ويُثّور كل أحداث الرواية، بالكشف عن قدرة نادجا على توقع ما سيحدث؛ عن ريحٍ زرقاء بين الأشجار، عن توقفها المفاجئ أمام نفق لإحساسها بأنه يمكن أن يكون البداية لكل شيء، عن اليد القادرة الخارقة الموجودة في كل الأماكن لتوجيه الحَدَث؛ عن وصفها انبجاس دفقٍ مائي في حديقة، بأنه أفكارها وأفكاره.كان بريتون يستغرب حرصه على لقائها مع أنه لم يكن يحبها، أحياناً، كان يبرر الأمر بسبب نقائها، وتخلّصها من كل ارتباط في الدنيا، وحِرصها الواهي على الحياة، أو ربما لأنه كان يستسيغ فكرة أنها تحت رحمته، ولو أنها أجابته ذات مرة لمّا سألها عن طريق الوصول إليها، بقولها: ‘لا يُوصَل إلي’.كان يلذّ له أن يُتابع شرودها، غيابها عن الحاضر، شُعلة عينيها وأثرها على تصرفات الآخرين، ارتعاشها إلى أن تعلو قسمات وجهها سِمات الشيطان، وذِكرها الدائم ليدٍ تتابعها في كل الأماكن، لترسم برقاً على صفحة السماء، أو لترتاح على السين، وكثيراً ما كانت تردّد، ‘ الوقت يُضايق، الوقت يُضايق لأن كل شيء يجب أن يقع في أوانه’.لم تكن نادجا ترحمه من سردٍ شاقّ وطويل لمغامرات لا تهمه أو أن تُبدي غنجاً في غير محله، إلى أن يفقد القدرة على احتمالها، فيهرب يائساً، ولو أن نبرة صوتها الخافتة كانت تُثيره كلّما ردّدت ‘بانتهاء نفسي، الذي هو ابتداءً لنفسك’.ليس غريباً على بريتون قائد الحركة السوريالية ومن دون منازع، ومنذ نشره لبيانه الأول عام 1924، مقرّراً اختراق الدادائية، أن يكتب نادجا مُمجّداً الاغتراب عن العالم على الطريقة السوريالية. نادجا المرأة المُتوجّة بالحب، الرائية والمجنونة الهائمة بروحها بين طبقات الزمن. إلى أن صارت قدره المحتوم؛ قدرٌ تنعدم فيه السكينة. يكفي أن ظهورها قد تسبّب بوجود هذه الرواية، وهكذا لم يستغرب بريتون كيف حلّت نادجا مكان الأشياء التي كانت مألوفة من قِبله بجمالها وعبقريتها المثاليتين؛ جمال اللامعقول. أكثر ما شدّه إليها امتلاؤها بالحياة، لذا كان يروق له أن يستسلم في اللاوعي لغزو مشاهد ذهنية ممهورة بزمن لا سيطرة له عليه، حتى أنه لم يكن يُلح على معرفته، كان مشغولاً بإرواء ظمأ العيش ومراوغة منطق العقل، قد أنصفته ‘مارغريت بوني’ بوصفها بريتون أنه ‘رجل سفر داخلي، حيث بقي مقيماً لا مترهلاً، تهمه المغامرة الذهنية الكبرى’. تتنازعنا على طول الرواية ذكريات ذات طابع ملموس وغير ملموس، وأفكار شديدة التجريد بالإضافة إلى العامل العاطفي العصيّ على التحديد، وكأن نادجا قد وُجِدت لتحرر الإنسان من شرك المنطق، مع أن بريتون لم يكن دائماً على مستوى التعامل مع ما تعرضه عليه من أفكار. مع نادجا، كل شيء يعلو وسرعان ما يهبط. يعترف بريتون أنه لم يكن يُخفّف من صرامته معها حينما تكون تحت وطأة اليأس.ربما من الضروري ذكر ما أقدمت عليه نادجا ذات مرة بينما كان بريتون يقود، وذلك بوضعها يدها على عينيه، ورجلها على دواسة البنزين في حركة واعية، بقصد الكفّ عن وجود كلٍ منهما لفترة قصيرة، كتدمير تام، أو الاكتواء بنار الفكرة إزاء هزيمة القلب.اعتمد بريتون على إدراج الصور والنُصب واللوحات التي تُكمل الحدث تجنّباً للوصف الممل، وكل ذلك تحت تأثير النزوة الآنية لاختلال مستويات الوعي، أو ربما حينما كان يحار الكلام بينهما، حيث كانت تلجأ نادجا إلى الرسم وبدون تنظيم مخطّط لجعل تفكيرها أكثر وضوحاً وخفّة وعمقاً. كانت أغلب رسوماتها تعكس رؤاها المتخبّطة، ولكن كان لوميضها ذاك اللهب الذي يطيح بالمقدّس والمنطق، ويُهدّد الغرائبي ببريق الرؤى العاكسة لعنف الرمز الذي يروي ويروي، وكثيراً ما كان يروق لها أن ترسم صورتها بملامح Melusine ‘ ميلوزين’ ، الجنية الأسطورية من القرون الوسطى. يستوقفني هنا قول نادجا ‘أمام الغامض المُلغّز يا إنساناً من حجر افهمني’. حقاً، قد لفحتنا حمى التغيير التي كانت تحرق بريتون في نادجا، وهذا بفضل مهارة المترجِم في مراعاته للخصوصية الثقافية للعمل دون المسّ بهوية النص وجماليته. إذاً لا بد من جرأة محبّبة ومسموح بها على المساحة المتروكة للمترجم؛ العالق ما بين القيد والحرية وذلك بغرض تمتين الجسور بدون أي ظلال شوفينية، إذاً هي حرية متمرّدة على معايير ثابتة، حتى لا يخفق المترجم والنص المُتَرجَم معاً.لقد دفع هذا التحدّي الفريد الشاعر مبارك وسّاط لإنجاح الترجمة بتحريك كل مهاراته الإبداعية حتى أتتْ ترجمته وفية للبنية اللغوية والثقافية لرواية ‘نادجا’، وذلك عبر تنشيط آلية ضخ سخيّة لمحاورة النص والكشف عن لآلئه.’أنت لست ملغزّة بالنسبة إلي..أقول إنك تجعلينني أشيح بوجهي إلى الأبد عن المُلغّز’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية