القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: في تجربته الأولي الغرفة رقم 12 لم يكن المخرج عز الدين سعيد مشغولا بتفاصيل الحدوتة السردية لتلك البطلة الغامضة ومن حولها من شخوص يساوونها في الغموض والتركيب، ولكنه كان معنيا أكثر برحلته الانسانية داخل أعماق هؤلاء الأبطال ورصد مكوناتهم النفسية كما رصدها كاتب القصة نجيب محفوظ، وعليه اختار عز الدين سعيد الطريق الصعب في التسلل الي الأبعاد الدرامية التي أضاف اليها السيناريست مكاوي سعيد كثيرا من الرتوش الفنية لتناسب لغة السينما، وقد نجح الي حد كبير في التخفيف الدرامي دونما اخلال بدلالات النص الأصلي ورؤية الكاتب الفلسفية العميقة التي فردنا لها مساحة واسعة حين تناولنا الفيلم بالنقد والتحليل في مقال سابق، ويبدو أن شيئاً ما يربط الثنائي عز الدين سعيد ومكاوي سعيد بأدب نجيب محفوظ، لا سيما المركب منه فللمرة الثانية علي التوالي يقع اختيارهما علي المتميز في أديب نوبل ليصبح فيلمهما الثاني الزيارة هو نتاج هذا العشق، فالزيارة فيـــلم تقع أحداثه في نصف ساعة ويصــــــنف فنيا كفيلم روائي قصير يرقــي في تكوينه الي ذلك النوع الواقف بين التجريد والواقع، حيث تتداخل المفاهيم الفلسفية لمعني الوحدة القسرية المفروضة بعوامل لا ارادية مع اختيارات الانسان الواقعية، فالكاتب الكبير نجيب محفوظ يرصد حالة انسانية شديدة الخصوصية بين امرأتين تعيشان سويا في مسكن واحد هو أقرب الي السجن، ذلك أن المرض يقعد احداهما عن الحركة فيحيلها الي جسد ليس فيه من الحياة الا النفس المتصاعد من الصدر، فيما تقوم المرأة الثانية علي خدمتها مرغمة، وأمام الشعور المتبادل بالغبن تنمو مشاعر عدائية ويزداد الحنق بين الطرفين وتتداعي الهموم لتكرس داخل كل منهما احساسا دفينا بالرغبة في التخلص من الآخر يترجم في صور العنف والحدة ونوبات الشجار والتشنج التي يلتقطها المخرج ويعتمد عليها بشكل أساسي كتيمة رئيسية ينقلها الينا عبر أدوات فنية تحمل مسحة التشاؤم والكدر وتضاعف من الشعور بالملل والرتابة والانكسار ويحيلنا الي ممارسات غير سوية من البطلتين تتسم بالقهر من ناحية والاستجداء من ناحية أخري كي يوقظ بداخلنا نازع الشفقة تجاه البطلة القعيدة ماجدة الخطيب ونازع السخط والاستياء ضد من تقوم مقام الراعية أو الخادمة مستخدما اسلوب التأثير بالاضاءة والموسيقي التصويرية كعنصرين أساسيين يتوليان مهمة حمل المعاني واستخلاصها من باطن الشخصيات الي ظاهر الواقع، وبين طيات الأحداث تتكشف الأبعاد الأخري للرغبات الحسية فنلمح اشارات لتلك العلاقة المريبة التي تربط بين رفيقة البطلة في زنزانة الوحدة ايناس مكي وبعض المترددين علي المنزل كأنه اعلان التمرد علي الواقع المقبض الذي فرض الحرمان العاطفي واضطرها الي الرضوخ كأمر حتمي يتعين عليها الالتزام به في سياق واجبها الاجتماعي والانساني كنوع من الولاء لصلة القرابة، أو ردا للجميل أو طمعا في الميراث، وكلها دلالات ظلت مبهمة ومفتوحة لا تنطوي علي معني محدد، لا سيما وأن صراعا ما علي الجانب الآخر كان يدور بين أفراد العائلة يوحي بأن هناك أطماعا وأجواء غير صحية تحيط بالسيدة المريضة، ووشايات تستهدف افساد العلاقة بين الطرفين ليتسني للطامعين السيطرة والاستحواذ علي البطلة وممتلكاتها، ولكن هذه القراءة ليست الا تفسيرا لرموز نجيب محفوظ الفلسفية في النص الأدبي والتي تنطوي علي فكرة النزوع الفطري للحرية في تكوين النفس البشرية ودور الغريزة في توجيه السلوك العام للانسان، علي اعتبار أن الباعث الغريزي هو الأصل في عملية التواؤم الاجتماعي وتوطيد العلاقات بين الافراد، بما فيها الانتماء الأسري أو علاقات الصداقة أو المعايشة الجبرية بين شخصين من جنسين مختلفين أو متشابهين، اذ يؤكد الكاتب الكبير انتصار الشعور الغريزي علي الاحساس الاجتماعي في حال تعارض الأخير مع احتياجات الانسان الأساسية، والتي أشار اليها في تذمر الطرف الثاني وتمرده علي حالة الثبات والعجز المفروضة علي البطلة واستفزازه من كونه أصبح سجينا داخل الحالة ذاتها كأنه شريك في المرض والمسؤولية، فضلا عن لجوئه الي اشباع رغباته الحسية بشكل غير شرعي في الخفاء، ثم اعلانه عن ذلك بكل وضوح بعد تفاقم احساس العجز بداخله، وهو التطور الطبيعي لحالة التمرد والتي تتبعها الفيلم الي النهاية فرأينا انهيار حاجز المقاومة بالصوت والصورة متجسدا في هروب الخادمة أو النديمة من المنزل بعد قيامها بتحطيم المقتنيات وفتح جميع النوافذ واعلان الحرب علي المريضة التي اضطرتها للبقاء سنوات طويلة داخل أسوار الوحدة والكبت، وهنا نلحظ استخدام المخرج عز الدين سعيد للموسيقي التصويرية بشك صارخ والاضاءة الزرقاء والأجواء الضبابية لتصعيد الاحساس بثورة البطلة علي واقعها واختيارها للحرية والانطلاق مع أحد العشاق لمحو آثار ماضيها المؤلم وتعويض ما فاتها من ملذات وشهوات، فيما كانت السيدة المريضة لا تزال تعاني من الاعاقة وفقدان الحركة والحاجة الماسة لمن يعينها علي الحياة، ويعد مشهد المواجهة بين البطلتين ماجدة الخطيب، ايناس مكي هو خلاصة كل المعاني المتضمنة بالأحداث حيث يتم من خلاله سقوط الثوابت الاجتماعية والانسانية أمام فوران الرغبة واحتياجات الجسد الأنثوي الغض الذي يتوق الي اشباع حواسه ويتحرق برغباته المكبوتة بفعل الظرف الراهن في تتابع منطقي لترتيب الأولويات في قائمة التسلل الغريزي التي اصطلح عليها في علم النفس وأكدت الدراسة أن الغريزة الجنسية هي أقوي الغرائز وأعنفها بين الأربع عشرة غريزة التي حددها عالم النفس الشهير ماجد وجل بعد اضافته لغريزتي النوم والضحك الي بقية الغرائز الأساسية الأخري.
لم يستخدم المخرج عز الدين سعيد البعد الجنسي في الفيلم استخداما فاضحا وانما اكتفي فقط بتحليل الشخصيات تحليلا سيكولوجيا موضحا الطاقة الكامنة في الانسان مقدرا اياها التقدير الصحيح بعيدا عن دواعي التهميش والنفي التي بدت تفرض تيارا أخلاقيا شكلانيا يروج له البعض حاليا في سياقات التعبير المختلفة سواء السينمائي منها أو المسرحي أو حتي التشكيلي مطلقين ما أسموه بفن البعد الثالث الذي يقوم علي التداعي دون اعتبار حقيقي لمركزية الحدث، أي أنه ليس ضروريا أن يكون هناك غاية ما من وراء عرض الصورة ذاتها، والاكتفاء بالهاجس الذي يحمله العمل ككل، وهذه طريقة ينقصها عنصر التواصل بين المصنف الفني والمتلقي لأن التواصل يتحقق بين المصنف الفني والمتلقي لأن التواصل يتحقق بشرط السببية والجمهور المصري بحكم تكوينه الثقافي لا يقبل الأشياء المجافية للمنطق ويعتبر ذلك نوعا من التهويم والرؤية الخاصة للمبدع وكثيرا ما فشلت تجارب فنية علي قدر من الأهمية والجودة الحرفية نتيجة الاغراق في الأفكار المطلقة، حيث لا هامش ولا متن غير الرغبة في استعراض ثقافات خاصة جدا تحاكي الأنماط الغربية وتقدم مسوغات الاعتماد لدي المهرجانات الأوروبية المحلية طمعا في جائزة أو شهادة تقدير أو امتياز الانتاج المشترك، وهذا ما يحظي به غالبا أهل الثقة.