لندن ـ «القدس العربي»: يتزايد دور الميليشيات الشيعية في الحياة اليومية العراقية ومنذ سيطرة قوات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والقوى السنية المتحالفة معه على مناطق شمال وغرب العراق.
وتبدو مظاهر الميليشيات بشكل أوضح في العاصمة بغداد التي تدفق عليها المتطوعون الشيعة من كافة المدن العراقية بعد سماعهم فتوى آية الله علي السيستاني التي دعاهم فيها للدفاع عن بغداد.
ولعل أبرز الجماعات في المشهد وكحليف لرئيس الوزراء نوري المالكي، هي «عصائب الحق» التي استدعت مقاتليها من سوريا بعد الأزمة الأخيرة. ويشير تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» للواقع الجديد في العراق. ففي الطريق من بغداد إلى سامراء التي يوجد فيها مقام الإمام العسكري يفرغ الطريق بعد 20 ميلا كما ولو أن حاجزا غير ملموس وضع عليه.
فعند هذه النقطة وما بعدها تتغير الحدود بشكل مستمر، حيث لا تتعدى سيطرة الحكومة جانب الشارع وفي بعض الأحيان لا توجد سلطة لها على الشارع نفسه.
ويقول التقرير إن الرحلة التي تمتد على مسافة 75 ميلا تدخل المسافر في واقع العراق غير المستقر، فعند هذه النقطة يدخل المسافر عالم الميليشيات الشيعية التي يحمل أفرادها السلاح نيابة عن الحكومة وقواتها التي انهارت معنويا وعسكريا وليس لديهم إلا صلات قليلة مع القوات الأمنية، رغم أن هذه تؤكد على سيطرتها على عناصر الميليشيات، وأمام هذا العالم يواجه المسافر بعالم الميليشيات السنية التي أصبحت لا تبعد سوى 50 ميلا عن العاصمة في خروجها السريع والمفاجيء الشهر الماضي الذي أدهش الأمريكيين وأخذ الجيش العراقي على حين غرة.
ويقول كاتب التقرير على المسافر قراءة الإشارات التي قد تكون غير واضحة للقادم الجديد، فالرايات والزي العسكري قد يكون مصدر خطر وأمن. فعند نقطة تفتيش لا تبعد سوى 25 ميلا عن سامراء قال عنصر من الحراسة لمراسل الصحيفة «أنت تدخل منطقة ساخنة»، وكان يرتدي قميصا وقبعة الشرطة ولكن الراية المرفوعة كانت صفراء مما يؤشر إلى أن الذين يديرون النقطة هم أعضاء في «كتائب حزب الله» العراقي، وهو فصيل دربته ومولته إيران.
الرايات
ويقول التقرير إن الشيعة يعلنون عن حضورهم من خلال الرايات، فعلى الطريق من الدجيل لبغداد تظهر راية عصائب الحق «بأرضية بيضاء وفي وسطها خريطة العراق التي زرع فيها كلاشينكوف، محاطة بسيفين، وتحت كتاب نقش عليه جزء من الآية القرأنية «»إنهم فتية ..».
وتقدم «عصائب الحق» نفسها باعتبارها من أشد الجماعات مراسا ولديها خبرة في الحرب حيث عاد مقاتلوها من سوريا، بعد مشاركتهم للقتال إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد.
بالإضافة لهذين الفصيلين ترتفع في شمال سامراء أعلام الميليشيا التي أعلن تشكيلها أو أعاد إخراجها باسم جديد مقتدى الصدر باسم «كتائب السلام» بعدما كانت تسمى جيش المهدي.
وفي مدينة سامراء التي تعرضت قبة المزار فيها عام 2006 لتفجير أشعل الحرب الطائفية التي تعتبر من أشد الفترات الحالكة في مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق، ينقل التقرير عن الجنرال صباح الفتلاوي، الذي يترأس قيادة القوات الخاصة في سامراء «هذه منطقة حيوية».
وكان مقاتلو داعش قد دخلوا المدينة في 5 حزيران/ يونيو ثم انسحبوا منها ولكنهم لا يبعدون سوى ميلا ونصف الميل عنها. وتمتليء المدينة بالمتطوعين الشباب يبدو أنهم عرضة للخطر، فقد أدت دعوة السيستاني لزيادة أعداد من انضموا للقوات العراقية او تطوعوا في صفوف الميليشيات.
من كل الأشكال
ويتم تدريب القادمين في معسكر قرب بلد حيث يحضر كل متطوع زيه العسكري. ويقول مسؤول المعسكر ان عدد الذين سجلوا أسماءهم وصل 20490 متطوعا «ونقدم لهم السلاح والذخيرة» حسب العقيد مصطفى مدير المعسكر.
ويواجه العقيد مشكلة في المعسكر من ناحية طبيعة المتطوعين فهم من مختلف الأعمار والأحجام، بعضهم سمين لا يمكنه الجري ولو لمسافة قصيرة وهناك كبار في العمر دفعهم الحماس لتسجيل أسمائهم لكنهم لا يستطيعون القتال. وتقدم أحدهم وقال إنه مولود عام 1943 مما يعني أن عمره 70 عاما او أكثر وقال «أنا هنا للدفاع عن البلد».
وكان مع العقيد مصطفى شيخ يلبس الزي العسكري ويعتمر عمامة اسمه الشيخ مهدي السعدي الذي لم يترك العقيد يكمل جملة واحدة وجاء بناء على طلب من المرجعيات وترك مدرسته مؤكدا أنهم مستعدون للموت وحماية البلد.
ومع ذلك فالمعسكر ليس آمنا من الهجمات حيث قتل شخصان وجرح 20 قبل أربعة أيام جراء هجوم.
وفي أثناء حديثه يقاطعه الشيخ السعدي الذي يقول «أهم شيء ان المرجعيات تدعمنا» وإلا لما حضر الشباب.
وتظهر أثار الحرب في بلد في كل مكان حتى على العشب الذي احترق. وقريبا من المكان ترتفع رايات كتائب حزب الله التي تدير نقطة تفتيش ولم يلاحظ كاتب التقرير وجودا للقوات النظامية، التي تركت المهمة للميليشيات كي تواجه داعش.
ولا توجد أي مظاهر عسكرية لجنود في الزي العسكري أو سياراتهم فقط رجال لفوا على رؤوسهم عصائب خضراء مكتوب عليها «يا حسين»، ومن المتطوعين هناك قلة يظهر أنها تلقت تدريبا عسكريا وتحمل بنادق قناصة.
مدينة سنية
ورغم وجود مقام العسكري إلا ان سامراء تظل مدينة بغالبية سنية ولهذا استقبل السكان وصول مئات المتطوعين الشيعة بنوع من الشك. وتبدو المدينة مهجورة، فقد توقف الحجاج للقدوم إليها منذ شهرين.
ويقول عدنان وهو استاذ في جامعة سامراء إن نسبة 50٪ من سكانها فروا منها. ويقول إن المتطوعين تلقوا أوامر بعدم شراء طعام أو وقود من المحلات والأسواق بسبب قلة المواد التموينية.
ويقول «لم أتعامل من قبل مع الميليشيات الشيعية ولكن حسب التقارير فهم وحوش، ولا أعتقد أنه يحترمون أحدا»، ومع ذلك فالمرور اليومي عبر نقاط التفتيش وجدهم مؤدبون ولا يشكلون إزعاجا له.
من سوريا للعراق
وتظل «عصائب الحق» من أهم الميليشيات المرتبطة بإيران والتي ظهرت عام 2006 حسب محللين قالوا إنها شكلت بعد خلاف مع مقتدى الصدر وجيش المهدي، وجاءت الأزمة الأخيرة بعد أن كانت تحضر الميليشيا للعب دور في السياسة العراقية ومن المتوقع أن يعطيها تحالفها مع المالكي دفعة قوية.
ورغم انها أخفت دورها في سوريا إلا أنها من أكثر التنظيمات الشيعية التي أرسلت متطوعين لدعم الأسد أو كما يقول عناصرها للدفاع عن مقام السيدة زينب في جنوب دمشق، والذي يقع في مكان استراتيجي بين وسط دمشق والمطار الدولي.
ويقول محللون إن النظام ربما بالغ في أهمية المقام لدفع المتطوعين الشيعة للقدوم والقتال في صفوف النظام.
وعادة ما كان ينضم عناصر عصائب الحق لكتائب أبو الفضل العباس التي تجمع متطوعين من الدول الجارة لسوريا. وظلت كتائب «عصائب الحق» تتكتم على الطريقة التي يسافر فيها عناصرها لسوريا، ولكن في الغالب يسافر المتطوعون لإيران حيث يتلقون الدعم والتمويل والتدريب من الحرس الثوري ومن ثم يعودون من نفس الطريق الذي دخلوا فيه سوريا.
وفي الأحياء الشيعية لا يعلن عن مكان قتل المتطوع إن قتل في سوريا بل يشار إلى أنه «مات في سبيل دينه».
وتظهر تجربة المتطوعين الشيعة الطريقة التي تتداخل فيها الحرب الأهلية في سوريا والازمة في العراق.
ففي الوقت الذي قرر تنظيم داعش محو الحدود بين البلدين، على الأقل في المناطق التي يسيطر عليها، يقول مقاتلوا عصائب الحق إنه لا فرق «فنحن نقاتل المتمردين في سوريا والعراق» حسبما قال أحدهم لصحيفة أمريكية هذا الشهر.
ومنذ فتوى السيستاني زاد حضور عصائب الحق حيث يقومون بحراسة الاحياء الشيعية، ومراقبة الأحياء السنية في بغداد، وفي أبو غريب والبلدات التي تقف على خط النار يمكن تمييزهم من قمصانهم السود وشارة النسر على جانب والعلم العراقي على الجانب الآخر، ويخشى السنة منهم نظرا لعمليات الخطف والقتل التي مارسوها ضدهم أثناء الحرب الطائفية.
ومن الأحياء التي تتذكر هذه الأيام وتأمل أن لا تعود هو حي الغزالية الذي تحول لمنطقة مغلقة وساحة قتل في تلك الفترة ولم يكن حتى الجيش الأمريكي يستطيع الدخول إليه إلا بالمصفحات.
في الغزالية
ويتذكر صاحب محل حلاقة تحدثت إليه قبل أيام صحيفة «لوس أنجليس تايمز» «كانت الجثث ترمى كل يوم في الشوارع، وكان الناس يخشون مغادرة بيوتهم» وقال إن الحي عانى من تفجير سيارات واغتيالات واختطافات بدرجة لم يعد صالحا للعيش فيه.
وانقسم الحي الذي كان يعيش فيه السنة والشيعة جنبا إلى جنب لقسمين، واحد تعيش فيه غالبية سنية وآخر يعيش فيه الشيعة يفصل بينهما جدار اسمنتي. ونفس الأمر تكرر في أحياء بغداد التي عاشت قبل الإحتلال معا وفي انسجام تام.
واليوم عادت أشباح تلك الأيام لتلاحق أهل بغداد وفتحت جروح الماضي.
وتحولت بغداد كما يقول التقرير لساحة للميليشيات التي تجمعت لمواجهة تهديد داعش، فيما تنتشر شائعات عن «خلايا نائمة» لداعش جاهزة كي تضرب الشيعة والحكومة. ويلاحظ كاتب التقرير أن مظاهر القلق واضحة في الغزالية، وهو حي تعيش فيه طبقة عمالية، ربما وصل عددها إلى 100.000 نسمة.
وكان الحي مشهورا كسكن للعسكريين في الجيش العراقي السابق، ويظل أكثر الأحياء عرضة لانفجار العنف الطائفي فيه، والبوابة التي يمكن للمقاتلين السنة دخول بغداد منها. وشهد الحي في الفترة ما بين 2006-2007 عمليات قتل وقتل انتقامية بين جيش المهدي ومؤيدي القاعدة.
الحياة عادية
وفي زيارة للحي جمع كاتب التقرير سلسلة من الشهادات تظهر أن الحي لا يزال هادئا.
ويقول صاحب مخبز «التين والزيتون» جاسم صالح الذي يقدم خدماته للجميع «الناس لا يريدون العودة لتلك الأيام»ـ ويقول إن الوضع حتى الآن «عادي»، ويعني بها استمرار الإنقسام حيث يعيش السنة والشيعة على طرفي الشارع المشجر الذي يفصل الغزالية لقسمين.
ويقول صالح «يشعر الناس بالراحة عندما يعيشون مع أبناء طائفتهم». ويقول كاتب التقرير إن الغزالية يظهر صعوبة تقسيم العراق حسب الخطوط الطائفية، صحيح أن هناك اعداد كبيرة من الشيعة يعيشون في بغداد والجنوب لكن هناك تجمعات سنية كبيرة في العاصمة والجنوب.
وشاهد سكان الغزالية الميليشيات الشيعية وهي تقوم بمسيرات وهو كل ما رأوه منها حتى الآن. وفي النهاية يقول كاتب التقرير إن لا أحد على ما يبدو راغب بالعودة للأيام الحالكة: فرق الموت والإغتيالات.
إبراهيم درويش