«إن كل معرفة تبدأ بالدهشة». الدهشة هي نفسها التي أصابت العالم بعد سلسلة من العمليات المعقدة، عندما توصل إلى حساب مساحة الدائرة بشكل دقيق، وبلا شك لا تقل عن دهشة نيوتن، عندما تعجّب من علاقة التفاحة بجاذبيته على هذا الكون. لكن هذا الذهول يتعلق فقط بذلك الشكل الفريد «الدائرة».
الدائرة هي أول الأشكال التي نصادفها في الطفولة، بدءًا من عجلات سيارات السباق حتى مرايا الفتيات الصغيرات، لتلحقنا ونتعلم منها دروسًا ضرورية للمستقبل، حول تركيب الأجسام الحية والصلبة إلى جمالية الهندسة والبناء. كذلك، تتبعنا بفلسفتها في اللغة العربية في مادة: دار، في «لسان العرب» لابن منظور، جاء: «دار الشيء، يدور دَوراً ودَوَرانًا.. واستدار، وأدرتُه أنا. والدهر دوَّار بالإنسان. وتدوير الشيء جعله مدوّرًا. يوثق حضورها أيضًا، في بقايا المنحوتات الأثرية، خاصة الحضارة الفرعونية التي استمدت عمقها وأصالتها من تلك الرسومات الجدارية، التي تقوم على الهندسة الدائرية بديناميكية واضحة في الأشكال الثلاثة: العين والشمس والقمر.
بالإضافة إلى ذلك، قام الفن التجريدي الهندسي بقيادة كاندينسكي على تكثيف تواجد الدائرة بدقة باهرة، بفرض التوازن، وخلق التفاعل باستدراج الخيال، من خلال تداخل الألوان وتدرجاتها، وحث المتلقي على كسر الجمود الذي يحيطه.
كما أن للدائرة وجودا أساسيا في الأديان، فتسود في أغلب المقتنيات العبادية والدور الدينية، على تنوع أحجامها وألوانها، كالقبب والمحاريب التي ترمز إلى المركزية والوحدة والمساواة بين جميع الخلائق. عندما ترى الدائرة بغير تمعن، فإنك تجدها شيئًا باردا لا يمكن الاستفادة منه، لكنها في الواقع أكبر بكثير من ذلك، فالفراغ الذي يشغلها من الداخل هو مساحتك أنت للتفكير، فهي تحثك على تدوير أفكارك وتنشطيها بطريقة متتابعة، قابلة للصعود والنزول، بسرعة لا تتصورها. حين تفكك أفكارك، ستسأل نفسك عن إمكانية حدوث بعض الأحداث وسببها وماهيتها، وأيضًا ستجيبها حول سبب إخفاقك في بعض المهمات التي طلبت منك، عندئذ ستضيء روحك ويعمل دماغك على جلب المزيد من الأفكار التي تتلاءم معك. وكما يقول وليام جيمس «إن الاكتشاف الأعظم الذي شهده جيلي هو معرفة البشر أن بمقدورهم تغيير حياتهم عبر تغيير مواقفهم الذهنية». أعرفت الآن سحرها؟
كاتبة وإعلامية من البحرين