نسرين طرابلسيبكامل الهدوء، ولإعادة الحق لأصحابه، أقتطع من زمننا السوري الأليم فسحة صغيرة، أنفض فيها كمي الغارقين بالدم والدموع، لأكتب دفاعاً عن نص أدبي، أعتبره واحداً من أجمل النصوص المختلفة التي كتبت عن مدينة دمشق.
إنها دمشق يا أولاد القحبة، للكاتب السوري فادي عزام. ابن محافظة السويداء.
أعاد نصه دمشق إلى ألق القصيدةِ الحديثة بقوةٍ، بعد أن غيّبها احتجازها لفترة طويلة، كصورة شعرية آسرة، مخدرة، وضعها الأب الروحي للقصيدة الدمشقية نزار قباني، الذي قدم دمشق مؤنثة وباذخة الرقة، مصوراً أدق تفاصيلها الوادعة من الياسمين والقطة، الى العناقيد والتفاح والكحل ومطحنة البن والنار المعطرة. شاعر دمشقي قاتل القبح في شعره بسيف الغزل، منجزاً مهمته النبيلة عند حدود غضبته على النصابين والمداحين والسفاحين. كان تصويره من القوة بحيث لم يرد أحد أن يفتح عينيه على دمشق الأخرى، التي تزحف باتساع بقدر ما تضمحل في الضيق. ففضل محبوها العيش بألمٍ أقل على أطلال صورة تلاشت خصوصية ملامحها، ورأت الجهات المهيمنة على الثقافة في تكريسها ما يمنع فضيحة تحولها في عهدهم إلى (الأقدم والأيتم)، بالتسلل إلى العقول.
فالمدينة التي قال عنها نزار’حيثما أسندت رأسك جدولٌ ينسابُ’، قال عزام عنها (رُضعت حتى جفّ بردى) وردم جله، وتحول العديد من أفرعه إلى مصبات للمجاري ومعاقل للجرذان. ولم يعد بالامكان الورود على نبع فيجته بلا ذكر ساعات الانقطاع اليومي للماء. كان ‘الفل يبدأ من دمشق بياضه وبعطرها تتطيب الأطياب’، ف(أصبح فيها من المداخن ما يكفي لتشحير وجه الكون)، وقد أكل الهباب أبنيتها بالسواد وكست وجهها الصامت تجاعيد الحزن والتعب. انتهك الإسمنت والإسفلت خضرتها، وهي تدهس يوميا تحت عجلات الميكروباصات وتتورم قدماها على الأرصفة المكسوة بالحفر، مختنقةً بربوها، ملوثةً بالضجيج، مشوهةً بالأبنية العشوائية التي تتكاثر على أطرافها كفطرٍ سام. وشيئا فشيئا، بدأت تفقد هوية شارعها واحتلت لهجات الغرباء الأسواق والأكشاك. وها هي قد (أسلمت قاسيونها شامتها الأثيرة يلعقونه يتسلقونه يطلون منه على جسدها ويدعون منه كل السفلة ليأخذوا حصتهم من براءتها). يراها السائح من بعيد، تتلألأ من قاسيون، بينما يغرق فقراؤها وميسوروها في الظلام والحسرة، عند انقطاع الكهرباء، وتقنين الأمل. المدينة العتيقة التي حاولت الأموال القذرة إلباسها قناع المدينة الحديثة، بإتخامها بالمطاعم والمولات المبنية على عجل، فوق قشرة واهية تغطي سخامها وآلامها ومأساتها السياسية والاجتماعية والثقافية. بعد أن طال اعتقالها أربعين عاماً في غياهب سجن البعث ومقولاته الجاهزة ووجهة نظره المحدودة والمفروضة على الأدمغة والعقول، فتكلس الفكر وأصبح كل خارج عنه خارجا عن القانون. فنسيها الكتاب وتناساها الشعراء. حتى قال عنها أدونيس في أحد لقاءاته ‘دمشق تريفت، دمشق مدينة لا تنتج ثقافة’ فهاج عشاقها وساستها وماجوا وانطعجوا من دون أن ينجح أحدهم في كتابة ردٍ مفحمٍ أو نصٍ أدبيٍ يثبت أنها مازالت تحتوي على فسحة حرة تنتج رأياً قادراً على المواكبة والثبات والبقاء والنطح في معترك ثقافة الحياة وليس الحياة الثقافية المدمَّرة في سوريا الصمود والتصدي فقط. ‘إنها دمشق’.. نص متمرد ثائر جريء استشف جمال دمشق من وجعها، وارتشف نسغها من تاريخها. أزاح تلك الصورة المتحفية ‘الخيل تبدأ من دمشق ركابها وتشد للفتح الكبير ركاب’ معيداً دمشق بمفردات الواقع والآن (لديها من الأحذية والشحاحيط المعلقة في سوق الحميدية ما يكفي للاحتفال بخمسين ديكتاتوراً)، إلى دائرة ضوء النص الشعري في صفحة انترنت في موقع أوكسيجين عام 2005. هذا النص الحداثي المكتوب نثراً، والذي لا يشبه أي نص آخر، لأن شحاحيطها وكبريتها ودكتاتورها ومخالفات التموين وجشع تجارها لم تغر أي شاعر بالكتابة عنها. نص قوي غيور غاضبٌ، قدم وجه دمشق بلا كذب أو نفاق، بفعل عجز عنه أبناؤها الصامتون، السائرون في ذلك الوقت الحيط الحيط طلباً للستر والسلامة.
وما حدث بعد أنه صعب على الأوساط الثقافة بكبارها وصغارها الاعتراف بهذا التفوق الأدبي لشاعر مغمور فما كان منهم إلا أن نسبوا النص عن جهل تارة وعن قصدية تارة أخرى إلى الشاعر مظفر النواب. لأنه عاش في دمشق ولأنه ومنذ سنوات في حالة صحية سيئة ومختف عن دائرة الصحافة فلا يمكن سؤاله عن حقيقة نسبة النص إليه. معتمدين على سطوة الإسم المكرس في عالم الشعر، ومستغلين حاجة البروباغاندا في تلك الفترة الزمنية وحتى اليوم إلى نص يعيد للعاصمة اعتبارها الذي ساهم ساستها ومافياتها في تشويهه وإضعافه. ارتكب خطأ نسبة النص لمظفر النواب لأول مرة الكاتب العراقي جمال محمد تقي في موقع الحوار المتمدن، ولم ينفع اعتذاره على استحياء من فداحة صنيعه فيما بعد بمقال بعنوان ‘غرام الإشاعة في الشعر ونسبه، إنها دمشق نموذجاً’، في إصلاح الخطأ فقد كان النص قد انتشر على صهوة شهرة النواب.http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp’aid=189725لاحقا قامت الصحفية العراقية بتول الحصري بالتنبه إلى الفارق الكبير بين الأسلوبين، فعلى الرغم من جمال النص الذي لا خلاف عليه، طرحت في تحليل دقيق للحادثة عدة نقاط لعل من أهمها مسألة تجيير النص لخدمة مواقف سياسية طارئةhttp://almothaqaf.com/index.php/araaa/10592.htmlلم يعد تناول أمر هذا النص بموضوعية مجدياً. لا بد من اعتراض جماعي. خاصة بعد سرقته من قبل قناة الإخبارية السورية بفجاجة ووقاحة، في استمرار لمسلسل فضيحة الانجراف والاستسهال والتزوير الثقافية، من دون أن يكلف أحد من صناع العمل الذي أسموه ‘أوبريت’ البحث في أروقة (غوغل) على الأقل عن بيانات هذا النص وإسم كاتبه. ويبدو أنه لا يوجد في داخل أروقة التلفزيون السوري، الذي كاد يصدق أنه أسطورة الدراما، كاتب واحد قادر على إسعاف النظام الساقط، الذي جعل من دمشق قاعدة عسكرية لقصف صواريخ سكود على باقي المدن السورية، بنص يلمّع العاصمة التي يحتلها!! كيف يقدرون على ذلك؟
؟ بالتأكيد هذه مهمة مستحيلة ومن الأسهل عليهم أن يسرقوا نصا صادقاً ويشوهوه ببعض الكذب.
الأوبريت المسروق على يوتيوبhttp://www.youtube.com/watch’feature=player_embedded&v=SyaeA7yuo7Uالسرقة الأخيرة السافرة أعادت هذه القضية إلى الواجهة، مرة أخرى، وإذ أوجه القارئ في هذا المقال إلى روابط إلكترونية لبعض ما كتب عن فداحة هذا الالتباس بالمقارنة بين تاريخ نشره الأول باسم صاحبه فادي عزام في موقع أوكسيجين عام 2005 وتاريخ نشره الثاني باسم مظفر النواب عام 2009. بين أسلوب شعر النواب الذي لا يكتب إلا شعرا غنائيا موزونا، وأسلوب عزام النثري الحداثي. بالانتباه حتى إلى أخطاء النص الإملائية العفوية والتي لا يمكن أن يرتكبها النواب. النص الأصلي بموقع أوكسيجين العدد 21 http://www.o2publishing.com/_iiues.php’iiueNo=125أوجه أيضا المتناقلون والمعجبون والمنحازون إلى بريق الإسم لنصب الشعر وتمثاله المكرس، لمجموعة ‘تحتانيات’ للكاتب فادي عزام الصادر عن دار ميريت، سيجدون النص فيها ويطمئنون إلى ثبوت نسبه. معركة الدفاع عن نسب هذا النص امتدت لأربع سنوات، ومازال هذا الخطأ الفادح يرتكب عن سبق جهلٍ ولا مبالاة وترصّد، ما دفع بكاتبه على صفحة التواصل الاجتماعي بتاريخ 26 فبراير للقول’ .. لو كنت شجاعا أكثر لكتبت نصاً عن حقيقة دمشق التي ركلتني وكرهتني وماقبلتني أبداً.. بقصد ناس دمشق’. هكذا دخل السوري إلى المدينة يتلقى نبذها وصفعها ورفضها، فما زاده ذلك إلا تعلقاً بذيلها مثل طفل يخاف من أمه ولا يقوى على تركها.
أفكر لو كان هذا النص لشاعر مصري عن القاهرة أو فلسطيني عن القدس أو مغربي عن الدار البيضاء أو عراقي عن بغداد، هل كان سيسرق ويترك بلا أي عضيد أو سند أو دفاع؟! لماذا على السوري دوماً أن يحارب وحيداً ثم يغرق في أساه؟! سؤال برسم السوريين أنفسهم. أكتب هذه المادة عن نص سوري ثائر قبل الثورة. عن نص سوري معنون بشتيمة كأنه محمل بنبوءة ما سيحدث له، فحمّله كاتبه بسلاح دفاعه.
أكتبها كي يتوقف أكل حق أخينا حياً.
كاتبة وإعلامية سورية