بيروت ـ ‘القدس العربي’ : ضمن نشاطات مهرجان ربيع بيروت، قدمت على خشبة دوار الشمس مسرحية ‘في سنّي هذه، ما زلت أختبئ لأدخّن’ ( نصّ: ريحانة، الإخراج المسرحي: فابيان شابوي ـ فرنسا، تمثيل ماري أوجيرو، جيرالدين أزويلوس، بولا برونيت سانشو، ليندا شعيب، ريبيكا فيني، كاترين جيرون، ماريا لابوريت تايدير أوازين وريحانة ميريام). تلا’العرض مناقشة مع روجيه عساف، احمد بيضون، فيليب تاسمان وريحانة، وذلك بالتعاون مع / La Maison des M’tallos’ باريس. المسرحية من إنتاج شركة أورتن الإنتاج المشترَك ميزون دي ميتالوس وأركادي بمساعدة إبداعات المركز الوطني للمسرح، مساعدة الإنتاج والتوزيع، صندوق جمعيّة الكتّاب والمؤلّفين المسرحيين، دار بلديّة باريس، مساعدة الإعادة الجمعية المدنيّة لإدارة حقوق الفنّانين والموسيقيين المسرحيّين، ودعم المسرح 13/ باريس. ‘في سنّي هذه، ما زلت أختبئ لأدخّن’ تراجيديا كوميديّة تجمع 9 نساء من أعمار وظروف مختلفة في حمّام عام في الجزائر، العاصمة… ذهبن إلى هناك للاغتسال ولكن السبب الأهم هو التكلّم، التحدّث إلى بعضهنّ… وسط حميميّة هذا المكان المحميّ من الخارج، تتشابك النظرات ووجهات النظر، بين العفّة والجرأة، في الإفشاء والكَسر العنيف والساخر والغريب والجدّي لجدار الصمت المكبوت لدى النساء اللواتي لزمن الصمت لوقت طويل جداً. شيئاً فشيئاً، كُشفت أقدارهنّ المحدّدة، من خلال قصص طبعت وشكّلت كيانهنّ، كاشفةً النقاب تدريجياً عن العنف السياسي والاجتماعي والجنسيّ في الجزائر الواقعة ضحيّة الفساد والبؤس والاعتداءات والمعارك اليومية التي تشنّها الفصائل الحكومية والإسلاميون، مستعملين في معظم الأحيان، جسم المرأة كساحة للمعركة. بعيداً عن أيّ نظرة اتهاميّة، تمكنهنّ مشاطرة حالتهنّ النفسية وأسرارهنّ وأحلامهنّ وغضبهنّ وأفراحهنّ، وخياناتهنّ أوّ حتى التفاهات الصغيرة. يمكنهنّ التكلّم عن الأخلاق والدين والجنس ولكن أيضاً عن السياسة، وطبعاً… تمكنهنّ مناقشة موضوع الرجال على سبيل المرح. طفل يستعدّ للمجيء إلى العالم، وبدافع الغريزة والضرورة، ينهضن جميعاً، بطريقة أو بأخرى لحماية هذا المخلوق الجديد والدفاع عنه، فهو يمثّل أملهنّ وتطلّعاتهنّ للحياة المستقبلية بُعيد نهاية الأصوليّة القاتلة. 9 نساء، 9 أقدار، بين التمرّد والحلم أو الخضوع. أمّهات، عشيقات، أو ‘تقيّات’، يجتمعن في قلب الرحم، الحمّام، حيث تُضمّد جروح الكفاح ضدّ القمع والعنف والحرب وسط نوبات الضحك الهستيرية ونوبات البكاء، الأسرار والحماسة العارمة. ‘في سنّي هذه، ما زلت أختبئ لأدخّن’ تتناول هذا الرابط المذهل والمؤلم في آن، والذي يمكننا أن نقيمه مع البلد الذي أرغِمنا على الهروب منه. حتى ولو منحتنا الأحداث الأخيرة كلّ الأسباب المنطقيّة للرحيل، يبقى بلدنا منبع أصلنا، والتاريخ الذي نحن ثمرة له، وتاريخ أهلنا، وطفولتنا. بلد كان مصدر معاناتنا ولكن لا يمكننا الحؤول دون أن نحبّه حباً جمّاً. تاريخ صعب ولكنه يبقى رغم كلّ شيء تاريخنا. مع أن ريحانة تندّد ببعض أوجه التاريخ الحديث في الجزائر، إلا أنّ الوصف الذي تجسّده عن هؤلاء النساء هو بالنسبة إليّ إعلان حبّ. فرنسا كلّية الوجود في هذا الوصف المعاصر للجزائر. ملاذ طبيعيّ وتاريخيّ للهروب من العنف اليوميّ، وبالتالي تجذبنا نظراً للأمل الذي تحفّزه بمستقبل أفضل. ولكنها تعرض أيضاً وجهاً قاتماً أكثر: وجه ملاذ فشل في دمج الغرباء فيه، أرض معاناة تكبح العشّاق وتفرّق العائلات وتحوّل الإخوة إلى متعصّبين. وهؤلاء النساء يرمقن هذا البلد بنظرة واضحة وفي الوقت عينه مشحونة بالأمل. ولربما هذا ما يميّز نساء الجزائر: وضوح مذهل حول العالم الذي يعِشن فيه وفي الوقت عينه إيمان كبير بالمستقبل. كذلك يتناول العمل وضع المرأة في بعض البلدان العربية، ولكن المسرحيّة تعالج تحديداً مواضيع الحياة والتضامن وقوّة وجمال المرأة.