في سوريا انتهت كل الخيارات الجيدة… والأقل سوءا يعني لاجئين أكثر واقتصادا منهكا

حجم الخط
3

لندن ـ ‘القدس العربي’أصبح الأمر رسميا، سوريا هي أكبر بلد مصدر للاجئين في العالم، مما يهدد بكارثة إنسانية حقيقية، وبحسب احصائيات مركز عمليات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة فموجة اللجوء السياسي تخلق مشاكل محلية وإقليمية على دول الجوار السوري فالوضع السكاني الذي خلقته الحرب السورية وإحصائيات الامم التي تتوقع زيادة عدد اللاجئين بنهاية العام الحالي إلى 8 ملايين مما يعني 35’ من سكان سوريا أصبحوا بلا ملجأ فيما سترتفع أعداد القتلى لما بين 170 190 ألفا.

خارج الخيارات

وفي ظل هذه الكارثة الحقيقية فلا يوجد خيار جيد في سوريا. وبحسب أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن ‘فلا توجد طريقة واقعية للتعامل مع المأساة السورية بدون اختيار اقل الخيارات سوءا من بين الخيارات المتوفرة’، فقد فات الوقت للحديث الذي يقول إن المعارضة السورية ‘المعتدلة’ كان بإمكانها الإنتصار بدعم عسكري أمريكي محدود، فهذا الوضع لم يعد قائما على ما يبدو، ولا يوجد شيء اسمه ‘المركز’ في الأزمة السورية، فالمعارضة تواجه نظاما يلقى دعما قويا من أطراف خارجية: إيران وروسيا وحزب الله واستعاد قدرته على استخدام القوة.
وبعيدا عن حدوث انهيار مفاجئ للنظام، فسوريا تواجه مستقبلا قاتما، حيث باتت مقسمة بين مناطق تسيطر عليها قوات الأسد في المدن والموانئ البحرية وأخرى تسيطر عليها في الشمال، حلب وإدلب وحول دمشق، وهذه المناطق ليست آمنة فيما يشعر النظام بأنه في الطريق نحو الإنتصار، إن لم يكن في كل سوريا، ولكن في المناطق الشرقية والمدن الواقعة تحت سيطرته.

ليست مؤهلة للحكم

أما بالنسبة للمعارضة المسلحة فهي كما يقول كوردسمان مفككة تقضي فصائلها المتطرفة وقتا كبيرا في قتال بعضها البعض والفصائل المعتدلة، وهناك أسئلة حول قدرتها على إدارة أو الاحتفاظ بالمناطق التي تتمتع فيها بنفوذ. وقد تؤدي بعض اتفاقيات وقف اطلاق النار واتفاقيات هدنة لرسم حدود بين المناطق، لكن كل طرف سيواصل بناء قواته واستيراد أسلحة.
وعليه يرى الكاتب أن الحاجة تدعو لبذل كل الجهود لتوحيد البلاد والإبقاء عليها كتلة واحدة يحكمها نظام يمكن للسوريين الوثوق به، وهذا الخيار في الوقت الحالي بعيد المنال، وفي الوقت نفسه لا يعرف ماذا سيحدث في حالة بقاء البلد منقسما بين الشرق والغرب على الأقل لعدة سنوات قادمة.
ولا يخفى على المراقب أن الحرب الأهلية قد عطلت كل ملمح من ملامح الحياة المدنية في سوريا وهي البلد الذي يعاني من سوء إدارة للاقتصاد ومن ضغوط سكانية حتى قبل الحرب الأهلية. مشيرا إلى أن ثلث السكان السوريين سيتحول إلى لاجئين بنهاية العام، اضافة للخسائر المادية التي تكبدها المواطنون في بيوتهم وأعمالهم والوظائف، وثلث السكان هم من الأطفال الذين لم يعد لديهم فرصة لمواصلة الدراسة او التطور الإجتماعي الطبيعي ولا يبدو أن النهاية قريبة لمعاناتهم، وستترك هذه آثارا عليهم، اي الجيل الضائع.
ويضيف كوردسمان أنه حتى لو انتهت الحرب غدا وعادت البلاد لما كانت عليه من قبل فستحتاج لأكثر من عقد حتى تتخلص من آثار الحرب الأهلية، وهذا لن يتحقق إلا إذا توفر لسوريا خطة فاعلة لإعمار ما دمرته الحرب وإصلاح اقتصادها. وفي حالة استمرت الحرب فالبلد يحتاج في ظل انقسامه لشرق وغرب إلى خطة إغاثة من نوع آخر.

في أزمة قبل الحرب

ويرى كوردسمان ان جذور الأزمة في سوريا تعود لما قبل 15 آذار/مارس 2011 وحتى لو تجاهلنا سجل البلد في مجال حقوق الإنسان، فتقارير المؤسسات الدولية تعطي صورة أن سوريا كانت تدار بطريقة فقيرة، فقد اعتبر البنك الدولي سوريا من أسوأ الدول من ناحية المحاسبة وتراجعا في مجال الإستقرار السياسي. ومع بداية الحرب عام 2011 كان العجز في الميزانية الحكومية خطيرا.
فقد كانت سوريا تنفق 12.6 مليار دولار ولم تتجاوز مداخيلها سوي 2 مليار دولار، وكانت مرتبة سوريا 168 من 177 في مجال الشفافية.
وبحسب أرقام (سي آي إيه) فنسبة الدخل السنوي للفرد لا تتجاوز 5.100 دولار مما يجعلها في المرتبة 156 من بين دول العالم من ناحية دخل الفرد. ومن ناحية سهولة الإستثمار كانت مرتبة سوريا 147 عالميا، وبحلول عام 2013 أصبحت مرتبتها 165 من بين 189 دولة في العالم. وفوق كل هذا كانت سوريا تعاني من ضغوط سكانية هائلة، فقد ارتفع عدد السكان3.5 مليون عام 1950 إلى 7.4 مليون عام 1975 إلى 16.5 مليون عام 2000 ليصبح 22.5 عام 2013.
وقد يصل إلى 25.5 عام 2025 و33.7 عام 2050. وهذا يعني أن معظم أبناء سوريا هم من الشباب فنسبة 34′ هم تحت سن 14 عاما، و54′ في سن 24 عاما. وقد أثر هذا على معدلات البطالة فسنويا ينزل سوق العمل 257 ألفا من الذكور و245 ألفا من الإناث ونسبة قليلة منهم تجد فرصة للعمل. وبالإضافة للمشاكل السكانية فنقص المياه والجفاف وعدم توفر الأرض الصالحة للزراعة حول سوريا إلى تجمعات حضرية وعشوائيات حول المدن تتميز بالفقر، وهناك 7.6 مليون من 22 مليون نسمة يعيشون في أربع مدن كبيرة وهي دمشق وحمص وحماة وحلب، وبعضهم لعب دورا كبيرا في الأزمة الحديثة والقتال.
وستلعب هذه المشاكل وغيرها من المشاكل الأخرى التي تميز سوريا في مرحلة ما بعد الحرب. ستزداد سوءا في حالة انتصر الأسد أو الجماعات الجهادية لأن أي خيار من هذ ا سيؤثر على التنمية وتعاون الدول الخارجية مع الواقع في البلاد. ولو انتصرت المعارضة فمن الصعوبة بمكان رؤية الطريقة التي سيعملون فيها على توحيد البلاد أو إن كانوا فعلا مؤهلين للحكم. وفي الوقت نفسه فحالة انسداد وجمود في الحرب ستؤثر بالضرورة على بنية البلاد وستعزز من فرص الإنقسام. وأي انتصار للمقاتلين سيجلب معه نتائج مزيجة كتلك التي لاحظناها في تونس ومصر وليبيا والعراق والتي أدت مجموعات من المقاتلين والقوى بدون مراس في الحكم.
ويرتبط أي تخطيط للمستقبل بالآثار الكارثية للحرب وما تسببته ويتسببه وجود أعداد كبيرة من المشردين في داخل سوريا، والذين هربوا إلى دول الجوار حيث باتوا يضغطون ويحملونها أعباء كبيرة.

مشردون في بلادهم

ويوجه الكاتب الإنتباه إلى أن التركيز عادة ما يتم على عدد القتلى الذي يتراوح ما بين 130 -140 ألف إضافة لمئات الألاف من الجرحى لكن المشكلة أعمق. ويشير هنا لاحصائيات مكتب اللاجئين في الأمم المتحدة الذي يقدر عدد المشردين داخل بلادهم بأربعة ملايين تقريبا. وتؤثر هذه الأعداد على طريقة التخطيط والتعامل مع احتياجاتهم، خاصة أن نسبة كبيرة منهم لن يعودوا إلى مناطقهم بنهاية عام 2014. ويقيم كوردسمان آثار اللاجئين السوريين على الأردن ولبنان وتركيا والعراق. وكل هذا يقود للحديث عن الخيار الأقل سوءا بالنسبة لسوريا.
ويقول في هذا السياق إن مفوضية الأمم المتحدة محقة بتقديم أرقام متواضعة، فالأثر الإنساني الكامل للحرب سيزيد بنهاية العام الحالي سواء من ناحية عدد القتلى أو المشردين، فسيصبح عدد المشردين في داخل بلادهم 8 ملايين، بالإضافة لمليون ونصف في الأردن ومثلهم في لبنان وتركيا ونصف مليون في العراق.
ويتوقع الكاتب أن تظل سوريا مقسمة في ظل الفشل الدبلوماسي وغياب عنصر الحسم في المعركة. وهذا يعني استمرار كل من روسيا وإيران في تقديم الدعم للأسد ونظامه ودعم أقل لبناء المنطقة التي يسيطر عليها الأسد، ولن يقدم الغرب أو الدول العربية إلا دعما قصير المدى للناس للواقعين تحت حكم الأسد، ويظل هذا احتمالا. ولن يكون الأسد قادرا على تفعيل اقتصاد مناطقه، فالبترول وآباره في الشرق خارج سيطرته، والتجمعات الحضرية التي خسرت أعدادا كبيرة من سكانها ودمرت بشكل كبير لن تكون بوضع اقتصادي جيد.
أما بالنسبة للمعارضة، فسواء سيطروا على كامل البلاد أو جزء منها فالدعم لهم سيعتمد على مستوى وحدتهم واعتدالهم، أي باعتبارهم لا يمثلون تهديدا على الدول المحيطة بهم. ومن الصعوبة بمكان تخيل قيام نظام موحد للمعارضة قادر على تنظيم اقتصاد وبناء فاعل للحكم وخطة لإعادة إعمار البلاد والتي تحتاج لسنوات طويلة.
تهديد مستمر

ويكتب كوردسمان قائلا إن سوريا مقسمة ستكون تهديدا منها أن تقسيم البلد بناء على شرق- غرب سيؤثر التركيبة السكانية، فإن تم التقسيم فسيفتقد القاعدة الإقتصادية التي ستمكن كل طرف من التعامل مع المعضلات الناجمة عن تدفق اللاجئين.
كما أن انقسام البلاد بناء على خطوط طائفية يعني تحول الغرب لمنطقة سنية قريبة من مناطق العلويين على الشاطئ التي تتميز بمعدلات أمطار كبيرة. وأي انقسام بناء على خط شرق- غرب سيزيد من المشاكل الإثنية.
يضاف إلى كل هذا فقدان سوريا القاعدة الإقتصادية القادرة على توفير الحاجيات الأساسية لسكانها. وستعاني البلاد من آثار أخرى تتعلق بتوزيع ثروة النفط فانقسام البلاد سيحرم النظام والمعارضة من الثروة النفطية التي تقع الآن تحت سيطرة الجماعات المتشددة. وبحسب تحليل أعدته وكالة أنباء الطاقة الأمريكية في بداية الشهر الحالي أظهر أن انتاج النفط السوري نقص لمعدلاته الدنيا بسبب الحرب الأهلية.
وكانت سوريا تعتبر البلد الأكثر انتاجا للنفط في منطقة شرق البحر المتوسط لكنها شهدت تراجعا في انتاجه.
وأدى عجز سوريا عن تصدير النفط إلى تراجع في مداخيل الخزانة السورية. وبحسب الأرقام الرسمية فقد بلغت خسائر الدولة من النزاع 20 مليار دولار أمريكي، والنسبة الكبرى جاءت من تراجع صناعة النفط ’12 مليار دولار’. وتواجه الدولة مشاكل لتوفير الوقود والغاز للمواطنين بسبب استمرار الحرب، وتأجلت كل الخطط لتوسيع البحث عن النفط والغاز لأمد غير معروف، مع أن الحكومة السورية وقعت عقدا مع روسيا للتنقيب عن الغاز في نهاية العام الماضي، لكن مشاكل نقص الطاقة تحتاج إلى سنوات للتغلب عليها بعد نهاية الحرب.

أبعد من التسليح

وفي النهاية يرى كوردسمان أن الدول المانحة الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية بحاجة للنظر لما هو أبعد من الجانب العسكري والحاجات الإنسانية القصيرة الأمد وبدء وضع خطط للإعمار منذ الآن. ويجب على منظمات الأمم المتحدة وضع خطط طوارئ تفترض عدم عودة اللاجئين لبلادهم طوعا في المنظور القريب، حيث فقدوا بيوتهم وأعمالهم ولا يوجد نظام حكم محلي فاعل، وهذا يعني التخطيط لسنوات طويلة من الدعم لهم في أماكن لجوئهم في الأردن وتركيا ولبنان والعراق، ويعني هذا التحول من حملات الإغاثة الطارئة والتعامل مع سكان المخيمات كمقيمين، ويعني أيضا تعاون الدول المانحة مع الدول المضيفة لتطوير خطط تعمل على إعادة إسكان قطاع من اللاجئين ودمجهم في الإقتصاد المحلي، وتعني أيضا تقديم حوافز للاجئين للعودة لسوريا.
وفي النهاية فالفشل في التخطيط والتنسيق والتطلع للمستقبل يعني تدهور الأوضاع. ومن المتوقع أن تعيش دول الجوار السوري مع مشكلة اللاجئين السوريين لسنوات قد تمتد لخمس، ونهاية الحرب الأهلية لا تعني تحلل المجتمع الدولي من أعبائها بل زيادة أعباء جديدة، لأن سوريا ما بعد الحرب الأهلية لن تكون قادرة على إطعام أهلها، توطينهم وإدارة اقتصادهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية