لندن- ‘القدس العربي’ وصف قائد مجموعة في ‘قوات الدفاع الوطني’ التي شكلتها القوات السورية لمساعدتها في المهام القتالية اليومية وحماية الأحياء المزاج العام والمعارك التي تدور مع مقاتلي الجيش الحر في حي التضامن حيث يتحصن هو ومقاتليه في البنايات المدمرة ويطلق النار وجنوده من أسلحتهم الخفيفة وينتظرون تحرك المقاتلين في الطرف الآخر، ولكن ماذا ينتظرون؟ يقول تشارلس غلاس، الكاتب الأمريكي في مقاله له نشرته مجلة نيويورك لمراجعة الكتب، وبالتأكيد ليس نصراً عسكرياً لأن أحداَ منهما لا ينتصر، ولم يحقق أحد منهما هذا خلال الثلاثة أعوام الماضية، وبدلاً من ذلك تسود الحياة في حي التضامن وبقية سورية حالة من حرب الإستنزاف بدون معركة حاسمة تنهي الحرب وللأبد. ويقول الكاتب في مقالته ‘إبادة سورية’ إن معارك الشوارع في سورية بدأت تشبه الحرب الأهلية اللبنانية، حيث واجهت الأطراف المتحاربة الواقفة على الخط الأخضر مدة 15 عاماً.
وكان غلاس في زيارة لسورية حيث رافق بعض قوات الجيش الشعبي واطلع على عملهم.
ويقول إن البيت الذي جلسوا فيه بحي التضامن كان قبل عام بيد مقاتلي المعارضة قبل أن تتمكن قوات الحكومة من السيطرة على معظم المنطقة، مع أن اجزاء من الحي لا تزال بيد المقاتلين ولا يتوقع قائد المجموعة القيام بعملية لإعادة السيطرة عليه في القريب العاجل، فهناك كما يقول جبهات أهم من التضامن مثل جوبر والقابون وبرزة، فهذه المناطق في شمال دمشق تربطها مع المدن الأخرى في حمص وحلب وحماة وميناء اللاذقية وطرطوس.
ولا تبعد مواقع المقاتلين سوى مدى قذيفة هاون عن الأحياء المسيحية في دمشق. وتصل القذائف الى حي باب توما، والقصاع والباب الشرقي، وفي القصاع أرته الروائية السورية كوليت خوري ما تجمعه يومياً من بقايا الرصاص الذي يصيب غرفة دراستها، وقالت له ‘سنموت ولكن سنبقى’، ويظل الدمار الذي تحدثه قذائف مقاتلي المعارضة قليلة مقارنة مع القصف المكثف الذي يقوم به الجيش السوري على الأحياء التي يسيطر عليها المقاتلون. وينقل عن قائد المجموعة في التضامن أن الحي منذ العام الماضي تحت السيطرة عندما قامت قوات الحكومة بإعادة السيطرة على عدد من المحاور التي كانت تحت سيطرة المقاتلين او تحت القصف المستمر، حيث أصبحت أكثر أمنا وفي بعض المناطق عادت الحياة لعادتها حيث يخرج البعض للمقاهي والمطاعم.
اعتقال زوجة قائد
وفي الوقت الذي حققت فيه الحكومة تقدماً في العاصمة فقد حقق المقاتلون تقدماً في الشمال ذلك أن خطوط الإمدادات مفتوحة لهم من تركيا، حيث سمحت لهم بالحفاظ على المناطق التي دخلوها في حلب او حاصروها، وقاموا بحملات عسكرية في مناطق العلويين في اللاذقية.
ويشير الكاتب هنا إلى ان سكان حي التضامن قد تعودوا وتكيفت حياتهم مع أصوات البنادق الأتوماتيكية وقذائف الهاون، فقبل ساعات من لقائه القائد العسكري انفجرت سيارة مفخخة أمام مدخل مكتب القائد، حيث أحدثت اضراراً على مدخل البناية، لكن الحياة عادت لطبيعتها بعد ساعات من الإنفجار.
ويقول الكاتب إن أهل التضامن يأخذون ابناءهم للمدارس ويذهبون لمحلات الحلاقة والمخابز والجزارة، فيما يجلس الرجال الكبار في العمر أمام البيوت او المحلات وهم يلعبون لعبة الطاولة ويتبادلون الأحاديث.
ونقل عن صديق درزي قوله إنه يحب المنطقة لأنها مختلطة وآمنة. ولكن التضامن ليست خالية من نقاط التفتيش والإختطاف وتبادل الرهائن حيث يتفاوض الأعداء فيما بينهم على إطلاق سراحهم.
ويقول القائد العسكري إنه احتاج لاعتقال زوجة قائد المجموعة كي يضغط عليه لتسليم جثة مقاتل شاب اسمه ريبال، كان في السنة الثالثة في جامعة دمشق.
وقد تمت مبادلة جثة المقاتل إلى جانب الحكومة بثمانية من مقاتلي المعارضة الأسرى.
وبحسب الكاتب فقد تم اعتقال زوجة نظيره في الجيش الحر والذي كان يتفاوض معه، حيث كانت خارج مناطق المقاتلين، ويقول إنه عاملها بشكل جيد، واتصل مع زوجها القيادي في الجيش الحر وبادلها مع سبع نساء اختطفن من مخيم اليرموك القريب.
ويضيف أن العملية أدت لصداقة بينهما حيث أرسل مع زوجة القيادي في الحر هدية من الأدوية. ورد القيادي في الحر بهدية عبارة عن مسدس عربون صداقة. ويقوم بين الفترة والأخرى بإرسال خبز وسجائر له وهي أشياء عزيزة في ظل الحصار الذي يفرضه الجيش على مناطق المقاتلين.
سليم إدريس
ويقول هذا القائد إن التحاور مع الجيش الحر مطلوب، خاصة أنه يمثل العناصر العلمانية، وعندما سأل غلاس إن كانت هناك امكانية يتحد فيها الجيش مع الجيش الحر لمواجهة المتطرفين من جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ورد قائلا ‘اتوقع هذا’، ويضيف قائلا ‘انظر لهذا التناقض كان سليم إدريس، قائد الجيش الحر استاذنا في الكلية العسكرية في حلب.
وتحدث القائد عن ادريس باحترام وحرارة مشيراً إلى كتابين مهمين ألفهما إدريس في مجال الالكترونيات.
ويشير غلاس إلى أن إدريس لم يستطع التوصل لأرضية مشتركة للعمل مع الإسلاميين، بل وصلت العلاقة لحد المواجهة عند الحدود التركية، واتهم إدريس الفصائل الإسلامية بأنها لا تريد العمل ضمن إطار موحد، ولأن اهدافها مختلفة فقياداتها يريدون الرئاسة والقيادة فقط.
واتهم الجماعات المتشددة بانها تلعب لعبة النظام حيث أشار إلى ان تصرفات هذه الجماعات من قتل الأطفال واستهداف الأقليات هي نفسها الرسالة التي يريد النظام إيصالها للعالم.
مجازر في اللاذقية
وتحدث غلاس عن الهجوم الذي قام به مقاتلوا (داعش) على قرى علوية في ريف اللاذقية بداية آب (أغسطس)، وقتل العديد من أبنائها واختطفوا أكثر من 200 من بينهم نساء وأطفال.
وكتب غلاس مشيراً إلى المقال الذي كتبه كينث روث، مدير منظمة ‘هيومان رايتس ووتش’ التي وثقت الجرائم في اللاذقية، وتحدث روث عن جرائم الحكومة والقصف العشوائي للمدنيين واستخدام القنابل العنقودية والصواريخ وغيرها من الأسلحة المتقدمة والبنادق والسكاكين لذبح 248 في البيضا وبانياس في أيار (مايو) الماضي.
كما وثقت منظمته أيضا انتهاكات ومجازر الجماعات المتطرفة ضد المدنيين في اللاذقية حيث جمعت المنظمة أسماء 190 شخصاً من بينهم 57 إمرأة و 18 طفلاً و 14 من كبار السن.
وتقترح الأدلة أنهم قتلوا في اليوم الأول من العملية في 4 آب (أغسطس)، وقد يكون العدد أكبر من هذا خاصة ان عدداً من أبناء القرى لا يزالون في عداد المفقودين.
وفي الوقت الذي أبعد الجيش الحر نفسه عن هذه المجازر والممارسات وأكد أنه يمثل كل السوريين بطوائفهم وأعراقهم إلا أنه واصل تعاونه مع بعض الجماعات الإسلامية والجهادية في عمليات أخرى ضد قوات الحكومة.
ويقول غلاس إن عمليات خطف وقتل أبناء الطوائف والأقليات تثير خوف العلويين والمسيحيين، لكنها لا تمثل تهديداً على النظام، بل على العكس فهذه الممارسات تجبر الأقليات للبحث عن حماية الحكومة لها وبدون أن تؤدي لإنهاء الحرب.
مهجرون ومرضى
وقد أشار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في آخر تقرير له أنه ‘لا حل عسكرياً للصراع’ مع أن المجلس شجب كل الفصائل بمن فيها الحكومة.
وفي الوقت الذي فشل فيه طرفا النزاع في تحقيق انتصار عسكري على الطرف الأخر لم تكن الدبلوماسية أحسن حالاً. فالوساطة التي قادها أولاً كوفي عنان وثانياً المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي لم تؤد إلى كسر الجمود.
ففي الوقت الذي كان يلاحق الدبلوماسيون فيه فكرة التفاوض قتل أكثر من 150 ألف سوري، وشرد أكثر من مليونين إلى الدول المجاورة لسورية، فيما يعيش خمسة ملايين في أوضاع مزرية داخل البلاد، وموزعون على أقاربهم في المناطق الآمنة، المدارس، البنايات العامة او المتنزهات العامة، ومن بين 25 مليون نسمة يعيشون في سورية تحولت نسبة الثلث منهم إلى لاجئين داخليين.
وينقل غلاس عن مدير مكتب منظمة الطفولة العالمية التابعة للأمم المتحدة ‘يونيسيف’ في سورية، يوسف عبدالجليل إن ‘الأطفال هم من يدفعون الثمن الباهظ لهذه الحرب’، وهناك أربعة ملايين طفل يتأثرون بشكل مباشر بها يعيشون في داخل سورية، منهم مليونين هم في عداد النازحين الداخليين، ومليون طفل يعيشون على خطوط القتال، ومليون في مخيمات اللجوء’.
وقد ادى التصعيد في الحرب إلى تحويل بلد كان يطعم نفسه إلى بلد ينتظر المساعدات الخارجية، فيما شلت قطاعات التعليم والصحة التي كانت تعتبر الأحسن في معايير المنطقة. وتنتشر فيه اليوم أمراض اختفت في الماضي مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة الألمانية وبحسب ما كتبته آن سبارو، الأستاذة في مجال علم الصحة العامة بمستشفى ماونت سيناي (جبل سيناء)،حيث تحدثت عن لقاءات لها مع أطباء وممرضين وعمال صحة في المخيمات السورية بتركيا ولبنان والذين قالوا أن النظام استهدف العيادات والأطباء والممرضين وسيارات الإسعاف، وقد تم تدمير الكثير من العيادات فيما وضع الجيش يده على خمس مستشفيات عامة، ولم يعد هناك أي مستشفى عامل في مناطق يسيطر على المقاتلون في إدلب ودير الزور.
كما قالت إن عدد سيارات الإسعاف العاملة في البلاد لا يتعدى عددها سوى الأربعين، وفر أكثر من 16 الف طبيب من بلادهم، وقتل 36 عامل إغاثة طبي منذ بداية الحرب، ويمنع الجيش فرق الإنقاذ الطبية من الدخول للمناطق التي تشهد معارك ليس لمعالجة الجرحى من المقاتلين فقط بل الأطفال.
وتقول إن استراتيجية بشار الأسد لمواجهة المقاتلين لا تستهدف المقاتلين فقط بل وإنها تستهدف بشكل مقصود المدنيين والمنشآت الطبية لحرمان المدنيين من المساعدة الطبية. ويرى الكاتب هنا أن الحرب وصلت لحظة لم يعد فيها أي طرف ينظر للآخر باعتباره إنسانا علاوة على كونه مواطناً يعيش في نفس البلد.
تطور درامي
ويرى أن دخول السلاح الكيميائي الذي لم يستخدمه النظام فقط يشكل تطوراً درامياً يرغب فيه كل طرف بإبادة الآخر. ومثل ذلك ما تقوم به الجماعات الجهادية من تطهير عرقي للعلويين في قراهم شمال- شرق البلاد، وما تقوم به الحكومة من تدمير وسحق للقرى السنية وتجويع الأحياء السنية حول دمشق والبلدة القديمة في حمص و’من ينجو من الموت والقصف يعاني من المجاعات والأمراض والعيش في حر وبرد سورية’. ويرى أن حادث الغوطة في 21 آب (أغسطس) أعطى أملاً بأن الحل قد اقترب.
فقد ضغط الروس على الرئيس الأسد كي يتخلى عن السلاح الكيميائي، مما خلق فرصة أمام حل دبلوماسي وإحياء جنيف-2 الذي اتفق الروس والأمريكيين على عقده في أيار (مايو) الماضي.
وفي الوقت الذي وافق الأسد بضغط من الروس على المشاركة فيه بدون شروط. في الوقت نفسه كانت واشنطن بطيئة في إقناع المعارضة أو حتى من يدعمونها بالسلاح والمال مثل السعودية وتركيا وقطر.
تمثيل واضح
وفي ضوء حادثة الغوطة، فقد اقنعت أمريكا بعضا من الجماعات المعارضة للمشاركة في جنيف.
ونقل الكاتب عن الدبلوماسي المغربي الذي كان عضواً وفد الأمم المتحدة والجامعة العربية، مختار لاماني قوله إنه بدون توصل لحل سياسي ‘فلن أستغرب حدوث إبادة’، ويعني بهذا أن عناصر الإبادة موجودة في سورية، ولا يهم إن كان يعني الحكومة او المعارضة او القتل الجماعي. ويشير الكاتب إلى تجربة لاماني في سورية واتصالاته مع كافة الأطراف.
وبعيداً عن هذا يرى الكاتب أن عدد الفصائل المقاتلة التي تصل لألف ويتبعها أكثر من 10 آلاف مقاتل. ولكنه يرى أنه حتى ينجح مؤتمر جنيف يجب أن تحظى المعارضة بتمثيل واضح، من المكونات الميدانية واللاعنفية. ويشير إلى مؤتمر الطائف الذي جمع المتقاتلين اللبنانيين عام 1989 وأجبرهم على توقيع اتفاق ‘لاغالب ولا مغلوب’، ولم يكن المؤتمر ليعقد لولا ارادة القوى الدولية، وقرر المؤتمر ضرورة تسليم الفصائل اسلحتها حيث وافقت كلها باستثناء حزب الله، ومع أن أيا من الفصائل لم يرض عن نتائجه إلا أن الحرب انتهت.
وعندما سأل غلاس دبلوماسيا غربيا عن التحضيرات لجنيف-2 كانت اجابته ‘فوضى’، ويعبر لاماني عن مخاوفه من جنيف حيث قال ‘من الأحسن عدم انعقاده بدلا من أن يكون لديك مؤتمرا فاشلا’. ويرى لاماني أن سورية أصبحت أسوأ من العراق التي عمل فيها ممثلا للجامعة العربية بين 2000-2007 حيث تحولت سورية إلى حرب بالوكالة، ونسيت فيها المطالب الأساسية للانتفاضة التي اندلعت عام 2011.
ولم يعد هناك مقاتلون برؤية علمانية فبحسب عامل في الصليب الأحمر ‘اذا كان هناك علمانيون فإنني لم أقابلهم’.
وفي الوقت الذي يتدخل فيه أطراف من الخارج إلى جانب كل فريق وترحيب كل فريق بالتدخل إلا أنهم يختلفون حول مداه وطبيعته. فهناك من يرى تدخلا سافراً ينهي حكم الأسد واخرون يدعون لاجبار الطرفين للتفاوض في جنيف والاتفاق على حكومة انتقالية. لان حل الجيش وانهيار مؤسسات الدولة كما حدث في العراق يعني نهاية الدولة. ويظل مصير الأسد عقبة كأداء امام الحل.
فالمعارضة تطالب برحيله، فيما يرى مؤيدوه أنه مهم في أي عملية انتقالية. ويخشى آخرون فوز بشار إن قرر الترشح للانتخابات بعد نهاية ولايته عام 2014. ويخشون أيضا أن الأسد المنتصر سيحاكي والده بعد حماة عام 1982 حيث سيغلب كما قال باتريك سيل، كاتب سيرة حافظ الأسد، الانتقام والحقد الذي هدر ‘بالموت للاخوان المسلمين المجرمين’.
ووجد الكاتب في أحاديثه مع سوريين في دمشق الشهر الماضي شكاً في أمكانية عقد جنيف، حيث قال أحدهم انه لن ينعقد وأن الاسد سيقاتل حتى نهاية كل سوري، وأن احدا لا يسيطر على البلاد،لا النظام او المعارضة. فيما قال رجل أعمال آخر أن المؤتمر مجرد كلام فارغ ولا توجد ارادة لوقف أي من الطرفين.
ويقول خالد خليفة، الروائي الذي يعيش في دمشق ‘كل الانتلجنسيا غادرت سورية ولهذا نريد جنيف’.
ومع ذلك هناك حدود لما يمكن أن يقدمه جنيف-2 ـ كبداية حياة سياسية جديدة في سورية حسب لؤي حسين.