في سورية.. فتّش عن جواز السفر

حجم الخط
0

يوماً بعد يوم، يشعر المواطن السوري بالمؤامرة ‘الكونية’. هذا المواطن الذي اعتاد عبر ما يزيد عن أربعة عقود على مصطلحات من نوع ‘المنعطف التاريخي’، ‘معركة الحرب ومعركة السلم’، ‘الخطاب التاريخي الشامل’ و’مفردات المرحلة’ وغيرها الكثير مما استُخدم ويُستخدم لدفعه للإيمان أنه يعيش – و سيبقى- في ‘جبهة الصمود والتصدي’. لكن إحساس هذا المواطن بالمؤامرة الكونية لا ينساق في المسار الذي أراده له النظام، وإنما ينجذب في اتجاه حياته اليومية المليئة بمشاهد القهر والدم والمأساة. لم يعد يرى في فلان أو علّان منقذاً له ولا داعماً لنضاله. بل بدأ الجميع يتحدثون عن أنه ‘لا ينتصر للشعب السوري غير الشعب نفسه’ و’الآن فقط، ليس لنا غير الله معنا’. وأمام جغرافيا الدم التي تتوسع كل يوم، وأمام عبثية الكلام عن ممرات آمنة ومناطق عازلة، أصبحت مدينة اللاذقية من المناطق القليلة التي لا يوجد داخلها صراع مباشر ودمار واضح. الكثير ممّن تسألهم في اللاذقية يجيبونك بضرورة التحلّي بأقصى درجات الوعي. ثمّة بعض المزايدات على الوحدة الوطنية والتعايش والنسيج الاجتماعي، لا يخلو الأمر من بعض المبالغات، لكن للحق، كانت الصورة سابقاً متوازنة ولم تكن لتؤثر فيها بعض الحالات الفردية خاصةً في ظلّ إدارة أمنية للبلاد أرادت دائماً إعطاء صورة البلد المتعايش بشكل استثنائي عمّا يشبهه من البلاد المتشكلة من ‘موزاييك’ اجتماعي وعرقي وطائفي. لكن هذا لا ينفي الإحساس بالريبة والتوجس لا سيما أن ما حدث في محافظة حمص من حالات خطف وقتل وملاحقة على أساس الطائفة لا يزال موجوداً في وعي الناس هنا. على هذا، تمتلئ اللاذقية اليوم ليس بالسياح وإنما بالهاربين من الدم والدمار. يتجه بعض الأثرياء من باقي المحافظات إلى أماكن سياحية تتمتع بشيء من الرفاهية. بينما تمتلئ المدينة بمتوسّطي الحال الذين يريدون ملجأ يأويهم، وهذا لا يخلو من الصعوبة في ظلّ ارتفاع الأسعار ونقص المواد المستمر. لهذا لم يخلق التزايد في عدد الوافدين إلى المدينة حالة نشاط في العمل وإنما استنفاذ للمواد الأساسية التي تشكّل منذ أشهر عبئاً على المواطن الذي تأثرعمله ودخله سلباً ولم يعد يستطيع تأمين احتياجاته كلها. طبعاً، لم يكن ثمّة أثر كبير لقرار وزارة التربية بعدم التشدد من ناحية لباس الطلاب الموحد تجنباً لإرهاق الأهل مادياً ، لو كانت المسألة أمر لباس مدرسي، لكانت ذات حلول في المتناول. لذلك، والحال هذه، أصبحت إدارة الهجرة والجوازات في اللاذقية من أكثر المديريات الحكومية نشاطاً في هذه الأيام. جرّب أن تذهب لاستخراج جواز سفر، ستُعطى موعداً يتراوح بين شهر ونصف والشهرين على أقل تقدير. هذا حسب الدّور الذي يحرص المسؤولون على تحقيقه من باب العدالة بين المواطنين. تبقى في الخفاء مسألة الواسطات والدفع وهذه مسألة أخرى لكن انتبه، فـحسب ما ينتاقله الناس فيما بينهم، الكلام أصبح اليوم بالدولار، لم يعد أحد يتكلم بالليرة السورية المسكينة. هناك، ترى مواطنين من جميع المحافظات والمناطق، كلهم يريدون استخراج جوازات سفر وكلٌّ له جهته، أوروبا والولايات المتحدة وهي الوجهات الأصعب، دول الخليج لم تعد في الحسبان بعد الصعوبات الجمّة في استخراج الإقامات. دول الجوار تعاني واقعاً معيشياً صعباً ومتقلباً ولا تعيش استقراراً في ظلّ فوضى الدولة الجارة. ثمّ مصر التي تشكّل اليوم حلّاً أفضل من الدول التي تملك حدوداً مشتركة مع سورية. . أصبح السفر هدفاً بحدّ ذاته لا مجرّد وسيلة لكسب العيش وتحصيل الرزق كما كان غالباً في الماضي. السوريّون على سفر، باتجاهاتهم المتنوعة، في الأرض والسماء. وخلال هذا السفر، يبحث الوعي الذي ينشده الكثيرون عن مكان وسط الجنون العام الحاصل، والذي لا يفرق بين شخص وآخر. فادي الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية