أعيد هذه الأيام نقاش، كان أثير قبل شهور، حول ما يعرف بالعنصرية ضد المهاجرين الأفارقة (أو السود كما يطلق على غالبيتهم بحكم لون بشرتهم) المنحدرين من الدول الأقرب إلى المغرب جنوبا مثل السينغال ونيجيريا ومالي والكوديفوار، وهي ظاهرة – أي الهجرة إلى المغرب – عرفت توسعا في الآونة الأخيرة لما تعرفه هذه الدول المذكورة من نمو ديمغرافي، يشهده المغرب مثله، بشكل متزايد. إذ لا سبيل أمام هذه الفئة النازحة إلا البحث عن مدن أوسع أو عن فرص تحسين المعيشة بالعمل أو بالدراسة. والمغرب كما يعرف يعتبر قنطرة إفريقيا نحو أوروبا كمسعى لكثير من المهاجرين.
لكن لنتحدث عن واقع داخلي أكثر بمنأى عن جانب لا يهم فيه الغاية من الهجرة أو الدراسة أو العمل أو حتى الاستقرار. وقد أطلقت تزامنا جمعيات ومجموعات شبابية في مواقع التواصل الاجتماعي حملة وطنية ضد العنصرية، تحت شعار ‘ما سميتيش عزي’، وهي حملة ضد كل ميز لفظي (من قبيل عزي التي تصف كل أسود البشرة). أو فعلي مناف لحق وجود هذه الفئة في المجتمع المغربي. وأعيد مع هذه الحملة ما نشرته بعض المواقع الالكترونية والصحف لصور يعرض فيها أصحاب الشقق إعلانات تفرض شروطا تمنع العزاب و’الأفارقة’ من الاستفادة من هذه الشقق، ولنضع الأفارقة بين قوسين للبس القائم مع هذا التصنيف الثقافي (أي في المتداول الجماعي).. وسنرجع أولا إلى سياق الحديث والاستنكار لكن بالموازاة مع طبيعة المنع.
استنكر الجميع ما أظهرته صور تلك اللافتات، واعتبرت الصحف وبعض المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي أن ذلك يدخل في إطار العنصرية والتفريق بين الأجناس بناء على العرق وليس على اللون.. إذ في المغرب خليط من سكان ذوي بشرات متباينة.. ولم يكن ذلك سببا في منع أي شخص في مثل هذه الظروف. واستنكار ذلك ظهر كرد فعل ثقافي، كان الاندفاع فيه باديا، حتى من طرف المثقفين والصحافيين، حيث عمموا الاستنكار على طريقة إظهار الجانب المتسامح والأخوي للمغاربة بناء على الصداقة ورحابة صدر الجار عبر ربوع المغرب.. وهي صفات يشهدها حقيقة في أصالة المغربي.
لكن المثير، ومن خــــــلاله نعـــــرض سياق الاعـــــتراض، هو أن صاحب الشــــقق من حقه أن يعرض شروطه (شريطة ألا تكون مبنية على ميز عنصـــري كلون أو عرق أو دين). وبغــــض النظر عن الناحية القانونية أو قـــــانون الكراء، فلننظر إلى ما كـُتب من ناحية اجتماعية صرفة.
‘ممنوع الكراء للأفارقة والعزاب’. ما تم اشتراطه في هذا الإعلان هو محددٌ بناء على ظرف اجتماعي عرفي أكثر؛ إذ أولا لماذا لم يتم الاعتراض على قرار منع العزاب من الاكتراء! أليس من حق العزب السكن والاستقرار؟ أليس انتقاصا بنظرتنا حول طبيعة حياة العزاب؟ هل حكمنا مسبقا أن نمط حياتهم صاخب وغير مستقر ومضر للجيران.. ومجون أحيانا كما هو متداول!؟ لماذا لم نعترض حينما فرقنا بين حياة العزاب وحياة المتزوجين؟ وهل العزاب الذكور أو الإناث؟ نعم هي أسئلة يجب أن تطرح من الناحية الاجتماعية أولا. وكما يفضل أصحاب الشقق، في المناطق الأكثر كثافة من حيث السكان، المتزوجين والعائلات للكراء لأسباب تتعلق بطبيعة حياة النمطين، فبعض العزاب وان كان يسمح لهم في بعض الحالات بالسكن، فيشترط عليهم عدم اصطحاب الإناث أو الصديقات أو الإقامة بدعوى الخُلق العام.
ولنعد إلى موضوع منع ‘الأفارقة’ تحديدا، لكن لنربط هذا بما ذكرناه عن الاعتراض عن العزاب المغاربة. ولنتساءل هل يعترض أصحاب الشقق عن جميع الأجانب أو ذوي الأصول الإفريقية منهم فقط !؟ وعلى أي أساس يعترضون؟ هل على أساس عرقهم، أو على أساس طبيعة حياتهم؟ وفي أي مكان يتم الاعتراض، وعن المكان المسموح به؟ ماذا نعرف عن حياتهم وتفكيرهم ونمطهم؟
وإذا اقتربنا أكثر من ظاهرة ‘المنع-السكن’، سنجد تعليلا من قبيل: أن ‘المهاجرين ‘الأفارقة’ تحديدا يأتي في بادئ الأمر شخص واحد بدعوى انه سيسكن مؤقتا لحين اكتمال دراسته أو انتقاله من عمله. حتى تجد بعد ذلك عددهم تضاعف وامتدت مدة سكنهم’. أو أن ‘نمط عيشهم يثير حفيظة جيرانهم… بسبب عددهم وطريقة كلامهم وضحكهم الأكثر صخبا’. وسنجد أيضا (بصوت منخفض) تبريرا ‘لأننا لا نعرف طريقة حياتهم الدينية أو الطقوسية.. ومن هي التي معهم!’ في حين سنجد من يقول بالمقابل من يقول: ‘هم غاية في الأدب’، أو ‘ المهم عندي حسن الجار’ وقد نجد البعض يفضل الابتعاد توجسا لأننا ‘لا نفهمهم’.
إذن قد لا نجد مبررا أو تعليلا للمنع أو الرفض والقبول، ما دامت السياقات وطبيعة الظروف متشابهة، وليست بمنأى عن تطابقها على المغربي وغيره أيضا، إلا من ناحية شخصية، وجب عدم التفريق فيها على أساس العرق أو الدين أو حتى اللون. إلا من جانب اجتماعي يحق للكل وضع شروطه أو حدوده. أما إذا وقفنا على ‘جغرافية المنع’ فسنجد أن ذلك ينحصر في المجمعات السكنية والإقامات السكنية التي شهد المغرب انتشارا لها في الآونة الأخيرة. والتي هي عبارة عن عمارات سكنية تضم عدة طوابق وتمتد في مساحات واسعة. لكن هذا النمط الجديد من السكن هو الذي يحتاج إلى دراسات لطبيعة الحياة التشاركية فيه أكثر.
غسان الكشوري – المغرب