في سيرة الإعلام العربي

حجم الخط
0

في سيرة الإعلام العربي لا يبدو أن الإعلام العربي يستوعب بالفعل التحولات الكبرى الحاصلة في خارطة السياسة العربية ومدونة الصراعات والمكاسب، ويؤكد ذلك حالة الاضطراب الواضح في معجم الميديا العربية الحديث؛ الذي يؤثر سلبا في نجاعة خطاب الدول التي تتبعها هذه الميديا، بل يؤثر ـ والشواهد كثيرة على قائمة مصالح الأنظمة التي أفرزته، وعلى مستقبل مؤسساتها وهيئاتها المختصة.

ولم تتورط في ذلك الكيانات والأجسام الإعلامية الطارئة والمستحدثة فحسب، بل إن وكالات الأنباء العربية العريقة والمنابر الصحافية الكبرى تورطت هي الأخرى في حالة التذبذب والتخبط وضبابية الأداء والهدف وارتباك البيانات وسطحية الأخبار وانطباعية التحليل، وحصل ذلك بالتزامن مع مرحلة شديدة الحرج من العلاقات الدولية، كان للمصداقية والحرفية فيها الأولوية، رغم ادعاءات ودعاوى الدعايات الايديولوجية الواسعة وتخرصاتها المتواصلة وجنوح السياسة في المنطقة إلى نبذ صفة الحق وإحلال صفة سعة الحيلة محلها.

لقد سقطت المؤسسات الإعلامية العربية في الفخ، وصارت ـ في هيئة بشعة ـ بوقار غير ضروري للتأويل اليميني في الغرب للحدث، ظانة بسلوك الأغرار أن خلاصها من مآزقها المتلاحقة وحزمة ضغوط السلطة عليها هو بالهرب نحو المرجع الدولي، وهو المرجع نفسه الذي ضرب بكل مشاريع التنوير العربي الحديث عرض الحائط، ونظر ومايزال لقضايا هؤلاء نظرته إلى النافل والعرضي والهامش، متبرئا في التوقيت المناسب من كل التزاماته الهشة نحوه، حين تنفد قنوات المصالح معه.

ولعلنا نعلم أن كل مشاريع التمدن والتنمية في العالم ساندها إعلام جاد ومتين، ومحدد المعالم والتقنيات، وإلا لظلت تلك المشاريع في طور التجريب، وهو ما يبدو أن العرب يكررونه دوما، ويفشلون في تجاوزه، وكذلك كياناتهم الإعلامية.

إن القاعدة اليوم هي (من دون إعلام قوي وشفاف ومؤثر لا مستقبل لأي بلد ولا طريق هدى واضح لأجياله)، والقاعدة العربية تقول: لنضرب بكل ذلك عرض الحائط، لذا ظل متخلفا ومرتبكا وصامتا وسلبي التأثير، ولم تقم للأنظمة المعولة عليه بالتالي قائمة، حتى لو كانت تملك محيطا من البترول، أو جحفلا من الحواة والدجالين العالميين.

من النافع إذن أن يقوم العرب بمراجعة دقيقة لواقع إعلامهم، ودراسة أسباب عدم فاعليته لا على أبناء دولهم، ولا في المحيط الإقليمي والدولي.. لماذا يبقى الشأن العربي خارج التاريخ البشري المعاصر؟

أو على الأقل ما الإيجابية في كونه خارج هذا التاريخ، والتواريخ اللاحقة كما تنبئنا المقدمات والقرائن.

ومن المؤلم أن لا تكتفي المؤسسات الإعلامية في هذا العالم العربي الكبير بالعجز، بل تعمل ضمن عجز فكري محتم وبدافع من الدونية والشعور المتوطن بالإذلال والانقياد على تدمير الملامح الروحية والأصول الجامعة بمعناها الوجودي، لا بالتفسير الأخلاقي إلزاما، بل بالوعي بما الحال عليه، أي تفعيل فكرة استبدال المعنى العام بالتعريفات المختلطة وهو ما يبدو أن مثاله الصريح يشابه الخطاب الإعلامي في لغته وإحالاته وصوره، وتركيزه على إبقاء كل خطوة للأمام موضع اتهام، وكل مشترك يبهج ويولد الفخرعائقا ينبغي القضاء عليه بالسبل جميعها، الإنسانية والوحشية أيضا.

اقترن الإعلام العربي الحديث إذن بكل هذا السقوط المروع، وواكبه وهلل له وباركه، مغفلا أنه بهذا لا يحقق مصلحته بأي شكل؛ لأنه ظل لمصالح الغير، وقامة صغيرة في ميدان القامات الطويلة، وصراع المافيات، قامة يسهل سحقها مرة واحدة، ومن دون أسف!

ليس حديثي هنا حالة من التباكي والنواح بقدر ما هو دعوة قد تجد يوما من يستمع إليها نحو صناعة إعلام عربي خلاق، يتمسك بمنهج النقد من أجل الإعمار، ومنفتحا على كل رؤية واقعية من دون أن يسفه الوجدان الشعبي، فليس كل اعتقاد عام هو بالضرورة صوت قطيع، وليس كل قطيع بالتالي طابورا خامسا… إعلام يؤمن بنفسه، ويقدمها بشكل جذاب، ليس فلكلورا، بل دربا معبدا يمكننا من فهم إمكاناتنا وتطويرها وتصديرها لكل ميدان يحتاجها للبناء.

صالح قادربوه / ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية