الناصرة ـ «القدس العربي»: تواصل جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين الفلسطينيين داخل أراضي 48 منذ أقيمت قبل عقدين ونيف تنظيم جولات ميدانية في أنحاء الطبيعة الفلسطينية بهدف حراسة روايتها ونقلها للأجيال، من منطلق أن من يملك رواية المكان يملكه، كما يؤكد دوما المؤرخ المرشد جميل عرفات خلال مرافقته المجموعات المتجولة.
«القدس العربي» شاركت في الزيارة، وهذه المرة كانت مخصصة لزيارة بعض قرى منطقة الشفى التي اكتسبت هذا الاسم كونها تقع على «شفة»(حد) الغور الغربي ( بين قضاءي بيسان وطبريا)، قرية سيرين وأخواتها عولم، والحدثة ومعذر وسارونة وغيرها من القرى الفلسطينية، وبعضها مغربية سكنها أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري بعدما قدم من الجزائر لبلاد الشام في القرن التاسع عشر.
الفصل ربيع والجليل في أبهى حلته بعد شتاء بارد، والطقس ملتبس، فالغيوم تتسارع في الجو والريح باردة تنذر بالمزيد من ماء السماء، لكن المرشد المشرف جميل عرفات (أبو رياض) لم ير في تلك الساعة سوى الهدف الذي بات بالنسبة له أشبه بالعبادة. تقدم المشاركين وهو يحثّهم على الاتكال على الله والانطلاق بلهجته الأبوية الدافئة والواثقة: «نحن على موعد مع «سيرين» فلا تخذلوها.. فهي دائمة الشكوى من قلة زائريها رغم فتنة جمال طبيعتها وعذوبة مياه ينابيعها».
كان اللقاء الموعود مع سيرين التي شكلت الخط الفاصل بين قضاءي طبريا وبيسان في فلسطين التاريخية. تقع هذه القرية المهدمة في هضبة كوكب الهوا ( يفصل بينها وبين قرية كوكب من الجنوب وادي البيرة) وهي أكبر قرى قضاء بيسان والى الغرب منها يبرز جبل الطور بكبريائه وسط المروج، قبل ان يزلزلها زلزال 48 بلغ تعداد سكانها نحو ألف نسمة، فيما بلغت مساحة أراضيها 28445 دونما.
ويرجح أبو رياض ان التسمية جاءت من « سير» الآرامية بمعنى القمة او «الرأس»، لكنه ينوه أنه في مصدر آخر ورد ان التسمية جاءت على اسم «سيرين» أخت ماريا القبطية التي أهداها المقوقس للرسول محمد، فيما ذكرها ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» ببعض أبيات الشعر:
اقول لعمرو وهو يحكي عن الصبا….ونحن بأعلى السيرين نسير
انطلقت الحافلة ومعها انطلق لسان أبو رياض راويا الكثير من المعلومات العامة، إضافة الى تفاصيل جمة من رواية المكان من بشر وشجر وحجر في منطقة الشفى الخصبة والغنية تربتها البازلتية والعيون، وهي سلسلة هضاب يمكن الوصول اليها من ألف طريق وطريق. سارونة كانت المحطة الأولى للجولة. بالنسبة للكثيرين من المشاركين كان هذا اللقاء الأول بهذه القرية الفلسطينية المهجرة التي تكاد تكون منسية حتى بالاسم بالنسبة للأجيال الشابة لولا مستوطنة مجاورة تحمل التسمية ذاتها. لم يبق من سارونة حجر على حجر سوى عين ماء مبنية من الحجر البازلتي الأسود كانت ولا تزال من أجمل عيون الماء في البلاد سيما وأنها دائمة الجريان على مدار العام، تتدفق مياها أصفى من عين العصفور وتشفي العليل والقيلولة بجوارها «بترد الروح». أما البيوت فلا أثر لها سوى أكوام من الحجارة، فيما أحيطت المقبرة بالأسلاك الشائكة حرصا على سلامة الأبقار بعد ان شملتها المراعي. وبسبب تعذر استئناف المسير الى سيرين من طريق سارونة بسبب الأوحال أكمل الزوار جولتهم شرقا مرورا بقرية يمة ( يبنئيل الإسرائيلية، اليوم) نحو وادي الفجاس المعروف منذ ان سلكته جيوش صلاح الدين الأيوبي في طريقها الى حطين القريبة شمالا. وفي الطريق شرح المرشد الآخر المرافق فريد حاج يحيى معالم الجغرافيا والتاريخ للمنطقة السهلية جنوب بحيرة طبريا كاشفا الوجه الفلسطيني للمكان قبل طمس معالمه. ويقول «هناك على التلة المقابلة تقع قريا بوريا وناصر الدين التي تعرضت لمذبحة خلال النكبة وهناك في مستوطنة «كنيرت» لا تزال بيوت حجرية لعرب الدلايكة وهناك بجوار مستوطنة «دغانيا» أم المستعمرات الصهيونية في فلسطين حيث يخرج نهر الأردن في مساره الحالي من طبريا حيث كانت تقوم قرية أم جونية. لم يبق ما يذكر بعروبة الموقع سوى دبابة سورية أعطبت عام 48 بعد مباغتتها من قبل مستوطني «دغانيا « وهي لا تزال هناك. والى الغرب منها كانت تقع قرية الصنبرة (مركز الرياضة الإسرائيلي اوهلو اليوم) التي اعتمدها الأمويون كأحد مراكزهم المحببة الى قلوبهم. الى الجنوب من البحيرة تبدأ مباشرة بلدة سمخ التي كانت تشكل مركزا تجاريا مهما حيث لا تزال الأبنية الخاصة بسكة الحديد الحجازية (المحطة المركزية ومكاتب الإدارة ومستودعات المياه الحجرية ومكتب التذاكر وهو بناء مخروطي الشكل مبني من الحجر الأسود) شاهدا على عمران وازدهار المكان.
وفي محاذاة أراضي سمخ، مسقط رأس الكاتب يحيى يخلف، من الجهة الغربية يقع كيبوتس «اوفكيم» الذي طمس قرية اقحوانة المهدمة التي كان صلاح الدين الأيوبي قد أسر فيها عددا من المحاربين الصليبيين دون ان يعرف أنهم من قادتهم فقيل «هنا كان الرجل الذي لم يعرف قدر انتصاراته) حسب رواية المرشد المرافق. وبمحاذاة قرية العبيدية المهجرة صعدت الحافلة في طريق جبلية ملتوية الى منطقة الشفى ثانية. بعد السير على الأقدام لمدة نصف ساعة تجلت معالم قرية سيرين المهجرة وبدا من اللحظة الاولى ان الخروج في جولة طويلة له ما يبرره، فالمساحات الخضراء تبدو وكأنها لوحة فنية لرسام بارع. هذه البلدة التي يسمي الفلسطينيون بناتهم باسمها لم يبق من عمارتها سوى قلعتها وعين مائها.
لم يخب رونق سيرين رغم فقدانها أعزاءها وأصحابها، فهي تتربع على رابية مكسوة بأشجار الزيتون والنخيل، ظهرها الى جبال الأردن ووجهها الى جبل الطور، محاطة بالسهول الخضراء ذات التربة البازلتية الخصبة سر خصوصية المكان المليء بالينابيع، أشهرها عين ام ربيع وعين بدرية وعين ادمة. هذه الينابيع المتدفقة ماء وحياة وبكاء على من أطالوا الغيبة عنها كانت قد دغدغت مشاعر الفتاة، نورة محمود، من قرية الكابري المهجرة، التي غسلت وجهها وشربت من «أم ربيع» قبل ان يصدح صوتها الفيروزي في فضاء سيرين تعبيرا عن التمسك بحلم العودة بأغنية السيدة فيروز فيما رددت أخريات معها « كان عنا طاحونة عنبع المي..قدامها ساحات مزروعة في.. جدي كان يطحن في الحي قمح وغنيات..». ووفاء لسيرين وسيرتها العطرة اختار بعض المشاركين ان يلتقط البقول من أراضيها، فيما قام اخرون بالاحتفاظ بالذكريات بجمع بعض المكعبات الحجرية الفسيفسائية التي كشف عنها المطر داخل التراب.
واضافة الى سهول المويلحات المشهورة بوفرة محاصيلها في القمح تعتبر سيرين من القرى الغنية باثارها أيضا حيث سبق وعثر على حجر نقشت فيه كتابات يونانية يعلوها صليب إضافة الى قطع فسيفسائية ملونة، كما حظيت باهتمام الصليبيين بسبب وفرة مياهها وقربها من جبل الطور وقلعة كوكب، وقد نقلت آثار البلدة الى مستوطنات الغور.
في سيرين الفلسطينية عاش المسلمون والمسيحيون بسلام ووئام ومن عائلاتها كما يؤكد جميل عرفات الزعبية والهياجنة والنمامسة والكتانة وخشيبون وغيرها. ويشير جميل عرفات الى ان مفاوضات دارت في سنوات الثلاثين بين السكان المسيحيين والمطران حجار لنقلهم الى رمانة البطوف قضاء الناصرة او الى زبوبا قضاء جنين لكنهم لم يرضوا بديلا عن قريتهم. اما وادي البيرة المجاور فكان ملكا لافراد من عائلتي الفاهوم والزعبي واقيمت فيه عدة طواحين وبساتين اشهرها طاحونة الاسد. وفي عام 1936 يقول ابو رياض شاركت سيرين اهالي البلاد في الثورة الكبرى ومن رجالها مصطفى اسماعيل ابو الهيجا واحمد الحسن وطلاع الزعبي وابو جميل كتانة واستشهد منها الشيخ ابراهيم الكردي وعلي العقاولة. واحتلت سيرين في 12.05.48 اثر سقوط مدينة القضاء، بيسان وشرد أهلها الى الاردن وسوريا وهم يعدون وفق احصاء دائرة الاحصاء المركزية من عام 1998، 5770 نسمة ولم يبق في البلاد منهم الا نزر يسير في الناصرة وبعض بلداتها.