حين تعود بنا ذاكرة الشعر إلى حركة الحداثة الشعرية في الشعر العربي المعاصر قبل حوالي ستة عقود تحضرنا أسماء وازنة تركت الأثر في الوجدان الثقافي العام للمرحلة ولأجيال قادمة ظل يستهويها ذلك النغم الشعري الثوري الملتزم الذي كان يلازم حساسية التلقي لدى مثقفي الفترة، تلك الحساسية التي عكستها أعمال الجيل الأول من نقاد الحداثة من عيار محمود أمين العالم وغالي شكري ومن تلاهم من المخضرمين كيمنى العيد وغيرهم ممن تشبعوا بالنقد الماركسي والاجتماعي… وتحضرنا عند هؤلاء وقفاتهم وغاراتهم النقدية الدسمة على تجارب رواد مدرسة التجديد الشعري من أمثال السياب والبياتي وعبد المعطي حجازي ودرويش …ليفرز المزيج نتاجا ثقافيا شكل بالنسبة لتلك الأجيال المجاورة من القراء بيانا حقيقيا بنوا عليه أطروحاتهم النظرية ومواقفهم الفعلية في الأدب والحياة. وإننا حتى لو أغفلنا في هذا الخضم من التلقي الشعري الموصول بحماس الدرس والتكوين ما يمكن أن يغفل من أسامٍ، فلن يكون بوسعنا أن ننسى بعض الأسماء الشعرية الكبرى التي شكلت لنا ونحن تلاميذ في الطور الثانوي لغزا محيّرا، وعلى رأسها اسمان رئيسان : الأول ارتبط بعمادة الأدب العربي وبإعادة النظر في بديهيات الشعر الجاهلي وأعني به الدكتور طه حسين الموسوم بدقة النظرالمنهجي الذي لم نكن لنستوعب منه آنذاك الشيئ الكثير.أما الثاني فارتبط بمرحلة النهضة الشعرية وصنف في مقررنا الدراسي المغربي آنذاك (في السبعينات من القرن الماضي) ضمن مسمى مرحلة البعث والإحياء. وكنت أحسّ وأنا طالب بالثانوية بنوع من التميز والاختلاف بين شخصية هذا الشاعر وبين الشخصيات الثلاث الأخرى المقررة ضمن المحور شوقي وحافظ والبارودي، المزهوين بطرابيشهم التركية السامقة التي لا شك في أنها تشي بانتمائهم الأرستقراطي. بينما كان الجواهري يقف بعيدا عنهم (ضمن فقرة متأخرة من المحور) بطاقيته النجفية المزركشة التي تشي بالانتماء الشعبي مع ما ينازعه من حسّ التمرد والسخرية والتحرر من الأعراف. ولم يكن في مقدورنا حينذاك أن ندرك خفايا هذا النزوع المختلف وعلاقته بالنسيج الثقافي والخلفية التي ساهمت في ترسيخه و إبرازه، إلا بعد مراحل من الدراسة والتكوين والتمرس الميداني في مجال التدريس لهذه الظواهر. لاسيما وأنها كانت متباعدة عن بيئتنا المغربية الموسومة بهدوء النبض الثقافي والسياسي، إذا ما قارناه بمثيله في مصر والشام والعراق على نحو خاص. وأذكر أن القصيدة المقررة للشاعر الجواهري في ذات المحور كانت تحت عنوان: (دجلة الخير) ومطلعها: حيّيتُ سفحَكِ عن بُعـدٍ فحيـِّيني يا دجلةَ الخيرِ يا امَّ البســـاتينِ حييَّتُ سفحكِ ظمآنا ألـــوذُ به لـوذَ الحمائمِ بين الماء والطيـن يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً افــارقُهُ على الكـراهةِ بين الحينِ والحين إنِّي وردتُ عيونَ الـماء صافيةً نبْعا فنبْعا فما كـانت لترويــني وانتَ يا قاربا تلْوي الريــاحُ به لَيَّ النســائمِ أطراف الافــانين… ولم نكن لندرك في تلك الأحوال من التلقي المشروطة بالحذر والنأي عن التأويل ورصد الأبعاد، التي تحيط بهذا المقام الشعري العميق الذي تفجره أداة النداء، والتي تتلخص في سبر المعاناة التي كانت تستبد بشاعرنا المعنّى وخلفه شرائح من شعبه، جرّاء ظروف النفي والإقصاء والحصار والمطاردة التي كان يفرضها النظام المتسلط في العراق آنذاك على المثقفين المستنيرين دعاة الإصلاح والتغيير وعلى رأسهم الشاعر الجواهري، يوم كان الشعر حمّال رسالة وأداة نضال لا هذيانا مفرغا يسري بين السطور .. وأجدني اللحظة في حاجة إلى أن أدعم ذاكرتي تلك بذاكرة رائقة تشفي الغليل هي للشاعر والكاتب العراقي هادي الحسيني. ففي سياق احتكاكه المبكر بتجربة الشاعر عبر مناهج القراءة المقررة في أزمنة الحصار والرقابة، حيث كانت الحواجز موضوعة بين ألق هذه التجربة الشعرية التي فرضت نفسها بقوة، وبين فهمها واستيعابها في سياقها الثوري . يقول الحسيني: ((أذكر جيداً حين كنت في الصف الثالث المتوسط وفي بداية العام الدراسي كان أول الدروس في المطالعة والنصوص هو قصيدة الجواهري التي يقول في مطلعها : سلام على مثقل بالحديد ويشمخ كالقائد الظافر ! قرأ مدرس المادة ثمانية أبيات من القصيدة وطلب منا نحن الطلاب أن نقرأها في الكتاب ومن ثم علينا حفظها الاسبوع القادم ! وقع اختيار المدرس عليّ بأن أبدأ بقراءة القصيدة داخل الكتاب ! قلت له أني أحفظها يا استاذ ! ادهشه ما قلته ! اوقفني امام زملائي وقرأت القصيدة كاملة ! كان البعثيون في مناهج الدراسة آنذاك كتبوا أهداء القصيدة الى مناضل بعثي ! لم يسموه ! سألني الاستاذ كيف حفظت القصيدة، قلت له لدينا في البيت ديوان الجواهري واقرأ منه الكثير، ثم أكملت حديثي بأن هذه القصيدة كان الجواهري قد كتبها بعد اعدام يوسف سلمان يوسف وهي مهداة له ! سألني المدرس ومن يكون يوسف سلمان يوسف ؟ قلت له أنه (فهد) مؤوسس الحزب الشيوعي العراقي ! اغلق فمي بيده اليمنى ! وقال سوف تحبسنا !!))