توفيق رباحي
لا اعرف هل انا محظوظ ام سيئ حظ. بسبب وجود والدي ووالدتي في ضيافتي، اكاد انسي ان جهاز التلفزيون عندي يلتقط قنوات اخري غير اقرأ التي كنت تخليت عنها بمحض ارادتي هروبا بجلدي ورأفة بنفسي، و الجزيرة لانها اسلم من حيث ما قد يقفز الي بيتك من صور غير مرغوبة، والفضائية الجزائرية لانها ديالنا. هذه الاخيرة مقدسة، فوالدي مهووس بمعرفة احوال الجو هناك في ارض العزة والكرامة، فلا تفوته واحدة من نشراتها، ويعشق نشرة اخبار الثامنة متوهما كل يوم ان فيها جديدا رغم انه غير مدمن سياسة.
من هنا قداسة الفضائية الجزائرية، خصوصا في الساعة الثامنة مساء، قداسة تشبه لحظة الافطار في شهر رمضان الكريم اذ يتحول الموعد الي مناسبة عائلية جميلة.
اذا اردت ان اقول عن نفسي سيئ حظ، فمبرري انني لم اشاهد، منذ اسابيع، وبراحتي، قنوات اخري غير الثلاثي المرح المذكور آنفا، وبالأحري الثنائي، لانني كثيرا ما اتحايل علي الحاج كي ينسي اقرأ وملتحيها، محتكرا الريموت كونترول باعتباري صاحب المكان. اما اذا اعتبرت نفسي محظوظا، فلأنني نلت شرف متابعة كرنفال في دشرة، حقيقي لا سينمائي، طيلة اسبوع كامل. فيلم جميل يوهم الغافلين ان البلد يسيّر بصرامة لم تشهدها منذ استقلالها. ووقفت علي طريقة الحكم الراشد والابداع في تدبير الشأن العام: رئيس دولة يزور مدينة ثلاثة ايام تتوقف فيها حياة الناس وتتعطل مصالحهم حتي يصبح مستحيلا ان تشتري دلاّعة (بطيخة)، حسب الصحافي المرح لحسن بوربيع. كما وقفت علي طريقة عمل تلفزيوني ارشد وتغطيات لا وجود لها في العالمين ـ الا عندنا.
الاسبوع الماضي انتقل صاحب الفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الي مدينتي مستغانم ووهران الساحليتين بغرب الجزائر. وبدل ان تكون الزيارة حافزا للعمل اكثر، كانت مثل الاعياد الدينية والقومية، مناسبة للخمول والتهرب من العمل والمسؤولية.
ونظرا لاهمية الحدث، ترك التلفزيون الجزائري، كعادته، كل شيء الا الزيارة. ولعل ابرز ابداعاته انه اهتدي الي طريقة جديدة لابراز مدي شعبية الرئيس والتحام الجماهير به، تتمثل في افتتاح نشرة الاخبار بصور من دون تعليق لصاحب الفخامة يترجل ماشيا بشوارع المدينة ملوحا بيديه الي جماهير بحّت حناجرها وهي تهتف بحياته وتتوسل اليه ان يقبل بعهدة ثالثة (غير منصوص عليها بالدستور في انتظار ان يعدّل بطريقة مستوحاة من الطريقة السورية عام 2000). يجب ان نسأل، وليس ضروريا انتظار الجواب، لمن موجهة تلك الصور؟ للذين يروّجون ان الرئيس منهك صحيا غير قادر علي الحركة، واستنتاجا غير مؤهل لولاية رئاسية ثالثة؟ ام الي خصومه في الحكم الذين يرفضون التمديد له (بانتخابات)؟ او لحلفائه الذين يصرون علي الولاية الثالثة كي يروا انه لا يزال اهلا لها؟ او لمعارضيه الذين يقولون انه فقدَ شعبيته (رغم علم الجزائريين بالطرق التي تُحضر بها الجماهير عن بكرة ابيها الي مثل هذه المهرجانات)؟ لعلها للمغرب الذي يئس من تطبيع مع الجزائر في حضور بوتفليقة؟ او لفرنسا؟ ربما لهؤلاء جميعا.. الله اعلم، دعونا منها.
في العادة لا اطيق متابعة هذا النوع من الزيارات بالتلفزيون، لكن بسبب الظروف المذكورة آنفا، وجدت نفسي اتابع ادق تفاصيل زيارتي وهران ومستغانم. بدا لي ان الرئيس لم يعجبه شيء مما شاهد او اُريد له ان يشاهد، فقد ظهر في اغلب الاحيان متجهما غاضبا كفرانا بما حوله. لعله فهم ان في هذا النوع من الزيارات يلعبوهالو ويستحيل ان يقف، لا هو ولا اي رئيس آخر قبله وبعده، علي المشاكل الحقيقية للسكان، بل يصبح شريكا في مسرحية يحبكها جيدا واضعو برنامج الزيارة. كثيرا ما التفت فخامته الي وزرائه معلقا بعبارات من نوع لا يعجبني، انا ارفض، انا اريد كذا وكذا، انا سأفعل.. . وبلغ الغضب والانفعال ذروته عندما قاطعه سكان محتجون علي طرق يبدو انها ملتوية في توزيع مساكن مجانية (طالما انها مجانية فلا بد ان يحضر الالتواء والنصب). بعد لحظات من الاستماع، التفت الي وزير السكن آمرا اياه بالفرنسية ـ باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية: اريد تحقيقا عاجلا عن هذه السكنات وتوزيعها.. انهم يتكلمون عن رشوة وتلاعبات، اريد تحقيقا.
وبلغ الغضب ذروته ايضا عندما قيل له ان اراضي بطريق المطار بيعت لوكلاء شركات اجنبية تبيع السيارات، فالتفت يمنة ويسرة سائلا بالفرنسية ـ باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية: اين هو وزير الداخلية (يبدو ان هذا الاخير كان متخفيا من الشمس الحارقة) فظهر بعد لحظات يضع علي رأسه مظلة واقية من الشمس تشبه مظلات المكسيكيين، فنال نصيبه من غضب الرئيس رغم انه حليفه وصاحب حظوة عنده. حاول الوزير ان يشرح لكن فخامته انصرف متمتما Je ne suis d’accord.. Je ne suis pas d’ccord (لست موافقا). يجب القول ان في مثل هذه المواقف، فخامته لا يحب الاستماع، بل يتكلم، بغض النظر عن الموضوع، مما يجعل اراءه قوانين وتعليقاته برامج عمل بتواطؤ من قطعان الوزراء والمسؤولين الذين يوهمون السامع انهم لا يقتربون من زوجاتهم الا بتوجيهات من فخامته و برعاية سامية منه.
ما لم افهمه، ربما بسبب عدم مواظبتي علي متابعة هذا النوع من الزيارات المباركة، هو لماذا يغضب صاحب الفخامة وكأنه يكتشف الجزائر لاول مرة؟ اذا كانت نوبات غضبه صادقة وحقيقية وليست لكاميرا نشرة الاخبار، فعلي المحيطين به ان ينصحوه بالتوقف عن هذا النوع من الزيارات خوفا علي صحته وكي لا تضربه سكتة قلبية وهو وسط ورشة بناء او ابنية سكنية انتهي بناؤها للتو، لان الحالة مهرودة بشكل يدفع الي القنوط ووهران هي الشجرة التي تغطي الغابة. فالذي شاهده من غش وسمعه من شكاوي فيها وفي مستغانم سيشاهده في مدن سعيدة وبلعباس والاغواط وخنشلة وتبسة وعنابة وبسكرة وكل المدن الجزائرية، خصوصا في موضوع السكن المرتبط مباشرة بحياة الناس واستقرارهم. السكن هو المشكلة الاكبر في الجزائر، ولو كان فخامته يعيش حقا بالجزائر لقرأ (او قرأوا له) عن هذه المشاكل في الصحف يوميا بدل المرة عشرا. ولانتبه الي ان المشاريع التي كان ينتقد اصحابها ويبهدلهم امام الرأي العام هي ذاتها التي، في العام او الشهر او الاسبوع السابق، كان التلفزيون يتباهي بها ويعتبرها من افضال برنامج فخامته علي رعيته، وهي ذاتها التي كان قليلو الحياء من وزرائه يقولون عنها في التلفزيون انها الاضخم و الاكبر و الاولي من نوعها في العالم العربي والاسلامي، وهي ذاتها التي يشهرها التلفزيون في وجهنا جميعا عندما ينصحنا بصيام الدهر لان الله حبانا بفخامته. ولعرف، مثل الرضّع الجزائريين في بطون امهاتهم، ان مشكلة العقار في البلاد هي أم المشاكل، من ابسط قرية الي اكبر مدينة ولتكن العاصمة، وان الخوف ان يأتي يوم تبيع مافيا العقار الارض التي فوقها قصر الرئاسة (مثلما باعت بسعر التراب فيلات منتجع موريتي لفقراء الامة)، او يأتي جنس ثالث بعد كم عام يطلب من الشعب الجزائري اخلاء المكان لان لديه وثيقة بيع حصل عليها من جزائريين في العام كذا وكذا.
اسئلة في الختام: كم من تحقيق عاجل في توزيع سكنات سيطلب فخامته؟ وكم من تحقيق سيطلب حول التلاعب بالعقار؟ وفي الاستيراد؟ وكم وكم. ثم من سنصدّق بعد اليوم، هو وغضبه ام التلفزيون وافتخاره بـ الانجازات العظيمة؟
شمس الاحتفالات الاثنين الماضي، وبينما كان المغرب الرسمي غارقا في احتفالات عيد العرش والرئيس بوتفليقة يبعث الي الملك محمد السادس برسالة غرام سياسي، في نفس المساء بثت الفضائية الثالثة بالتلفزيون الجزائري (هي قناة واحدة بثلاثة اسماء حتي لا تغرنكم الارقام فتحسدوا الجزائريين) شريطا وثائقيا عن.. تونس!
كان الشريط (انتاج تونسي) لمناسبة احتفال تونس بمرور خمسين عاما علي اعلان الجمهورية (كانت الاحتفالات قد انتهت وتونس صحت من سكرتها)، لكن كل ما فيه يحيل الي ان تونس وُلدت مع شمس يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 1987. كان الشريط برهانا آخر علي ان الطيور علي اشكالها تقع في انتظار ان يبث التلفزيون التونسي شريطا يقول للناس فيه ان الجزائر وُلدت مع فجر 15 نيسان (ابريل) 1999. من نيس مع الحب! اعجبني سيف الاسلام القذافي وهو يظهر في اكثر من شاشة عربية ودولية من مخدعه الجميل في نيس الفرنسية، مسمّرا مرتاحا مثل ابناء السلاطين. عاشت الثورات وعاش ابي القائد.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]