في صناعة الكيان الليبي

حجم الخط
0

المبروك درباش الامتثال لمشروعيّ الحرية والرق، ووضعهما ضمن ترتيبات التاريخ، وسجالات الرجال، صُناع الأحداث التي تسمى جزافا تاريخية، لكونها بعضا قليلا من الاشياء التي ولّت، هو أيضا صنع متحايل على القيمة وموضوع القيمة، هو تحايل منغمس بالأنا اكثر من النحن، اي انه خال من التجريد الفلسفي للقيمة، تلك الفئة المنفردة بذات الفضيلة، تلك التي أنا بصددها هنا، أي قيامة الجسد، أي صناعة الكيان.يعتبر التحوّل نحو صناعة الكيان من أشد الأشياء قسوة، وأكترها تعقيدا. ان التكاوين هي تجربة معرفية، أساسها فهم منطق العلم والتعلم والمعرفة الكاملة للمحيط الثقافي. كذلك تبدو التعابير القيمية في فهم الاستكانة للجهل ورفض مبدأ الحق والاستحقاق، المواطنة والتوطن، المنفعة والانتفاع، كلمات الارتقاء بحال الفرد والجماعة في مجتمع الأخذ والشد حتى في المعتقد المتداول. فكلما ازدادت معرفة الفرد والجماعة، وازدادت خبرتهم، ازداد وعيهم بالمشاكل الآنية والمتواصلة، وصارت تصرفاتهم مبنية على مساحة وعمق هذه المعرفة المكتسبة.كائنات المعرفة هي نتيجة لعمليات منهجية في البحث، وليست في التشخيص .في الفهم المعرفي، اللغة اساس، وكذلك الكيان ببنيانه المرن، ممزقة حينا وسلس مذاقها عند حين آخر. كذلك الفهم، النقط الدالة في قواعد الإدراك، تتسع للا(منتهي) وتتباعد حتى الى اللا(حتى)، لكنها قد تَّدَثُّرُ، رغم أن ثمة من يقدسها، وما لها او عليها هما اعتراضات جدلية لا يحكمها قانون الاشباع فهي مجلس قُلْعَة. اما المعرفي، فهو تقنين الذمم، وتبويبها تلك اللسانيات. المعرفه اصل متجذر وأب يموت أبناؤه قبله. كائنات المعرفة هي نتيجة لعمليات منهجية في البحث، وليست في التشخيص. قد لا نكون جديرين بمشاكسة الدين، الطواطم، الكتب، أو الرواة، والرواة عن الرواة، لكن يجب أن لا يختزل السؤال. إذا اتفقنا أن الكيان الاخلاقي هو نتاج الفهم، المعرفة، والمناخ بمكوناته، لغة، لسان، نظم، او غير ذلك. اي جل تراكمات التكوين، فهو اذا، نتاج طبيعي لمجموع القيم واللاءات. الكيان الاخلاقي هو شرعية ودستور الكيان الكل، كيان الدولة والناس.ليبيا، تلك المقام الممتد بوله المارة، العابرون العزل. بياض صحراوي متكئ على شَّحْمُ الجبال الفزعة، يمتص رونقه من تناسب الوديان القائمة مقام الدهر. هزها شوق المكانات العدة واستأنست لها قوافل الباحثين عن سكون وعيش. هكذا بانت، هكذا رسمت بريشة الزمن القاسي، سَرَقت حينا، وسُرقت أحيانا أُخر، رجالاتها ونسوتها باتوا مضياف اللقاءات المتكررة، لكنها ابدا لم تكن فقاقيع وحل شاعر، بل قبعات حضارات.*الكيان الواحد هو تفكير اساسه اجتماعي ديني، وليس قومياجاءها السنوسيون، واعلنوا بإمرة انكليزية إماراتهم على بسطاء الدين، ورفعوا ألوية التقوى وزوايا القراءة، فحكموا قليلا من الوقت، وكثر بخسهم ورهقهم، وأُخذوا أخذ عزيز مقتدر، أوهكذا شبه. هكذا كانت حكومة السنوسيين، ولكن السنوسية لم تبدأ هنا. لقد جاء ابن مستغانمي، محمد السنوسي بعد ان اسس زواياه في مكة ويثرب وينبع النخل في عام 1837، الى ليبيا اليوم بمحض الصدفة. لقد كرههُ الوهابيون في الحجاز لحكمة فقهه وتناوله للدين كقيمة انسانية، العبادة، العمل، والجهاد، أي ان الفتق المعرفي كان اساس اختلافه معهم، فقد دعا للتلاؤم مع البيئة الضيف وليس سلخها، ونقاط تلاقيهم كان مبدأ العودة بالدين الى الاصل، ولكن أي اصلأ فكل يقرأ الاصل من منطلق معارفه الشخصية، بيئته، وعلاقاته بالعقل، رغم انهم كلهم قرؤوا لإبن تيميه وابن حنبل والغزالي. خرج السنوسي الاول يبحث عن لسانه، فذهب للقرويين بالمغرب الأقصى ليقرأ، وغادر من بعد لتونس وليبيا ومن ثم لمصر حيث أزعجته سيطرة محمد علي على طاقم الازهر، ولسخرية القدر لجأ لمجاورة الحجاز حتى ضاقوا به ذرعا، فأخد نعليه وفاسيه ‘أحمد’ حذو اليمن، ومن ثم عاد مرة اخرى للحجاز ليؤسس زواياه، ومن هناك اراد العودة للجزائر ولكن ظروف احتلالها بالفرنسيين لم تسمح، فذهب لليبيا ليؤسس زاوية المحجوب والبيضاء وعاصمته الجغبوب. جهد السنوسي في رسم طريقته التي صقلها الترحال وصوفية مبادئه الفاعلة، فرتّب بيته وفق تراتيبها التنظيمية، ونضم لهجة فقهه لتشمل عبادات وقراءات الغزالي، ورسم صورة وطنية إسلامية جهادية.لقد تطورت السنوسيه عن الاخوانية الوهابية، وباقي الحركات الاخوانية الاصلاحية الاخرى، لتشمل القيمة الجهادية كأساس ثان للطريقه، وساعدت حالة المنطقة آنذاك على الانفلات بهذا المبدأ أمام الناس، فقد كانت تحذر من تربص الغرب بمناطق المسلمين ولذا رأوا في ثقافة ‘أعدوا’ ركنا اساسيا، ولهذا وجبت الوحدة تحت كيان واحد، نعم الكيان الواحد هو تفكير اساسه اجتماعي ديني وليس قوميا، انبعاثه كان الخطر المحدق، وهوالذي صار بعد ذلك، الاساس الايديولوجي للقوميين العرب في الشرق، مع استئصال وصاية الاسلام لأنهم كانوا غير ذلك. وكذلك لم تقطع وصالها بالصوفية، بل ورفعتها وشحلتها الى مستوى الجدل بعيدا عن الانصياعات والدروشة، وبالتالي كانت صورة صوفية تقدمية وفاعلة. فاعلة، اي انها عاملة، لقد نبذت عادات التكاسل عند أهل الفقه، وألزمت كل اتباعها على العمل باليد والتفاعل مع المنظومة الاقتصادية للمجتمع.أثرت السنوسية في تقافة الليبيين بشكل عميق، ودون حتى معرفة حقيقية بحجم هذا البعد وهذا الانغماس، فعدم مواجهتها لمن يختلف معها، ونزوحها عن التلامز رغم عدم تورعها في النقد الاجتهادي كما قالت في المالكية والوهابية. هذا التأثير ساهم في خلق توازن وسطي في التفكير الليبي وتعامله مع الدين واختزال العبادات جملة في إناء سنوسي يحتمل المساحات والآخر. ولربما كان التوجه المتعمد للوهاوبيين لليبيا له علاقة بتاريخ اخوان الطريقتين، والذي مهما تتابع، فأنه لن يزدهر طويلا، فالمكان لايتسع لثقافتين اختلافهما جلي. ورغم ان الدهر كالدهر، الا ان الامكنة والجغرافيات ليست كبعضها. *ان الاماكن ليست كلها مكةإن الظهور المفاجئ، في الآونة الاخيرة، لسطوة وسلطان شيوخ الحجاز هو أمر مثير للجدل رغم تأصل كراهيتهُ التاريخية، فالاقليم الذي يحسن تحسين الاراضي المقدسة ليجلب حوالي 7.5 مليون حاج ومعتمر سنويا، أي سائحي الدين، ينكره على غيره، فهو لايحتاج الى سياح آخرين لأن هذا الرقم في تزايد سنوي ويفوق قدرة الحجاز الاستيعابية، فالاموال التي يجنونها ويصرفونها على هؤلاء الشيوخ الذين لا يكترثون كثيرا لاحتياجات طرابلس وتونس ومراكش لنصف هذا الرقم فقط، وكل الاشياء الجاذبة كالتماثيل والعمران، والدير، والقبور القديمة، التي هي خارج ترتيباتهم، فهم لايقطنون فيها. فمن ياترى يخطر بني عبدالوهاب ان الاماكن ليست كلها مكة، وانها ليست كلها مقدسة؟.نعم لقد أُخذوا أخذ عزيز مقتدر، هذا مافعل الله بإدريس السنوسي، أمير برقة وملك ليبيا بعد توحيدها من قبل الوحدويين الأولين، ولا أعني هنا أحمد باشا، بل بشير السعداوي ورفاقه، الذين ارتضوا أدريس أميرا رغم إكتفائه ببرقة، وبايعوا الوحدة الوطنية بدلاً عنه، ورغماً اسموه ملكا عليهم. لم تكن باقي ليبيا كبرقة لملك ليبيا الجديد، التي ازدهرت قبله فيها السنوسية، فوجد فيها وسادة، بل ناكفته ليبيا كثيرا، واحتد الوطيس بين إمرته وحاشيته وكل ما هو ليبي آنذاك، من تيارات حقوقية، وليبرالية، الى القومية الناصرية منها والبعثية، حتى جمعية عمر المختار صارت وخزا. لم يكن مشروع الإمارة لبرقة بالمطلب الوطني، بل كانت رغبة الانكليز ووصايتهم التي باركت الملوكية، فحصدوا كثيرا من نعم الارض وامتيازات الدولة، وبنى الغرب القريب والبعيد قواعدهم على نفس التريبات التي قاتلهم عنها العلامة المجاهد السنوسي، عمر المختار المنفي، الذي لم يفر إلى مصر، كذلك فعل المريض وبلخير والباروني وسعدون السويحلي ومحفوظ الحجازي وغيرهم الكثير.*بان لؤم الجنود وانحدر سيلهم جافا يتيما ليتحول الى اكتناز قبلي عائلي منتظرا لثورة اخرىأتت ثورة الفاتح بقيادة ذوي الاحذية السوداء، الضباط الوحدويون الاحرار، وسرعان ما تبوأ العمل القومي مكانا في صلب مشروعها البسيط، فقد كانت هذه ثقافة العصر، وبعض كثير من التململ والاعتراضات والنكسات، بان لؤم الجنود وانحدر سيلهم جافا يتيما ليتحول الى اكتناز قبلي عائلي منتظرا لثورة اخرى. عرج معمر القذافي، رئيس مجلس قيادة الثورة، الى الانفراد بالسلطة عن رفاقه فأسقطهم وأسقطوا أنفسهم الواحد تلو الآخر، ولم تكن هذه بالسيئة، فهؤلاء لم يكونوا ابدا اكثر من جنود في الجيش الملكي، وبديله الايديولوجي كان ملفتا للنظر، ونبل اليسار في تلك الاونة كان براقا، فقلب موازين أرباب المال واستبدلهم تحت بند الاشتراكية الشرقية، وغير المقامات وسن القوانين لتعمل على شرعنة القيم الجديدة البديلة. وبين هنا وهناك كوّن حركة اللجان الثورية، الحركة السياسية الوحيدة بعد ممات السنوسية، فالتحم بها فتية البلد تعطشا لدور سياسي والشراك في الرقي بالبلد. كونت الحركة مؤسساتها بعيدا عن الدولة، من منتديات التوجيه السياسي، الى خلق منابت للتفكير الجماهيري الذي كان متجاوزا في حقيقته لبساطة الكتاب الاخضر، الذي أقُتبس من رباعية منظري الحزب الشيوعي الصيني. لكن الراوي والرواية صارا يأخدان مساراتهما القلقة، بعيدا عن مدارك بعضهما البعض. زل لسان الراوي فكتبت الرواية بأخطائها الاملائية الكثر، فخرجت من مطابع البلد مهترأة، كقمصان الصبية بعد عراكات الارصفة. ابدا لم يكن معمر القذافي جادا ولا مخلصا لاطروحاته، بل اختال بها كثقافة كلامية تضيف مقام المشروع على منتدى اللامشروع، وظلت الفتية بين حالات الاغماء والاستيقاظ المتأخر، فمنهم من تاه بعيدا يلازمه ألم الضياع ومنهم من تجاوز الآهات ببعض النقود وحُسن الأبنية. لقد تقيأت القيادة السياسية جل الثوريين الشرفاء وركنتهم، فما كان منهم الا ان يركنوا للدعة في تذمر ساكن، وصارخ احيانا اخر. وصار لكل منهم قصة حزينة تضاف الى ارشيف احزان الوطن.لقد تعمد معمر القذافي تأمير وصنع الرجالات عنوة من اشباه الحقيقين وكتب سجالاته على هوامش الحركة السياسية فكانت نهايته على أيديهم، الأشباه. كانت خشيته من التاريخ اقوى من معرفته بالحاضر، وتلبس الامس له اقوى من عمق غده، وبهت الجزع الرهيب من الجموع ونقد الرفاق بارقا لمن يرى، الا من كانت على عيونهم غشاوة. لعن القذافي عائلة يعقوب ولكن مكن صبيتها الرعاع من الارض، فلعق من لعق من وِكاث، وتلذذ من تلذذ بوِكال، وزلق من زلق بترنح، وشحطوا لَبَن البيت، وبقى الهم عظيما تراه اليمامات والعقارب معا، زئبقيا لاتمسكه الايديولوجيا، بل تبرره بهتانا تلك القافلة المنسية. لكن معمر القذافي كان مدرسة في الاهتمامات الفكرية، وهذا ما صار منُتقدا، ومغيبا كثيرا، بعمد. وجاء فبراير. جاء ليكتب صفحة متكررة، بربيع ملون برماد الموتى والمشردين، وكأن ذاكرة الوطن قد فرغت من كل أشيائها. لقد كان إنتفاضة على مظاهر الاستبداد والتهميش المتعمد لكل الليبين. لقد كان النظام الاداري السابق يخلو من المسؤولية الادارية المستحقة، فبعثرة الموارد، واختيارات القيادات السمجة، سببا اوليا في نهوض الشباب النهم لأي شيء، في بغثة مترقبة من النهار. فخرج المهمشون يرفعون رايات ذكرى الباستيل الليبي، بحثا عن بديل، فقد ضاقوا ذرعا بحكم القبيلة، وتنصيب الانتهازيين لمقاليد الامور، ورغبوا في التغيير. لكن القصة لم تبدأ او تنته هنا فقط. لقد بدأت الانتفاضات الاولى في البيضاء، احدى مدن الشرق، وبني وليد، والزاويه، لتكتمل ببنغازي التحاقا في الشرق، والجبل، واخيرا بمصراته في الاشهر التوالي. فسكنت بني وليد لأسباب اجتماعية واشتدت وتيرة بعض من مصراته والجبل مع الدعم الهائل من قوات الناتو، تحالف قوى الاطلسي. لقد حسمت المعركة لحظة تدخل الناتو، وكذلك الكثير من اخطاء القذافي الذريعة، والتي كان ابرزها غياب الكفاءات الحقيقية سياسيا وعسكريا.*هاهي فبراير ترسم ملامح لبرلمانية العواملقد ورث الفبرايريون فوضى النظام وولجُّوا في غيّ صارخ بعد سقوط الدولة، فكل من عمل في الدولة هو احد ازلامها، وكل من تبوأ منصبا صار طريد الحكام الجدد. وهكذا غاب البوليس، الحرس البلدي، وادارات الدولة العامة ومشروعاتها، وحلت مكانها مؤسسات فبرايرية بواقع القوة. وبإجحاف الوله الاول، وقسمت البلد الى ثقافات وكيانات مهزومة واخرى منتصرة، وخرجت اصوات اخرى، جلها من الخدم وحشم البلاطات الفائتة، الانتهازيون، ذوي القدرات الضئيلة، والاسلاميون التبع، الذين نسوا ثقافة البلد الدينية وأصولها السنوسية والفاطمية، وبعض قليل من الوطنيين الجدد، صارخة هذي الزعرات برغبة في الغنيمة، فهذه الآن ثقافة العصر، مطالبة هذي الزائرات بنصيب من أثات الشقة المفروشة التي اسمها ليبيا. لكن فبراير، التي كان من المفترض ان يقوم بها ثوريّو حركة اللجان الثورية المتلكأة منذ بدء التسعينيات، ليست كلها عبث، فبها كثيرٌ من العمالة ايضا. وأخيرا هاهي ترسم ملامح ‘لبرلمانية العوام’ في المؤتمر الوطني غير البرلماني، ليتسنى لليبيين أن يروها فعلا التجربة النيابية بكل مالها وما عليها. وفبراير كان يجب ان يحدت، لأن ثلال أبناء القذافي الذين مُكنوا من مقاليد الامور بشكل مفزع السهولة، لم يكونوا يعون مقاليد الدولة، ولا اسباب الحكم. كانت مفاتيح المواقع القيادية تكمن في الجلسات والخلوات والسهرات، وكانت عقدة ‘الخواجة’ التي تميز بها الابناء عاملا مساعدا على سقوط وابتعاد كثير من رجالات الدولة الحقيقيين.*ان الوريث الحقيقي للسنوسية هي حركة اللجان الثورية، وتباعا هي الفبراريةولكن ماذا يعني هذا السرد المقتضب من تاريخ بلد؟ إنه لمن الجلي ان المجتمع الليبي يفتقر للتمييز السياسي، فهو مرابط على حد التتابع المؤسسي لحركاته وحكوماته المتتالية، فلقد انسجم السنوسيون مع ثقافة الليبيين آنذاك، وهي ثقافة العبور، والقوم السيارة، فليبيا دولة عبور، تمل من السكون، وهذه لها من العيوب ما ينقص من ايجابياتها، ثقافة ملأى بمخلفات الرومان والفاطميين، السكان الاصليين، والفتوحات الكثيرة. وهكذا فإن الوريث الحقيقي للسنوسية هي حركة اللجان الثورية، وتباعا هي الفبرارية، آخر الورثة. لقد حارب السنوسيون في حكمهم، عبر الملك ادريس، الحزبية بشراسة، ومنعوها ووضعوا كياناتها في السجون، فما كان من نظام القذافي الا ان يضفي عليها طابع الخيانة. وجاء الفبراريون ليجتثوا اي علاقة كانت بالنظام السابق، وكأن الأمس لم يكن.ان أسوأ ماقد يحدث لهذا الكيان الليبي، ان يأتمر امره من يستعملون الدين كعباءة للوصول الى السلطة، ووسادة لركن غزواتهم الهرمة، أن ينصب هؤلاء انفسهم حكاما بما يعرفون من قليل عن الدين، وان يستفحلوا في نصوص الكتاب، مانحين بها مفاتيح السماء والجنة، وكأن الله استخلفهم في الارض. آنذاك، سيدفن المواطن في قبر الغياب، وستلجم ارادته بـ’عناعن’ الحديث، وستُنهك طاقته على باب دار أمير المؤمنين، وسيبقى يلهث وراء الدكتاتوريات الجديدة، ولكن هذه المرة ستكون استنكاراته حرام، وصاحبها في النار، وخروجه الى الشارع بدعة نهى عنها ابوهريرة. ان أسوأ الحركات السياسية في التاريخ البشري، هي الحركات الدينية، فهي بطبيعتها تنظيمات قامعة للحريات، ومخلة بالعدل، فهي تستعمل نصوص الله، ودين الجموع لتحكمهم. فإن اعترضتهم فقد اعترضت الله والدين وجلّ النصوص، وان وافقتهم فأنت دونهم، يركبونك متى شاءوا، فحقيقة مبتغاهم هي السلطة، وجمع المال لاغير. ان أجمل مافي الاسلام هو العلاقة المباشرة مع الله، حتى الرسول الكريم لايملك مع الانسان وخالقه شيئا، فمن أين يا ترى هرع علينا هؤلاء؟ انه تقديريا التأثيرالمسيحي ببابواته واحتفالياته. إن وصاية الكنيسة على الدين الكهنوتي بأشكاله هي الاساس الاصل لهذا التفكير، فلطالما حلم كسالى الدين بهكذا مكانة، وهكذا سلطة، منابرها في روحانيات السماء، وثمرها في الارض. ما يتناسوه او لايريدون هضمهُ هؤلاء، هو أن عدالة الدين في الاحكام، وان السلوك الاسلامي هو سلوك فردي وليس مؤسساتيا. *لايوجد شرقي علمانيمن يستوي في غياهب الجهل مع رجالات الدين هم أولئك العلمانيون، أو من يطالبون بفصل الدين عن السلطة او السياسة في دولة كليبيا. ان للمفهوم العلماني خصوصية كنسيتية اوروبية، فلقد قامت كنتيجة مباشرة لاستبداد الكنيسة وليس الدين، الا ان الكنيسة والدين واحد في ديانات اوروبا في تلك الحقبة، خاصة في الكنيسة الكاثلوكية، فوريث الرب هو البابا، ورسل الرب لازالوا يعمدون عبر نظم عدة كالمعجزات الثلاث، ولايقل اهمية هذا التناول عن تأثير ثقافة ‘روسو’ على الثورة الفرنسية. فهي نتاج ثقافة مختلفة عن ثقافتنا. ورغم كل هذا لم يفصل الدين عن السياسة في أيٍ من هذه الدول، فقد ظلت قوانينها ترمز لاخلاقيات ديانتها الابراهيمية، ولكن نجحت في منع تدخلات رجالات الدين في السياسة وليس تدخل الدين. ولهذا فهذا التعبير يعتبر دخيلا على الشرق عامة بكل دياناته، ولايوجد شرقي علماني. وكذلك وصاية رجالات الدين على الدين، فهي الاخرى تناول مستعار من الكاثوليكية، وخروج اصوات العلمانية في الشرق رغم اختلاط المفاهيم، هو في حقيقته رفض لاشكال هيمنة رجالات الدين وتجاره على العقول. فأين ما وجدت أصوات تنادي بالعلمانية، وجد قبيلها محاولات من كهنة الدين للوصاية، فلهذا هي معذورة احيانا، رغم كونها دخيلة ومستعارة، إلا ان الوصاية على الدين أكثر خطرا، وأشد بأسا، واكتر النزق السياسي والانتخابي فجورا، فهي استغفال للبسطاء بتلاوات ديانتهم وهي امبريالية المشائخ. إن الوصاية على الدين في مجتمع متدين هي ضرب من الارداف الخلفي (oxymoron)، في اقل معانيه.ان للمجتمع الليبي القدرة الرهيبة على صناعة أسياده وجلاديه، وإذا لم يحدث هنا خروج شجاع، ملفت للانتباه، لمثقفي البلد الآن، يصرخون فيه بوجوب المعرفة والحكمة والاستقلال، وينصون على قيم الحرية والعدالة، ويصرون على ثوابت المجتمع، لا قشورياته، فإن الجهل سيصبح أداة القمع الرهيبة، لا الصوت الناكر فحسب، وكالسيل سيجرف معه اشجار وثمار الوطن، وسنبقى نحن تائهون بين الناعق والكريه. فلمن يا ترى سنعطي ظهورنا لسياطه ورعونته هذه المرة؟.إني أدعوا لبناء الكيان الليبي.’ استاذ جامعي وكاتب ليبي مقيم بكنداqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية