في ضيافة شارل بودليـــر: علي هامش مؤتمر قصيدة النثر العربية في بيروت غ1-2ف مؤتمر خارج زمن القصيدة اليوم في العالم ومعرفة خارج زمن المعرفة بها!

حجم الخط
0

في ضيافة شارل بودليـــر: علي هامش مؤتمر قصيدة النثر العربية في بيروت غ1-2ف مؤتمر خارج زمن القصيدة اليوم في العالم ومعرفة خارج زمن المعرفة بها!

محمد بنيسفي ضيافة شارل بودليـــر: علي هامش مؤتمر قصيدة النثر العربية في بيروت غ1-2ف مؤتمر خارج زمن القصيدة اليوم في العالم ومعرفة خارج زمن المعرفة بها! لا أهاجم الأشخاص علي الإطلاق، أستعين بهم لأجعل الآفات المتخفية أو البالغة الدقة بادية للعيان نيتــشه1 علمت، بفضل أحد الشعراء الأصدقاء المغاربة، بخبر إقامة مؤتمر قصيدة النثر العربية في بيروت. في البداية فهمت أن بيروت تحتاج إلي ما يذكرها بأنها كانت مركزاً ثقافياً عربياً له تاريخه وله سحره في آن. فالأحداث السياسية لهاتين السنتين الأخيرتين لم تعد تقدم لها (ولنا) غير الخيبات. بيروت تحتاج إلي أن ترسم من جديد حدود أرضها الثقافية لنفسها قبل غيرها. الحاجة بادية. فالفعل الثقافي هو ما كان جعل من بيروت، منذ نهاية القرن التاسع عشر، أرضا تنعم بحركة التحديث في الثقافة العربية، حيث كان مشروع التحديث الاجتماعي ـ التاريخي فيها يبحث عن دعائمه في التحديث الثقافي. ومن بيروت كانت الحركة ذاتها تنتشر في بلاد عربية، مشرقا ومغربا. لن أروي تاريخ الشعلة المباركة التي كانت لبيروت. شخصياً، كنت أكثر من مرة كتبت وصرحت (في بيروت نفسها) أنني ابن بيروت الثقافية. لم أكن أفعل ما فعلت من أجل المجاملة ولا من أجل أن تتبني كلمتي جهة ما. كتبت ذلك لنفسي وصرحت به لنفسي. بوحٌ حر. لأنني كذلك كنت. وبيروت، إلي جانب القاهرة وباريس، علمتني حرية أن أكتب وأمضي مع الذين يمثلون قيماً جديدة، تتوسطها قيمة الحرية.ذلك ما فهمت في البداية. بيروت تحتاج إلي ما يذكرها بأنها كانت. لكن ما كانت لا معني له إن هو لم يجئ من المستقبل. بهذا ظننت، علي إثر إخباري من طرف الصديق الشاعر المغربي، وقبل الاطلاع علي ورقات ومواقف، أن هذا المؤتمر يتهيأ للإعلان عن فكرة جديدة عن القصيدة العربية الحديثة وفكرة جديدة عن العالم العربي. ورد علي حينها الاحتفال بالذكري المئوية للشاعر بول إيلوار، سنة 1995 بسان دوني، في ضاحية باريس. احتفال باسم المستقبل. شعراء مشاركون من العالم. كتَابٌ متفردٌ ساهم فيه شعراء من ثقافات ولغات يطرح سؤال: ما الشعر؟ العرب، من المغرب والمشرق، مشاركون بكثافة في الكتاب وفي الاحتفال. تذكرنا جميعا بول إيلوار من خلال المتحف المقام له. سعدي يوسف وأنا شاركنا في ليلة الشعر التي طالت حتي الهزيع الأخير من الليل. صوت المستقبل. هذا ما ظننت وما ورد علي. بالمجيء من المستقبل كان سيكون معني تذكر مركزية بيروت في الثقافة العربية وتحديثها، في زمن عربي تتصاعد فيه الأصوليات، تتفرع وتستولي علي الأرض العربية. وكنت هذه المرة، كالعادة، مع بيروت. بشغف وجدت نفسي أبحث عن الإعلان مصحوباً بورقات ومواقف. ثم، شيئا فشيئا، أخذ الشغف يتحول إلي حيرة. لم أصدق ما أقرأ، في صحف ومواقع عبر الأنترنيت. مؤتمر قصيدة النثر العربية، من تنظيم الجامعة الأمريكية في بيروت، وبمبادرة من رئيس قسم اللغة العربية، الأستاذ ماهر جرّار. لم أكن من قبل سمعت عن الأستاذ ماهر جرار ولا قرأت له دراسة أو كتاباً. ورقات ومواقف وبرنامج كلها تشيـر إلي عكس ما ظننت. هو مؤتمر لما كان في بيروت قبل أكثر من أربعين سنة. لا شيء في ما أخذت أتابع دلني علي أن بيروت، هذه المرة، تستوعب القصيدة أو العالم العربي في زمننا. بسبب ذلك لم أصدق كيف أن بيروت تستعيد، من داخل مؤسسة علمية لها تاريخها العريض، زمنا من خارج القصيدة ومن خارج المعرفة بها، عربيا ودوليا، في زمننا. ذلك الزمن الماضي يعود، بما هو ماض، وعياً تغيب عنه المعرفة بالقصيدة وبالزمن. من الشغف إلي الحيرة إلي التأمل. طريق استدعت صمتاً، ثم في الصمت نداءٌ ما وضع يدي علي ورقة.2كل شيء ممكن في العالم العربي، حتي أولئك الذين يعتبرون أنفسهم حديثين يمكن أن ينقادوا، في غياب وعي نقدي، نحو حنين إلي الماضي، حنين أصولي له السيادة ثم السيادة. تلك مفارقة أولي ضاعفت من انجذابي إلي التأمل. بيروت قصيدة النثر، في نهاية الخمسينيات، كانت في زمنها تشير، علي الأقل، إلي أنها تشرع أبواب الضيافة علي المستقبل، حسب القانون الذي حكم انبثاق حركات أدبية وفكرية في ثقافتنا الحديثة. أقصد الانبثاق من خارج بينة الثقافـة العربيـة ذاتها. هي علامة يصعب في غيابها أن نقرأ تاريخ التحديث الأدبي في العالم العربي، ومنه الشعري. تلك سعادتها ومأساتها. آنذاك، سنة 1959، كان صدر كتاب سوزان برنار قصيدة النثر من بودلير حتي أيامنا في باريس عن دار نيزي، بساحة السوربون، في الحي اللاتيني. كان أول كتاب أكاديمي تقبل به الجامعة الفرنسية، التي لم تكن قبل هذا التاريخ تعترف بقصيدة النثر كجنس أدبي يصلح ليكون موضوع الدراسة الأكاديمية. بمعني أن قصيدة النثر انتظرت في موطنها قرناً كي تدخل الجامعة الفرنسية. وفي لمح البصر كان للكتاب في بيروت ما لم يكن له في باريس نفسها وفي مسار القصيدة الفرنسية نفسها. قصيدة النثر كانت منتعشة في باريس منذ 1857، وعاشت عصرها الذهبي، حسب ميشيل ساندراس، بين 1869 و1889. لكن شعراء بيروت، من المتعلمين بالفرنسية، لم يتعرفوا عليها، كقصيدة مخصوصة، إلا بعد صدور كتاب سوزان برنار. لم يتعرفوا علي قصيدة النثر من الأعمال الشعرية نفسها (شجون باريس مثلاً أو الأنطولوجيات الخاصة بهذا الجنس الشعري)، بل من الأطروحة الأكاديمية، أي العمل النقدي. ولو فرضنا أن هذا العمل لم يصدر، فهل كانت هذه القصيدة ستنال في بيروت كل هذه الحظوة في الفترة ذاتها؟ وهل كان لشعراء بيروت في الفترة ذاتها ما أصبح لهم بفضل الاطلاع علي كتاب سوزان بيرنار؟ نمط من الأسئلة يهم مؤرخ الأفكار. وأنا بعيد عن التأريخ. هناك عمل جامعي، إذن، له منهج التأريخ والتوثيق والمقارنة والتحليل. إنه المنهج اللانسوني السائد آنذاك في الدرس الجامعي الأدبي الفرنسي. لم يكن المنهج مفاجئا بالنسبة لرولان بارط، الذي كان، من خارج الجامعة، أصدر سنة 1953 كتاب درجة الصفر للكتابة، فتحول شيئاً فشيئاً إلي حدث ثقافي بدّل معالم قراءة الأعمال الأدبية وبدّل مسار النقد في كل من فرنسا والعالم. وإذا كان رولان بارط لم يفاجأ بجديد في منهج عمل سوزان برنار فذلك يعني أن تناول قصيدة النثر بمنهج سائد لم يفتح أفقا جديدا لا لقصيدة النثر ولا لمنهج قراءتها في فرنسا. من ثم نفهم كيف أن الحركة البنيوية للستينيات والسبعينيات، بما حملته من تفرعات منهجية، من شعرية الاستعارة إلي شعرية الإيقاع، ومن دلائلية غريماس أو دلائلية يوري لوتمان إلي الدلائلية التحليلة لجوليا كرسطيفا. عائلة بكاملها التقي فيها أهل اللسانيات والفلسفة والتحليل النفسي والأنتربولوجيا بدلائليين وشاعريين. ما استأثر بالقراءة والتنظير لدي حركة النقد الجديد هو أعمال ساد ورامبو وملارمي ونيتشه وأرطو وبونج، مفيدين من فردناند دو سوسير وموريس بلانشو وجورج باطاي والشكلانيين الروس. وكانت الكتابة الموقع الذي تختاره أعمال هؤلاء، معوضين بذلك مفهوم الأدب بمفهوم الكتابة. فـ” ليست الكتابة، حسب رولان بارط، هي الكلام، وهذا التفريق بينهما حصّل في السنوات الأخيرة علي تكريس نظري، ولكن الكتابة ليست المكتوب أيضا، أي التدوين؛ فأن تكتب ليس هو أن تدوّن. في الكتابة ما هو أكثر حضوراً في الكلام (بطريقة هستيرية) وأكثر غياباً في التدوين (بطريقة إخصائية)، بمعني أن الجسد يعود، ولكن عن طريق غير مباشرة، مقيـسة، وموسيقـية حتي تقول كل شيء بدقة، عن طريق المتعة لا عن طريق المتخيل (الصورة)”.3لم يفطن شعراء بيروت، المتعلمون بالفرنسية، وفي مقدمتهم أدونيس وأنسي الحاج خصوصاً، إلي ما يحدث في باريس، سنوات قبل صدور كتاب سوزان برنار. كما لم يكونوا من قبل فطنوا إلي وجود قصيدة النثر لدي بودلير أو السابقين عليه واللاحقين. إنهم، وهم يكتشفون كتاب سوزان برنار، كانوا في زمن متأخر عن زمن القصيدة في باريس، لأن قصيدة النثر في باريس نهاية الخمسينيات لم يعد لها معني. أقصد كتابة قصيدة النثر وقراءتها في آن، أي تسميتها من ناحية، وإعادة تصنيفها من ناحية ثانية. لذلك حصلت علي رخصة البحث الجامعي في الجامعة الفرنسية. نصوص أدبية (وغير أدبية) عبرت السياج النظري للنقد الجديد مثلما عبرت القراءة النصية، التي قلبت الرؤية كلية إلي تصور النص، شعرا أو نثرا. لكن أدونيس كان، مع ذلك، هذه المرة دون أنسي الحاج، وبعد ثماني عشرة سنة علي صدور كتاب رولان بارط، السباق إلي التقاط تصور الكتابة في فرنسا وفي ضوئه اشتغل في مواقف علي ما كان سماه “تأسيس كتابة جديدة”. واقعة تاريخية مثلت استراتيجية مختلفة للقصيدة، لكتابة القصيدة. بهذا التصور كان أدونيس انتقد، من بين ما انتقد، قصيدة النثر التي كان من الممهدين لها في مجلة شعر. فهو لاحظ علي شعراء المجلة أنهم “وقفوا عند حدود تغيير الطريقة الموروثة واكتفوا بهذا التغيير”. ثم أضاف “كأنه تغير في الدرجة لا في النوع”. آنذاك، وأنا بين ما أتعلمه من الأعمال الشعرية الفرنسية ومن النقد الفرنسي الجديد والشكلانيين الروس والحركة الرومانسية الألمانية والفلسفة، ومن اللسانيات والدلائلـية والشعرية، وبين ما أقرأه لأدونيس، كنت اعتقدت أن قصيدة النثر لم يعد لها معني في العالم العربي بعد أن بطل معناها في فرنسا نفسها. مرة أخري أوضح أن ما أقصد هو كتابة قصيدة النثر وتسميتها ومنهج قراءتها. وعي نقدي كنت أنفتح عليه بصبر الراغبين في التعلم المعرفي.قراءاتي ومعارفي كانت أصبحت متجهة صوب ما لم أكن أعرفه. وبعد كتابة قصائد بدت هجينة لبعض النقاد في المغرب كتبت ونشرت “بيان الكتابة” (1981). ما اعتقدته لم يكن صائباً. مع بداية إبدال قيم العالم وقيم الثقافة، أخذت الدعوة إلي قصيدة النثر في العالم العربي، بين قبرص وباريس ولندن، تظهر. الصحافة هي التي دأبت علي الترويج لقصيدة النثر، ثم كان ما كان، أو كان ما نحن اليوم فيه.4بين السبعينيات وبين الآن أزمنة نظرية- معرفية وتاريخية – اجتماعية وصلت إلي عتبات العولمة. لا أعرف في العالم مهرجانا شعريا ولا مؤتمرا أدبيا يطرح، اليوم، قصيدة النثر للجدل والنقاش. زمن القصيدة، اليوم، في أمكنة أخري، أجدها مجهولة في العالم العربي، إلا لماماً لدي شعراء ينصتون إلي القصيدة في زمننا وإلي المعرفة بالقصيدة في زمننا. والحقـيقة أنني، وأنا أتابع ورقات ومواقف تخص المؤتمر، انتبهت إلي الخطإ الذي أوقعتني فيه حماستي لبيروت. فالصحيح هو أنني لا أنتظر أن تأتي معرفة نظرية جديدة عن القصيدة العربية أو عن العالم العربي من مؤتمر أدبي عربي. هذا ما دعاني لأراجع الحماسة وأتوجه، في ضيافة شارل بودلير، صوب تأمل ما يقع في مؤتمر عن قصيدة النثر العربية وفي زمن بيروت الثقافي.لو كانت بيروت تعيش، من خلال هذا المؤتمر، زمن القصيدة اليوم في العالم العربي وفي العالم وزمن المعرفة بها لما اتخذ المؤتمر العنوان الذي اختاره. باختيار عنوان يعود إلي الستينيات، كان للماضي حضور أقوي في المؤتمر، أو هو باختصار أعطانا بيروت في زمن الماضي لا في زمن المستقبل. تلك النار التي سرقها شعراء بيروت ذات يوم من أيام الخمسينيات ثم الستينيات والسبعينيات، أصبحت فحماً، لا شعلة ولا ضوء لها. بيروت، التي سعت إلي الإنصات إلي زمن القصيدة، ولو متأخراً، في فرنسا، لا تنصت اليوم إلي زمن القصيدة ولا إلي زمن الثقافة، عربيا وعالميا. بيروت من خارج زمن القصيدة تكلم ماضيها بدلا من أن تكلم مستقبلها. مهرجان تكريم واحتفاء. حقاً، هذا في حد ذاته من صفات النبالة، التي يحسن الدفاع عنها في بلد يعيش مأساته الاجتماعية ـ التاريخية ولا يدري من أين يجلب الدواء لمرضه. مع هذا المؤتمر تضاعف المرض، تعددت الأمراض. لكن المبدع، الشاعر والمفكر، هو من يوقظ النفوس، يرفع الأمراض إلي مستوي الأفكار، كما يقول نيتشه. يرج القناعة والرضي والقبول. يذهب، ولو وحيدا، في الطرق الوعرة التي هي طريقه التي يتسمي بها، رحالا، مهاجرا، في القيظ والزمهرير، حتي لا نهاية، كما كتب باطاي، سوي اللانهاية. في العودة إلي الماضي بحثاً عن الماضي لا اختراقاً له نحو المستقبل، في فكرة القصيدة العربية وفي فكرة العالم العربي، يتضح ما استحوذ علي المؤتمر. لم اطلع علي الأوراق جميعها ولا علي الأوراق بكاملها. ما ظفرت به منها منشورا، في صحف ومواقع علي الأنترنيت، معطي لا يشوه الصورة التي بدت لي قسماتها بارزة بل وناتئة. فباستثناء الخطاب الجدالي أو خطاب الاعتراف، بتنويعاتهما، من عقل العويط إلي جمانة حداد إلي عبده وازن إلي أمجد ناصر إلي عباس بيضون، يتلخص ما استبد بالأوراق في إعطاء دروس للشعراء العرب من بين الذين لا يعرفون قصيدة النثر في الغرب (والأصوب في فرنسا لأن قصيدة النثر فرنسية)، أو في بسط معارف أصبحت متداولة حسب مقاييس المعرفة بنظريات الشعر في القرن العشرين، وخاصة لدي ياكبسون والوظيفة الشعرية للغة، أو عرض خصائص قصيدة النثر كما جاءت في تحليل ميكائيل ريفاتير. إن زمن القصيدة، اليوم، وزمن المعرفة بها في عالم اليوم، لا يعني أن نظريات القرن العشرين مختصرة في اسم أو اسمين ولا يعني كذلك أن تلك النظريات لم تخضع لقراءات نقدية، بل يعني أن النظرية الشعرية برمتها في وضعية لا بد من التنبه إلي مآزقها. ومما استغربت له أن شاعراً مثل عقل العويط، الذي أعرف عنه انفتاحه، أنكر أن يكون العرب قدموا في الخمسين سنة الماضية معرفة جديدة بالقصيدة العربية الحديثة، مثلما أنكر أن يكون الدرس الجامعي العربي غامر بتدريس شعرية القصيدة العربية الحديثة والبحث فيها. ما استغربته منه أستغربه من غيره. أستغرب إنكارا عاينته في فترات سابقة يصدر عن عدم اطلاع. نعم، ثمة أعمال جيدة أنجزها شعراء ودارسون عرب في أكثر من بلد عربي، وفي جامعات غربية، مع بروز أكثر لأعمال ذات أهمية استثنائية أنجزت في المغرب وتونس، مثلا. كما أن جامعات في المغرب العربي (وفي جامعات عربية مماثلة) منخرطة في تدريس المناهج الحديثة بالجامعة وتشغيلها في قراءة القصيدة العربية الحديثة. في إنكار ما أنجز نفحة من عدم التواضع أمام القصيدة ومعرفتها في العالم العربي. عكس ذلك ما قد يحدث في الغرب. فلربما يبدو ما أنجز في جامعات عربية من دراسة وتدريس للشعر العربي الحديث، الذي لا يتجاوز عمره خمسين سنة، غريبا ومشوقا، لأن للدرس الجامعي الأروبي تقاليد عريقة لا تنفك تقيد مواضيع البحث وتحترس من تدريس ودراسة أعمال لم يمض عليها الزمن الذي يمنحها صلاحية المادة العلمية. والإشارة سابقا إلي أن قصيدة النثر انتظرت في موطنها قرنا كاملا قبل أن تقبل الجامعة الفرنسية بتسجيل موضوعها في قائمة رسائل الدكتوراة، لا تبعد عن مكانة الأعمال الحديثة إجمالا في عديد من الجامعات في العالم. وهذا يعيدنا إلي الصواب ونحن نصدر الأحكام المجحفة. فأغلب الشعراء العرب المشارقة، في لبنان وفي غير لبنان، لا يطلعون، للأسف، علي ما ينجز من دراسات في العالم ثم هم يجهلون (أو ينكرون) ما ينجز في بلاد عربية، وفي مقدمتها بلدان المغرب العربي، بين المغرب وتونس.5مؤتمر خارج زمن القصيدة اليوم في العالم ومعرفة خارج زمن المعرفة بها. وها نحن وجها لوجه مع مؤتمر يستعيد الماضي ويطمئن إليه. يزهو به ويعلن له الولاء. إن الجامعة الأمريكية، مكان انعقاد المؤتمر، هي مكان البحث عن الحقيقة والمعني. ويدل المكان علي أن الخطاب المفروض تداوله كان ينبغي أن يستجيب للمعرفة، النظرية والمنهجية. كما أن الاعتماد في الماضي علي كتاب سوزان برنار، بما هو عمل أكاديمي، يشعرنا أن الحديث عن قصيدة النثر يظل قائما علي المعرفة. ونحن بمنطق كهذا نكون في موقع معرفي. وهو ما يحثنا علي الالتزام بالمعرفة الشعرية من ناحية ويحمينا من كل خطاب يتبرم أو يتنصل من المعرفة. ذلك كان سلوك القدماء (من عرب وسواهم) وهو ما يحصّن سلوك الحديثين.ولي أن أبدأ، هنا، بتعليق، قرأته في الصحافة، يرفع كلمة أنسي الحاج في افتتاح المؤتمر إلي مرتبة البيان الثاني. أتساءل بعطش الباحثين عن الحقيقة والمعني: أين البيان الأول، قبل الحديث عن البيان الثاني؟ كل مطلع علي كتاب سوزان برنار، بالفرنسية، يعلم ما لا يعلم متكلمون بدون حجة معرفية. لنعد إلي هذا الماضي. لا بأس. لنعد إلي ما حدث عند الإعلان عن قصيدة النثر في بيروت. كان كتاب قصيدة النثر من بودلير حتي أيامنا صدر سنة 1959، ولا نعرف بدقة في أي شهر من السنة كان تاريخ الصدور ولا الوقت الذي استغرقه وصول الكتاب إلي بيروت. ثم كان أدونيس أول من نشر دراسة عن قصيدة النثر في العدد 14 من مجلة شعر في ربيع 1960. واقتصرت مقدمة أنسي الحاج لديوان لن، الصادر في خريف السنة ذاتها، علي التعريف بقصيدة النثر وشرعيتها. هذه المقدمة، التي اعتبرها صاحب التعليق بيانا أول، تدعوني للقراءة. في الصفحة 10 من التقديم (الصفحة 18 من الديوان) كتب الشاعر ما يلي: “يحتاج توضيح ماهية قصيدة النثر إلي مجال ليس متوافرا. وإنني أستعير بتلخيص كلي هذا التحديد من أحدث كتاب في الموضوع بعنوان قصيدة النثر من بودلير إلي ايــامنا للكاتبة سوزان برنار.” إشارة تأخرت حتي الصفحة العـــاشرة، فيما الاعتماد علي سوزان برنار كان من بداية التقديم. لكن ذلك ليس كـافياً. فاعتماد أنسي الحاج (وأدونيس) اقتصر فقط علي مقدمة كتاب سوزان برنار، بخلاف ما تنبئـنا به عبارة أنسي الحـاج. رأيي أن هذا الكتاب لا يمكن قراءته بكامله ثم كتابة دراسة ومقدمة (وقصائد) في فترة قصيرة لا تتعدي شهورا معدودات فيما القراءة المتأنية للكتاب تحتاج، بالنسبة لمن لم يكن له من قبل اطلاع علي قصيدة النثر، إلي زمن طويل، طويل جدا، لاستيعاب الكتاب، بسبب جدة الموضوع وكثافة وصرامة وتشعب الدراسة وعدد الصفحات الذي يبلغ 773 . 6من كل ذلك أقول إن أنسي الحاج اكتفي بقراءة مقدمة عمل أكاديمي، مكثف وصارم ومتشعب، معتقدا أنه استوعب قصيدة النثر. لكن حتي مقدمة كتاب سوزان برنار نفسها لم يفهمها أنسي الحاج. الأمثلة علي ذلك كثيرة. نماذج محصورة تكفي. من بين الخصائص الجوهرية الفاصلة بين الشعر والنثر، كما يقدمها أنسي الحاج، ما يسميه الزمن. فالنثر في قوله “ذو هدف زمني” فيما القصيدة “لا غاية زمنية ” لها. هذا التعبير، الذي استعمله، ملتبس وغير مفهوم. والسبب هو الترجمة غير الدقيقة، التي نتج عنها فهم ملتبس والتعبير عنه بعبارة ملتبسة. اللازمنية، بالنسبة لسوزان برنار، تعني أن القصيدة “لا تتقدم نحو هدف، لا تعرض تتاليا للأحداث والأفكار، لكنها تقترح نفسها علي القارئ كـ”موضوع”، ككتلة زمنية”. وهي مرتبطة بمبدإ اللاتبرير(المجانية في ترجمة ادونيس)، أي أن الشاعر عندما “يستعمل عناصر سردية فـ”بشرط” أن يسمو بها ويجعلها “تشتغل” في مجموع ذي أهداف شعرية فقط” (ص. 15). إنه الفرق بين القصة والرواية التي تتوالي أحداثها بطريقة تجعلها “محتملة” (كما لدي أرسطو في كتاب الشعرية) وبين الشعر الذي هو وحدة مغلقة علي ذاتها، هدفها الوحيد هو تحقيق البناء الداخلي الخاص بها، أي أن هدفها هو اللاهدف. بالعودة إلي مصدر مقدمة انسي الحاج (أقصد كتاب سوزان برنار بالفرنسية) نفهم المقصود من التعريفات. لكن قراءة مقدمة أنسي الحاج تكشف لنا عن القانون الذي تمت به قراءة مقدمة سوزان برنار. كتب أنسي الحاج العبارة التالية:”وليس الشعر ما يتعذر علي النثر تقديمه، فالنثر منذ أقدم العصور وفي مختلف اللغات يحفل بالشعر حفلا إذا قيس بشعرٍ النظمُ يغلب عليه”. (ص.10) قد نعثر في النثر علي الشعر. هي خلاصة عامة غير مستقاة بهذه العبارة الواضحة التي استعملتها سوزان برنار. لكن أنسي الحاج لا يقدم نموذجاً عربياً (وهو الذي يعرض معرفته بتاريخ الأدب العربي) بهذا الخصوص، من الأعمال النثرية القديمة أو الحديثة أو من القرآن والتوراة. فهو أخذ هذه الخلاصة من سوزان برنار دونما تدقيق. والأساس عندها هو أن الأدباء والنقاد، علي السواء، وجدوا في كثير من الأعمال النثرية مقاطع أو خصائص شعرية. هي نماذج محصورة. ولا أبتغي هنا تحليل المقدمة برمتها، حتي أبين الفهم غير الدقيق الذي كان وراء صياغة مقدمة (هي مجرد تقديم) تحوّلت في اللغة الصحفية إلي بيان، بل حتي أبين، أيضا، أن الحديث، الوارد لأنسي الحاج في المقدمة نفسها، عن الرفض الذي قوبلت به قصيدة النثر في العالم العربي مأخوذ برمته من موقف الفرنسيين أنفسهم منها، كما تفصل سوزان برنار الحديث فيه. هذه تدقيقات تحثنا علي إعادة النظر في تسمية مقدمة لن بيانا أول. إعادة نظر تنطبق علي تسمية كلمة أنسي الحاج في افتتاح المؤتمر بياناً ثانياً (تشبيهاً بما فعل أندري بروتون مع بيانات السوريالية). ثم هناك ما قد يضيء وضعية الدعوة إلي قصيدة النثر آنذاك. إذا كان للإعلان عن قصيدة النثر في بيروت ولمقدمة أنسي الحاج سنة 1960 كل هذا الوقع الذي تخصه بها كتابات قديمة وراهنة، فمن حقنا، هنا، أن نتساءل عن السبب الذي جعل الدعوة إلي قصيدة النثر لا تجد أي صدي لها ولا للبيان في مؤتمر الأدب العربي المعاصر، الذي كان انعقد في روما في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1961. فسلمي الجيوسي، القريبة جدا من مجلة شعر، قالت في المؤتمر، أثناء مناقشتها ورقة أدونيس،” لعل الشعر الخالي من الوزن كليا يعاني إغفالا [في العالم العربي] ولكن المسألة مسألة زمن”. الشعر الخالي من الوزن لا يعني قصيدة النثر، كما أن عدم التصريح بمصطلح قصيدة النثر، في ورقة أدونيس، دليل علي أن قصيدة النثر لم تكن دعوة “كبري” أو أن ما كان صادرا في بيروت لم يكن عثر بعد علي صداه في وسط معني بالحركة التحديثية في الشعر العربي.إن أنسي الحاج عندما اكتفي بمقدمة كتاب سوزان برنار كان، في جميع الأحوال، علي علم بالفرنسية. لكن كيف لنا أن نتعامل مع غير العارفين بالفرنسية أصلا، من الذين يكتبون عن أنفسهم أنهم كانوا علي علم بقصيدة النثر الفرنسية، ويسندون معرفتهم بها إلي سوزان بيرنار؟ إن هناك نتيجة تبدو منطقية. فالشاعر العربي في بيروت، ولاحقا خارج بيروت، لم يكن يؤمن بأن المعرفة العالمة بقصيدة النثر ضرورية. فلا هو قرأ كتاب سوزان برنار (الذي لم يترجم إلي العربية إلا سنة 1998 من طرف راوية صادق) ولا عرف قصائد بودلير النثرية التي تأخرت ترجمتها بدورها إلي العربية. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية