عبد الرحيم بورقيةإستأثر الألتراس بإهتمام الصحف العربية (الأهرام، الحياة، الشرق الأوسط…) مؤخرا. لما لا، والأمر جلل. وظاهرة الألتراس ظهرت مع بداية الألفية الثانية بالدول العربية، بتونس أولا في سنة 2002 بإنشاء مجموعة من محبي الترجي التونسي لألتراس ‘المكشخين’، وكذلك ‘الكلوبيست’ من طرف محبي النادي الإفريقي. ثم بعد ذلك إنتقلت إلى باقي دول المغرب العربي، بالمغرب بتأسيس ألتراس ‘غرين بويز’ من مشجعي الرجاء البيضاوي و’وينرز’ التي تضم مساندي الوداد البيضاوي. فالجزائروليبيا قبل أن تصل أرض الكنانة سنة 2007 ، بتأسيس ألتراس الأهلي، الزمالك والإسماعيلي. تنامت الظاهرة وتقوت بهذه البلدان وتعدتها لباقي الأقطار العربية. إلا أنها عرفت تطورا ملحوظا لظهور الندية بين الألتراس المصرية والتونسية والمغربية والجزائرية.وهاته المجموعات تقدم دعمها اللامشروط طوال 90 دقيقة لفريقها، دون كلل أو ملل، مستعملتا في ذلك لوحات تعرف ب ‘تيفو’ وهي كلمة إيطالية مشتقة من ‘تيفوزي’ التي تعني مشجع بالإيطالية. كما يرفعون لافتات تتعدى الأربعة أمتارتتضمن عبارات وجمل تهدف لإيصال رسائل، يطلق عليها أعضاء الألتراس ‘ميساجات’. وتتوفر كل مجموعة على لافتة كبيرة المطاط اللين تحمل إسم المجموعة تسمى ‘باش’، ويرفع الأعضاء ألوان الفريق ويلحون ب’ايشارب’ يهتفون بأهازيج لتشجيع فرقهم. وتختلف المواضيع التي يتغنون بها ويتداخل الإجتماعي بالتاريخي والسياسي، هذا الأخير الذي أصبح موضوع الساعة بإنطلاق الشرارات الأولى للربيع العربي، وخروج هؤلاء الألتراس مع غيرهم من الشباب وباقي مكونات المجتمع التونسي والمصري. ليتمكنوا من تغير ملامح النظام السياسي، وتحويل المسار إلى دولة الحق والقانون. لكن ماحدث بمصر، وسأقتصرعلى المحروسة أم الدنيا، يستدعي الشرح والتفسيرالمنطقي. فبعد تسيد الموقف في ميدان التحرير والوقوف مع قاطبة الشعب المصري إحتلت الألتراس الواجهة. فبدءًا بفاجعة بورسعيد التي ذهب ضحيتها 74 وجرح المئات من جمهور الأهلي عقب إجتياح جماهير المصري الملعب، وتوجههم دون حسيب أو رقيب للاعبين ومن تم إلى مدرجات الأهلاوين. الغريب هو غياب رجال الأمن أو بصريح العبارة عدم ردعهم لهؤلاء الأشخاص المتهورين. مما أدى إلى المجزرة. نعرف أن الألتراس تتبادل العداء والعنف اللفظي والمعنوي واللذي نادرا مايتطورإلى عنف جسدي. لكن ماحدث ببورسعيد، في رأي، كان عنفا موجها وممنهجا إذا إعتبرنا عدم تدخل رجال الأمن دون الحديث عن تواطؤهم أو ما شبه ذلك. لكن ثمة معطيات أشارت إلى أن الأمر مطبوخ وبعناية شديدة من طرف أعداء الإستقرار بمصر. هناك جماهير تتقاسم حب فريقين، وحزازات بين الألتراس وشباب ومراهقين طائشين ومجرمين مأجورين لتأدية مهمة بشعة من أجل خدمة مؤامرة مدبرة في ظل الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد. لم أطلع على الملف ولامعطيات القضية، لكني توخيت التأني وإنتظار كلمة القضاء المصري ،التي تأخرت شيئا ما. أعتقد أن الملف شديد الحساسية ومعقد لتشابك المعطيات. وإلصاق التهمة بعناصر من ألتراس المصري غرين إيغلز لأنهم هم من يتكلمون بإسم الجمهور البورسعيدي دون تعميق التحقيق كان سيجرسخط أهلهم وباقي المناصرين. أنا مع العدل والعدالة و تقصي الحقائق والتروي قبل إصدار الأحكام القضائية. لكن حالة الفوضى والغضب الجماهيري المطالب بالقصاص،لتتعداها لقطع حركة مترو الأنفاق في وقت الذروة، وصولا إلى إشعال الإطارات فوق كوبري أكتوبر ومنع السيارات من المرور، غير عابئين بتعطيل مصالح المواطنين.وقد عبر ألتراس الأهلي في بيان لهم في فايسبوك: ‘لقد فاض الكيل من كثرة المهاترات والمماطلة والتأجيل.. يوماً بعد يوم يحاول النظام التأخير والتهدئة لنسيان ما حدث، أمس أعلنت وزارة العدل عن وجود أدلة جديدة في مقتل شهدائنا في بورسعيد، نحن ضد الظلم، ومع القصاص من كل من كان له يد في هذه المؤامرة.. ولكننا نرفض المماطلة، فإذا كانت هناك أدلة جديدة على من دبر تلك المؤامرة من القيادات العليا المسؤولة آنذاك فعلى وزارة العدل والنائب العام الإعلان عن ذلك للرأي العام فوراً لتتأجج نيران الغضب ببورسعيد مباشرة بعد إصدار الأحكام القضائية والتي من ضمنها إحالة أوراق 21 متهما على مفتي الجمهورية ليستمر مسلسل العنف من جديد وتعميم حالة الفوضى.هذه الفوضى الناجمة عن إختلاط الأمور بشكل مثير. لوجود بلطجية ومجرمين يختفون وراء أقنعة مسؤولين أمنيين، أحزاب سياسية، ثوريين، ناس عاديين، لهم مصالح خاصة ومآرب يتفنون في قضائها ولا هم لهم بالخراب الممنهج الذي تتعرض له مصر الغالية.وللأسف لم نعد نميز بين الصالح والطالح. من له حسن النية ومن يضمر شرا لهذا البلد؟ والمخجل هو محاولة بعض القوى السياسية الركوب علي موجة الألتراس، واللعب بنار أحزانهم، والعزف على وتر القصاص من المجرمين بتمثيلية الانحياز لصفهم، علي أمل مواجهتهم للفصيل الحاكم التيار الإسلامي وتعميم فكرة عجز الحكومة عن محاسبة الجناة. هذا اللعب الذي أدى إلى تصعيد العنف. هذه القوى السياسية و غيرها التي تلعب بنار الألتراس لا يهمها مصلحة مصر ولاأن البلد يحترق ويكتوي بنار أبنائه. مايهما هو إذكاء الغضب وإفشال الإنتقال لمرحلة مابعد الثورة وإنشاء أسس نظام جديد لمصلحة مصر.’ صحفي وباحث في العلوم الإجتماعية ينتمي إلى المركز المغربي للعلوم الإجتماعيةqmaqpt