الناصرة- “القدس العربي”: بعد السجالات داخل مجلس الحرب وخارجه علانية، وتبادل الغمز واللمز والاتهامات حول الصفقة العالقة، تسلّم إسرائيل، اليوم الثلاثاء، الوسطاء مقترحاً خطياً لصفقة جديدة، لتبدأ بذلك مداولات عن بعد في هذه المرحلة، بعدما نُشر أن كل الأطراف ستلتقي اليوم في القاهرة.
ويتزامن الحديث، اليوم، عن إطلاق مساعٍ جديدة لإتمام صفقة تبادل مع مذبحة رفح التي ما زالت تبعاتها تتفاعل، وسط ردود فعل دولية وعربية لم ترتق بعد للضغط على إسرائيل لوقف الحرب فوراً.
وعلاوة على مذبحة رفح تكشف “هآرتس”، اليوم، عن جرائم جديدة: تحقيق الشرطة العسكرية يكشف عن موت أسيرين من غزة، في آذار، قُتلا بالضرب على يد جنود إسرائيليين وهما داخل سيارة في الطريق لمعتقل “غوانتنامو”، أو “أبو غريب”، الإسرائيلي في النقب “ساديه تيمان”.
عميرة هاس: مَن يتغذّى من الصحافة العبرية فقط يمكن أن يصدّق تساذج الجيش ومزاعم “الحادثة بالخطأ”
مع ذلك يتجاهل البيت الأبيض المذبحة، التي كان بنفسه قد حذّر منها، معتبراً رفح خطاً أحمر، وقال إنه يشارك مع إسرائيل في التحقيق بـ “الحادثة” وإنَّ “القلب لينفطر” أمام مشاهد ما حصل.
في المقابل، واصل قادة “حماس”، ومن قبل مذبحة رفح، التأكيد على أن الصفقة لن تتحقق دون إنهاء الحرب على غزة، والانسحاب الكامل من القطاع.
وفي هذا المضمار، تنقل صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مصادر إسرائيلية قولها إن العملية البرية في رفح من شأنها أن تضع مفاوضات الصفقة المتداولة الآن في موضع الشك، علماً أن الشكوك حول نجاحها قائمة أصلاً، لأن الخلاف الجوهري حولها ما زال قائماً، وهو يتمثّل بقضية إنهاء الحرب.
وفيما تثابر “حماس” على رهن الصفقة بوقف الحرب، يرفض رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو ذلك، ففي كلمته أمام الكنيست، أمس، نفى التهم الموجهة له بالتصريح والتلميح وبالتسريب، فقال إنه منح الصلاحيات لطاقم المفاوضات الإسرائيلي خمس مرات.
قبل ذلك بساعات، كانت القناة العبرية 12 قد نقلت عن مسؤول ملف الأسرى والمفقودين في الجيش الإسرائيلي الجنرال نيتسان ألون قوله إنه يائس، وإنه لا توجد صفقة مع هذه الحكومة بتركيبتها الحالية.
واستهل نتنياهو كلمته بالردّ على ألون بطريقة الغمز واللمز، بالقول: “من يقول إنه يائس، غير مستعد، وغير قادر على الصمود أمام الضغوط، فليرفع راية سوداء، بل بالأحرى فليرفع راية بيضاء، راية الخنوع”.
وكانت الإذاعة العبرية الرسمية قد نقلت عن مصدر إسرائيلي كبير قوله إن نتنياهو يعرقل مبكّراً مداولات الصفقة قبل أن تنضج. في هذا السياق نقل موقع “واينت” العبري عن مصدر في طاقم المفاوضات الإسرائيلي قوله إنه “بحال كان وقف الحملة البرية في رفح شرطاً لمواصلة المفاوضات سيتعطّل كل شيء، لأنه من ناحية “حماس” فإنه قبل خروجنا من رفح لن تتجدد المفاوضات”.
في محاولة لتأليب الإسرائيليين على الجانب الفلسطيني، واستدراج تأييدهم للمزيد من الضربات، قال إننا “شاهدنا بألم، قبل أيام، شريط فيديو يزعزع البدن وهو يوثّق جنديات رائعات يتعرضن للأسر والضرب. هذا يفطر القلب، وسيبقين في قلوبنا، ولن ننساهن. أنا أرفض بشدة كل الكذب الزاعم وكأنني لا أمنح طاقم المفاوضات التخويل الكافي لإدارة المفاوضات. تلقيّت خمسة توجهات من قبل الطاقم المفاوض لتوسيع صلاحياته، وصادقت على طلباته”.
على خلفية كل ذلك، تغيّب ألون، ليلة أمس، عن اجتماع مجلس الحرب، ورسمياً قيل إنه لم يكن مبرراً موضوعياً للمشاركة، لأن مجلس الحرب كرّس وقتاً قليلاً لتخويل الطاقم المفاوض، لكن الدافع الحقيقي، على ما يبدو، هو عدم ثقته بنوايا نتنياهو في هذا الموضوع.
نتنياهو، الذي اعتبر مذبحة رفح “حادثة مؤسفة”، بدا منفعلاً، متبنّياً خطاباً متشدداً وجّه مجدداً إصبع الاتهام لـ “حماس”، وقال إن السنوار هو العقبة الوحيدة أمام الإفراج عن المخطوفين، داعياً للضغط عليه، لا على حكومة إسرائيل، ومضى في مزاعمه، التي باتت أغلبية الإسرائيليين لا تثق بها: “السنوار يجلس الآن داخل النفق فرحاً وهو يرى الآخرين يقومون بما يريده نيابة عنه، ولذا علينا توجيه الضغوط على “حماس”، وهذا ما نقوم به، فنحن نقاتل بقوة في وسط القطاع وشماله وجنوبه، وسنواصل الحرب حتى نرفع راية الانتصار”.
غير أن عدداً كبيراً من المراقبين في إسرائيل يشككون في ذلك، خاصة بعد ثمانية شهور من المحاولات للظفر بالنصر المفقود رغم التدمير والتهجير، فيقول المعلق السياسي ناحوم بارنياع إن كلّ من في رأسه عقل يعلم أن “العثرة في رفح حتمية”، معتبراً أن رفح ثقب أسود.
ويعلّل بارنياع ذلك بالقول، في تحليله المنشور في “يديعوت أحرونوت” اليوم، إن هذه المغامرة في رفح مخاطرها مؤكدة، والنتائج المرجوة مشكوك بأمرها. ويشدّد على أن القرار بالذهاب لرفح، في هذا التوقيت الإشكالي، مقابل كل العالم كان مغامرة يحظر القيام بها.
تحقيق للشرطة العسكرية يكشف عن استشهاد أسيرين من غزة قُتلا بالضرب على يد جنود إسرائيليين داخل سيارة في الطريق لمعتقل غوانتنامو الإسرائيلي
ويضيف: “قرار المحكمة في لاهاي أدخلَ إسرائيل لبئرٍ دبلوماسية، والحادثة في رفح تعمّق البئر أكثر فأكثر، ولا يوجد سلّم”.
ويخلص بارنياع للقول مجدداً: “إسرائيل من شأنها إنهاء مغامرتها في رفح دون خيارات عسكرية، دون مخطوفين، دون تسوية في شمال البلاد، ودون صفقة مع السعودية. وعندها ستبقى دولة منبوذة مكروهة في العالم. آمل بكل قلبي أن تكون العثرات في رفح هي الأخيرة. ومن هنا نتقدم نحو النصر المطلق. من الصعب التصديق أن تحدث عجيبة هنا”.
وينضم زميله المعلق السياسي بن درور يميني لجوقة الزاعمين أن العالم على خطأ، فيقول إنه في كل مرة يحدث مسٌّ بالمدنيين خطأ تكون الأصداء مئة ضعف الصدى لحدث مماثل يرتكبه الجيش الأمريكي أو البريطاني. ومع ذلك، يرى بأن المَخرج يكمن بوقف الحرب الآن: “كافتهم أخلاقيون وطهرانيون على حسابنا. لكن كان علينا أن نأخذ هذا التلوّن الغربي في الحسبان. من أجل منع قسم من الانتقادات كان بوسع إسرائيل أن تقترح وقفاً للنار، مرة تلو المرة”.
ويتفق معه محلل الشؤون العسكرية عاموس هارئيل بالقول، ضمن مقال تنشره صحيفة “هآرتس” اليوم، إن “القتل في رفح سيزيد الضغط على إسرائيل من أجل وقف النار، حتى بدون صفقة”. لافتاً إلى أن إخلاء مئات آلاف المدنيين من رفح لم يحل مشكلة القتال في منطقة مزدحمة”.
وتبدي مراسلة الشؤون الفلسطينية في “هآرتس”، الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس، المقيمة في رام الله، موقفاً أكثر وضوحاً، وتوجّه انتقادات مباشرة لإسرائيل بقولها إن مَن يتغذّى من الصحافة العبرية فقط يمكن أن يصدّق تساذج الجيش ومزاعم “الحادثة بالخطأ”.
وتشدد هاس على أن الصحافة العبرية تحجب، منذ ثمانية شهور، معطيات وصوراً قاسية من الحرب في غزة، وتطعن برواية الجيش حول مذبحة رفح، وترى بضرورة وقف الحرب فوراً.
ويضرب “نبي الغضب” الإسرائيلي الجنرال في الاحتياط يتسحاك بريك مجدداً، فيطلق تحذيراته، ضمن مقال في صحيفة “معاريف”، يؤكد فيه أن هذه حربٌ بلا جدوى، وإن نتنياهو يقود إسرائيل للهاوية بحال بقي هو وغالانت وهليفي في الحكم، مشدداً على أن نتنياهو فَقَدَ طريقه و”نزل عن السكة”.
في المقابل، تُواصل أوساطٌ من الإسرائيليين والمراقبين دعم موقف نتنياهو، وتدعو لمواصلة الحرب حتى الانتصار، كما يقول، اليوم، دان شيفطان، رئيس مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا.
في مقال نشرته صحيفة “معاريف”، يرى شيفطان، صاحب المواقف اليمينية المتشددة، أن “صفقة تبادل خيالية غير واقعية تبقي إسرائيل دون شيء”. ويعتقد أن “الصفقة الآن تضليلٌ للذات تفقدها أوراق مساومة لتحقيق أهداف قومية حيوية في المنطقة، ضمن نضال صبور وطويل احتمالات نجاحه كبيرة، وغير ذلك يعني أننا سنكون في كابوس”.
وهذا يعكس موقف نصف الإسرائيليين ممن يؤيّدون مواصلة الحرب طمعاً بالنصر المفقود، كما تدلّل استطلاعات الرأي.
وبين هذا وذاك، لا يلوح في الأفق أن وجهة حكومة نتنياهو نحو تغيير في الموقف، فهي غير معنية بصفقة، لأنها ما زالت طامعة بإطالة أمد الحرب البربرية على غزة لحسابات متنوّعة.