مع بداية كل عام جديد يخطط الكثير من الأدباء بمختلف ما ينتجون من أجناسٍ أدبيةٍ ونقديةٍ، سواء في العالم وحتى في الوطن العربي، إلى استكمال أو إصدار كتاب له أو أكثر من كتابٍ، حسب نوعية إنتاجه. فتكون نهاية عام وبداية عام جديد، ربما تدخل ضمن أجندات الأدباء والنقاد المنتجين. لذا يبدو السؤال مهما.. هل يحتاج الأديب إلى تخطيط؟ وهل يعد هذا التخطيط منهجا ومفيدا للأديب؟ وهل يمكن أن يكون التخطيط واحدا من عوامل النجاح في عملية التسويق الأدبي؟ أم أن الأديب لا يحتاج ولا يخضع لتخطيطات مسبقة بسبب الظروف التي تمر بها البلدان العربية؟
وضوح الرؤية
يقول الناقد العراقي أمجد نجم الزيدي.. يمكن للأديب أن يخطط في منتصف العام، أو في جزء آخر منه، وإن كنت أرى أن هناك من الأدباء من يفعل ذلك، رغم قلتهم طبعا، ولكن أغلب كتابنا هم ممن يجعل انتهاء العام وبداية العام الجديد نقطة فاصلة في مشروعه الإبداعي، واعتقد أن لهذا الأمر حسناته، لأنه يحفز مبدعينا على رسم رؤيةٍ مستقبليةٍ، وخطة لما سيفعلونه مستقبلا، ومراجعة ما أنجزوه خلال العام الفائت، وهل كان ذلك المنجز بمستوى طموحهم، وعدم ترك مشروعهم الإبداعي إلى خطوات عشوائية، ربما تهدر الزمن من دون إنجاز أي شيء يذكر، فوضع خطة منظمة ستساعد الأديب والكاتب المبدع بصورة عامة على معرفة أين يضع خطواته، وهل ستكون في إنجاز مشروع جديد، أم استكمال لمشاريع مؤجلة، أو غير مكتملة، لذلك ستكون عنده رؤية واضحة للطريق الذي سيسلكه، وربما إلمام بكل احتياجاته، التي عليه أن يوفرها لينجح مشروعه الكتابي، رغم كل المعوقات والمعرقلات التي ستجابهه خاصة في عالمنا العربي، في ظل الوضع الحالي وازدياد الضغوطات على الكاتب المبدع، خاصة غير المتفرغ تماما للكتابة والإبداع، ولكن مع هذا فالخطة التي يرسمها في بداية السنة الجديدة ستعطيه حافزا على مواصلة الإبداع والكتابة، والتواصل بالحضور في الساحة الأدبية، وهذا الأسلوب في التخطيط يكون مفيدا للكتاب غزيري الإنتاج، الذين يصرون على الالتزام بخطة ثابته، وروتين معين في الكتابة، لذلك اتفق مع الكاتب الذي يلتزم بمشروع واحد ينجزه خلال العام، حيث سيضع جميع إمكانياته ويوجهها لاستكمال ذلك المشروع، بالإضافة إلى أن الخطة التي سيرسمها، وسيخطط لها ستوفر له الكثير من الوقت الذي سيستثمره بصورة مفيدة، رغم المعوقات والظروف السياسية العامة التي تجابهها بلداننا.
ظاهرة التسابق على الطباعة قبل نهاية العام من أجل البحث عن زيادة عدد الإصدارات، قد تضع الكاتب في مأزق عدم جودة طرح ما يقدمه، فضلا عن أن السرعة تؤدي إلى أخطاء في التنسيق واللغة والطباعة وهو ما تعانيه أغلب دور النشر العربية
سلاح ذو حدين
الروائي المصري محمد بركة يقول، إن هناك قولا مأثورا يتردد على سبيل الجد حينا والسخرية أحيانا «أنا من ضيع في الأوهام عمره» وأنا لم أضيع عمري فما زلت في الأربعين، لكنني بالتأكيد ضيعت سنوات عديدة بسبب عدم التخطيط للمشروع الأدبي! أن تتخذ من بداية عام جديد إطارا زمنيا أو توقيتا مرجعيا للعمل الجديد، هو فكرة جيدة ولا بأس بها على الإطلاق. شخصيا، أتخذ من معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي ينطلق في النصف الثاني من يناير/كانون الثاني من كل عام ــ بالتزامن مع إجازة منتصف العام الدراسي ــ مثل هذا الإطار الزمني. هذا مفيد جدا في وضع جداول زمنية للانتهاء من النص والدفع به للناشر. صدور العمل بالتزامن مع بداية عام جديد ودورة جديدة في معرض عريق، أمر يطرب له الناشرون، ويلقى هوى لدى وسائل الإعلام، ويزيد من جرعة الحرارة في نبرة من يقومون بتهنئتك على مواقع السوشيال ميديا! المشكل أن يتحول الأمر من مجرد نجمة في السماء تهتدي بــــها مثل المــلاح، إلى هدف في حد ذاته. هنا تقع في المحظور، فالرغبة الملحة لدى البعض في اللحاق بـ«موسم» أدبي معين ليكونوا جزءا من «الزفة الإعلامية» تجعلهم يتورطون في أعمال لم تنضج بعد، ونصوص لم تأخذ حقها من المراجعة والتنقيح. نصبح أمام إبداع نيئ يلفظه وجداننا كما تلفظ المعدة طعاما فاسدا، إذن الأمر برمته سلاح ذو حدين، وعلينا نحن الأدباء تحديد موقفنا!
أهمية التخطيط
الشاعر العراقي حبيب السامر يؤكد أن التخطيط عامل مهم في نجاح تسويق منجز الكاتب، قائلا.. في حقيقة الأمر يختلف التخطيط بين كاتب وآخر، هناك من يبرمج حياته في القراءة والكتابة على نحو إيجابي وملتزم، ويضع اللمسات المهمة في حياته الأدبية، وإعطاء الأولوية لمشروعه الثقافي المنتج، كي ينجزه في التوقيتات المتاحة، فتجده في تسابق مع الزمن، وعلى خلاف ذلك تجد كاتبا آخر لا يهتم للوقت أو التنسيق في خطواته الإنجازية، فتجده يتعامل بعفوية، وهو رهن أقدار الوقت، غير آبه بتوقيتات في حياته. هنا نتحدث عن تسويق الكتاب، وليس عن وقت الكتابة، لأن الكتابة غير مرهونة بزمن، أما التخطيط والعمل على تعبئة الوقت وترسيخ الأحلام فهي بيد الكاتب، هو من يستطيع التنسيق مع ذاته في إنجاز المشروع الإبداعي في زمنه المناسب.
مأزق وأخطاء
القاص والصحافي المصري حسام أبو العلا يرى، أن ظاهرة التسابق على الطباعة قبل نهاية العام من أجل البحث عن زيادة عدد الإصدارات، قد تضع الكاتب في مأزق عدم جودة طرح ما يقدمه، فضلا عن أن السرعة تؤدي إلى أخطاء في التنسيق واللغة والطباعة وهو ما تعانيه أغلب دور النشر العربية، إما لتواضع إمكانات العاملين فيها أو لبحثها عن الربح المالي، من دون الاهتمام بقيمة ما يطبع. خطأ فادح يقع فيه الكاتب الذي يسارع الزمن لإصدار كتاب أو أكثر في مجاله الأدبي من أجل المشاركة في المعارض فقط، بهدف تحقيق مزيد من الانتشار وإن كانت الشهرة حقا مشروعا لكل كاتب، لكنها يجب أن لا تكون على حساب الإبداع، بتقديم موضوعات عديمة النفع، والأخطر خضوع بعض الكتاب للمنطق التجاري، بمعنى أنه يكتب وفقا لطلب دار نشر تريد ترويج نوعية معينة من الكتب، خصوصا التي تلقى رواجا في المبيعات والمتعلقة في المرحلة الراهنة عن حكايات الجن والعفاريت والدجل والشعوذة والخيال اللامنطقي، أو كتب للأطفال تغسل أدمغتهم وتدفعهم نحو سلوكيات ضد طبيعة المجتمعات العربية. على الكاتب أن يقدم إبداعه من دون إملاءات ولا هدف، الكتابة هي فن الإمتاع مع تقديم رسالة اجتماعية وأخلاقية، من دون تبني دور الواعظ أو المرشد.
أهداف مرسومة
أستاذة النقد الحديث العراقية سلوى جرجيس النجار تعتقد أن مسألة وضع الخطة وتنفيذها خلال عام، سواء لإنجاز نصوص أدبية أو نقدية، وحتى لأي منجز علمي مسألة في غاية الأهمية، لأن السير في هذا الحياة من دون خطة وأهداف مرسومة سيكون سيرا متخبطا، بل قد يبقى الإنسان يراوح مكانه، لذا لابد من وضع خطةٍ محددةٍ والعزم على تحقيق، وإنجاز أهداف الخطة، إلا أن الكاتب أو الباحث قد لا يحقق ما هو محدد إنجازه، لأنه قد يعترضه بعض الظروف الاستثنائية العامة، كما يحدث في بعض البلدان العربية من أحداث مهمة تتعلق بمصير الشعوب، فيضطر إلى أن يؤجل بعض خططه من أجل معايشته ومعاصرته للأحداث الموجودة على الساحة، لاسيما حين يشعر الأديب بحس الانتماء للوطن، فينفعل ويثور لانفعال وثورة شعبه، محاولا من خلال ذلك دعم القضية المثارة على أرض الواقع والتعبير عنها، ليكون ذلك التعبير والأسلوب، شاهدا حيا على تلك الأحداث، إلا أن بعض الكتاب قد يضعون ضمن خططهم السنوية أهدافا محتملة تخص الأوضاع التي قد تطرأ على مجتمعه، والتي من المحتمل أن تواجهه في فترة من ذلك العام، فحين ذاك يتمكن الكاتب من تحقيق إنجاز خطته بأكملها .وتحقيق الخطة لا يتعلق بالأهداف الأساسية والمتوقعة ولا بالظروف الطارئة الراهنة خلال العام فحسب، بل بشخصية الكاتب ومدى تفانيه لوضع بصمته من خلال إنجازاته، فضلا عن رغبته في أن يكون مشاركا فاعلا في الأحداث، من خلال ما يمكن أن تعكسه نصوصه من أحداث مهمة من تاريخ شعبه وتطلعاته نحو مستقبل أفضل.
التخطيط لعمل إبداعي أمر يعد في منتهى الأهمية، خاصة للمحترفين، الذين يخوضون في فن الرواية، فهذا الفن يحتاج إلى تخطيط مسبق، لأنه يحكي حياة كاملة
صناعة الناشر
الكاتبة والناقدة التونسية أسمهان الفالح تعتقد أن من المفيد للكاتب من الناحية التسويقية الالتزام بأجندات معينة، لاستكمال مُؤَلفٍ أو أكثر وإصداره مع موفى السنة الإدارية، لما لذلك من مزايا، ليس أقلها الدفاع عن استمراريته في السوق وتواجده في قلب الحدث إذا ما تعلق الأمر بالمعارض الدولية للكتاب، أو تظاهرات ثقافية نوعية أو مسابقات أدبية ترصد جوائز قيمة للمتنافسين، لكن الإشكال الجوهري الذي يحدد فعليا مسألة النجاح في عملية التسويق الأدبي من عدمها، يتلخص في ما تواجهه صناعة النشر في الوطن العربي، من أزمة خانقة، أبطالها المؤلف والناشر والموزع، ولا يخفى ما لهذه الأزمة القديمة الجديدة من تداعيات، ناهيك من أن نسبة إنتاج دور النشر العربية مجتمعة من الكتب لا يرقى إلى ما تنتجه أصغر دولة أوروبية. فنحن مجتمعات يرتفع فيها منسوب الأمية، وتشهد عزوفا غير مسبوق عن القراءة. فضلا عن تقييد الحريات والرقابة الفكرية، وعدم تجانس الوسط الثقافي في الأقطار العربية. وينبغي أن لا نغفل غياب الإرادة السياسية لدى الدول في جعل الثقافة ضمن سلم أولوياتها. معوقات اجتماعية، سياسية فاقتصادية، تحول دون انتشار الكتاب في الوطن العربي. إن مجرد التخطيط لتسويق كتاب في فترة زمنية مدروسة، لا يساعد البتة على انتشاره وتحقيقه المبيعات المرجوة في ظرف وجيز، لارتباط الكاتب بمنظومة كاملة لا يعدو أن يكون جزءا منها، يؤثر فيها ويتأثر بها.
الرواية والتخطيط
الشاعرة السورية نجاح إبراهيم تعتقد هي الأخرى أن التخطيط لعمل إبداعي أمر يعد في منتهى الأهمية، خاصة للمحترفين، الذين يخوضون في فن الرواية، فهذا الفن يحتاج إلى تخطيط مسبق، لأنه يحكي حياة كاملة، فعلى الكاتب أن يكون ملما بموضوعه، والهدف منه واضعا نصب عينيه الأفكار، الأحداث، الشخصيات، الزمان والمكان. بالنسبة لي فأنا أخطط حين أكتب النص الروائي، وكذلك في كتب الدراسات والنقد، أما حين أكتب القصيدة فلا جدوى من التخطيط، لأن القصيدة تأتي كبارقة ثم تهطل ضوءا.
مسألة تسويق
الأديبة والباحثة البيبلوغرافية المغربية فاطمة بوهراكة، ترى أن عملية الإبداع لا تعتمد على تخطيط عقلاني معين، لكن طريقة التسويق له تحتاج لذلك بكل تأكيد، ففي كل عام يفكر الباحث أو المبدع في موعد لإخراج أعماله للناس، حتى تكون بين أيديهم عن طريق دور النشر التي تلعب دورا مهما في إظهار أو تهميش أي مشروع ثقافي على أرض الواقع. وتبقى هذه التخطيطات رغم أهميتها غير واضحة الملامح في خلق رؤية واضحة لمسار المبدع، خاصة أنها قد تتأثر ببعض المستجدات التي لا تساعد على إخراج الكتاب في موعده، فيتأخر بعض الشيء أو لا يظهر في عامه المخطط له، لكنه إن وجد المناخ المساعد على ظهوره ونجاحه، فإنه يتوهج في سوق الكتب العربية، ما ينعكس إيجابا على مؤلفه. فإن توفرنا على مناخ مساعد ومدعم لإنتاج العمل الإبداعي فلا شك أن استراتيجية التخطيط لمستقبل الكتاب تبقى الأهم ويضرب لها الحسبان في نجاح أو فشل العمل على عدة أصعدة، خاصة الجانب الإعلامي الذي يساهم بدوره في تسليط الضوء على العمل المقدم أو تهميشه.
٭ كاتب عراقي