باريس- “القدس العربي”:
تزامناً مع عودة التلاميذ في فرنسا إلى مقاعد الدراسة، وفي الوقت الذي جعلت فيه الحكومة الفرنسية من مسألة حظر العباءة على رأس أولويتها بالنسبة للعام الدراسي الجديد؛ وجّهت مجموعة كبيرة من الكتّاب والمثقفين والفنانين والناشرين، بمن فيهم الفيلسوف والمفكر الاجتماعي إدغار موران، و الكاتب الطاهر بن جلون، والفيلسوفة إليزابيث بادينتر، والكاتبة والممثلة إيزابيل كاريه، والممثل الكوميدي جمال دبوز، دعوة إلى وزير التربية والتعليم الفرنسي، في عريضة نشروها بصحيفة “لوموند”، تطلب منه البدء بإصلاح عميق للمدرسة، إذ يرون، على وجه الخصوص، أن من الضروري تقليل عدد الطلاب في الفصل الواحد.
جاء في العريضة: “السيد وزير التربية الوطنية، نحن نأتي من خلفيات متنوعة، كتّاباً وفلاسفة وأطباء نفسيين وأساتذة ومغنّين ومغنّي راب وممثلين وصحفيين […] نكتب إليك في بداية العام الدراسي، لنشارك الحقيقة المقلقة بأن نسبة كبيرة من أطفالنا لم تعد تقرأ، وتجد صعوبة في الكتابة، وصعوبة كبيرة في التعبير عن أفكارهم. والحديث هنا عن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 10 سنوات، والمراهقين، وجيل الشاشة بالكامل، وقريبًا الذكاء الاصطناعي.
البيان: تعلُّم الكتابة هو تعلُّم التفكير، وترسيخ أفكارك والقدرة على التواصل مع نفسك ومع الآخرين من خلال الكلمات. ماذا سيحدث غدًا إذا تم تقويض هذه المفاهيم؟
وأوضح الموقعون على العريضة أنّهم يتحدثون عن الاقتران غير المسبوق بين ثلاث ظواهر رئيسية، يبدو أنه لم يتم بعد توقّع آثارها المتفجرة في السنوات القادمة: تدهور المستوى الأكاديمي في الكتابة والقراءة؛ والسيطرة المطلقة للشاشات على أدمغة الشباب، والتي ظل العلماء والمتخصصون في مجال الطفولة والمعلمون يدقون ناقوس الخطر منذ سنوات بشأنها؛ والتوسّع النيزكي للذكاء الاصطناعي الذي يهدد بالتفكير غداً بالنيابة عنا. وبالتالي، يشدد كتاب العريضة المطلبية هذه على أنهم لم يعودوا يريدون التعرّض لنفس الإنكار الذي تعرّضت له أزمة المناخ.
وتابع الموقعون على العريضة التوضيح أنهم لا يتحدثون هنا عن الإملاء، الذي يعدّ مستواه الكارثي ليس سوى غيض من فيض.. فالتعبير المكتوب لا يحظى بالتقدير الكافي في التعليم الابتدائي، وهو المكان الذي يتم فيه غرس الأساسيات، وحيث تزدهر الرغبة. وهذا على الرغم من الإرادة الهائلة للمعلمين، الذين يمارسون، جنبًا إلى جنب مع مقدمي الرعاية، المهنة الأكثر أهمية في الوقت الحالي، لأنهم يمسون عصبنا الحيوي: شبابنا. يقول الموقعون على العريضة.
واعتبر الموقعون على العريضة أن المعلمين، الذين يجدون أنفسهم فريسة للبرامج المثقلة، لا يستطيعون أن يفعلوا، مع فصول مكوّنة من خمسة وعشرين، أو أكثر، في المرحلة الابتدائية (ثلاثين أو أكثر في المرحلة الثانوية) ما يمكن إنجازه في مجموعات صغيرة، حيث إن المستويات غير متجانسة للغاية، و يتعيّن عليهم، في كثير من الأحيان، إدارة أكثر من التعليم فقط، بما في ذلك اضطرابات الانتباه التي ما يزال يتم تشخيصها. لذلك، فإن الإملاء، وهو تمرين تقييمي، غالبًا ما يكون البوابة الرئيسية -أو حتى الوحيدة- للكتابة في المدرسة الابتدائية.
ومعرفة كيفية الكتابة لا تقتصر على تجميع الجمل فحسب، بل تتعلق بإضفاء معنى على ما تكتبه. هذا المعنى الذي نسعى إليه جميعًا، والذي يحتاج إليه أطفال اليوم كثيرًا، الذين يخضعون لأوامر متعددة ومتناقضة، في عالم متقلب وافتراضي وغير مقروء بالنسبة لهم، يوضح كتاب العريضة، مضيفين أن تعلُّم الكتابة هو تعلُّم التفكير، وترسيخ أفكارك والقدرة على التواصل مع نفسك ومع الآخرين من خلال الكلمات. ماذا سيحدث غدًا إذا تم تقويض هذه المفاهيم الأساسية لأساس كل إنسان، كل مجتمع، كل حضارة؟.. نحن جميعًا نعرف ذلك، وهذا أيضًا ما يجعلنا قلقين جدًا: العنف والانقسامات الاجتماعية يتغذّون من غياب الكلمات والفكر. والظواهر المتطرفة، التي تشكل تهديداً كبيراً، اليوم، تتغذى على العنف.
وتابع الموقعون على العريضة القول:
“واجبنا هو أن نترك لأطفالنا، بالإضافة إلى عالم صالح للعيش، الأساس والتفكير الضروريين، بدلاً من تركهم يضيعون خلف الشاشات التي يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بوعي. المدرسة، مثل المستشفى، تنهار”.
العنف والانقسامات الاجتماعية والظواهر المتطرفة تتغذى من غياب الكلمات والفكر.
وشدّدت العريضة على ضرورة الإعادة إلى الكتابة، منذ المرحلة الابتدائية، رسائل نُبْلها.. لا بدّ من وقت إلزامي مدته ثلاثون دقيقة يوميًا للكتابة الإبداعية، أو التعبير الحرّ، من الصف الثالث فصاعدًا (كتابة رسالة، قصة خيال علمي، كتاب، خطاب، صحيفة، مسرحية، مسلسل تلفزيوني، خطوط، إذاعة.. وما إلى ذلك)، ووضع الأطفال في مشاريع ذات معنى وممتعة بالنسبة لهم.
توفير الوقت للطلاب والمعلمين. ثم تشجيع المجموعات الصغيرة على تعلّم الكتابة.. جلب المزيد من المتحدثين إلى المدارس (الفلاسفة، والعلماء، والصحفيين، والفنانين، وما إلى ذلك..)، لدعم المعلمين وتطوير التفكير النقدي معهم، وهو أمر ضروري للغاية اليوم. توسيع نطاق التعليم الإعلامي. دعم المبادرات خارج المدرسة والجمعيات. عقد خطاب سياسي حقيقي حول إساءة استخدام الشاشات.
ولنكن واقعيين: كل هذا يجب أن يأتي على أساس زيادة الموارد المخصصة للتعليم الوطني كأولوية. المزيد من المعلمين، عدد أقل من الطلاب في الفصل الواحد. وهذا مشروع جماعي ضروري وعاجل للغاية، يقول الموقعون على العريضة، موضحين أنهم يريدون ثقافة حقيقية للقراءة والكتابة، مصحوبة بالاستخدام الذكي للتكنولوجيات الجديدة، من أجل مساعدة أطفال الجمهورية الفرنسية على اكتساب تفكير مستقل وإنساني ومتعاطف ومنظم وحر. لأنهم سيكونون غداً قادة البلاد السياسيين والاقتصاديين، وصناع القرار لديها، وأبطالها.. يجب صنع روح المقاومة من خلال الكلمات، التي تعمل على بناء قيم مشتركة تسمى التسامح والفضول والاختلاف، والتي من دونها يصبح الفكر فارغًا غدًا، يشدد الموقعون على العريضة المطلبية هذه بصحيفة “لوموند”.