دمشق ـ “القدس العربي” ـ من انور بدر: عشرات المهرجانات التي اطلقت في فضاء سورية تخبو الآن، لعجز في التمويل الذي كان مركزياً في السابق، اذ غدا الآن محلياً في كل محافظة، وسيطرة العقلية البيروقراطية لموظفين غير معنيين بالهم الثقافي او الفني. الاستثناء الوحيد هذا العام كان في مهرجان بصري التاسع عشر، والذي نال حظوة من الرعاية المركزية تمثلت بحضور رئيس مجلس الوزراء ناجي العطري وباقة من وزرائه في حفل الافتتاح، حيث وعد الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة ان يكون هذا المهرجان درة مهرجانات سورية، وان يستضيف في الدورة القادمة اكثر من ثلاثين فرقة عربية واجنبية. اقتصرت المشاركة في هذه الدورة علي تسع دول اجنبية مثلت كلاً من البوسنة، اسكتلندا، ايطاليا، النمسا، بلغاريا، هنغاريا، بلجيكا، البرتغال، وروسيا، قدمت كل منها لوحات راقصة من الفلكلور الشعبي لكل بلد من البلدان التي تمثلها. وكان الطابع الفولكلوري لهذه الفرق يمتد من الرقص الي الايقاع، ومن الغناء الي الازياء، وهي السمة الرئيسية التي انفرد بها مهرجان بصري عما عداه من مهرجانات سورية اخري.
اما المشاركات العربية فقد وصلت اربع فرق هي: فرقة الفهد العبد الله من لبنان التي تاسست عام 1978، واتجهت لاكتشاف جماليات الرقص الشعبي والدبكة اللبنانية ومحاولة تقديمها في اطار فني معاصر، فيما فرقة نشامي ابناء معان من الاردن التي تاسست عام 2004، ذهبت الي التراث البدوي في الرقص والغناء مستعيدة الدبكات التسعوية والجوفية والشرقية مع آلات الموسيقي القديمة في الاردن كالشبابة والمجوز والقربة والدف وصولاً الي الطبل. اما فرقة سوهاج التي تاسست في مصر عام 1975، فقد قدمت لوحات من التراث الفني والحياتي في صعيد مصر، عبر مشاهد غنائية راقصة اصيلة في انتمائها. بينما الفرقة القومية للفنون الشعبية الاماراتية اشتغلت علي تراث الخليج العربي في الصيد والحرب وفي الزواج والغزل، وقدمت لوحات جميلة من فنون الليوا والهبان وام ديمة وكلها تعتمد علي الشعر النبطي القوي مع ايقاعات حماسية للدف او الصاجات النحاسية التي تتداخل مع اللعب بالعصي والسيوف او البنادق. شارك البلد المُضيف بفرقة ابو خليل القباني، فرقة كناثا للفنون الشعبية من السويداء، فرقة الرها للفنون الشعبية من الحسكة التي تشتغل علي التراث السرياني في المنطـــــة، فرقة اسماعيل العجيلي من الرقة، فرقة سهل حوران من درعا، فرقة ارادوس للفنون الشعبية من طرطوس، فرقة شباب سورية للشبيبة، وفرقة سمة للرقص الحديث التابعة للمعهد العالي للفنون المسرحية. ويلاحظ ان هذه المشاركات غطت المساحة الجغرافية والتنوع الفلكلوري لسورية بكل تلوناتها الاجتماعية والثقافية والفنية. كما حرصت اللجنة المنظمة علي تقديم فقرة طربية كل يوم، اقتصرت المشاركة العربية فيها علي عبير نعمة من لبنان، وباستثناء حمام خيري تكاد تخلو المشاركات الطربية من نجوم الصف الاول حتي في سورية، لكن هذا لم يؤثر علي سوية التفاعل والحضور ما بين الجمهور ومطربين من الصف الثاني او الثالث او خارج التصنيفات. اللافت للانتباه في هذه الدورة تمثل في الفعاليات والنشاطات الموازية للمهرجان والتي نظمتها المحافظة بالتعاون مع الفعاليات الاهلية وبالتنسيق مع مديرية المسارح، وقد اقيمت هذه الفعاليات في الساحة الخارجية للقلعة، حيث بُني البيت الحوراني الريفي من الطراز الطيني القديم، مشتملاً علي المضافة، غرفة العروس، غرفة المونة، الخشة او المطبخ، الصيرة او الحظيرة، الطوطي او المصطبة المخصصة للجلوس امام البيت، والفرن المعد لشوي الخبز. مع كامل الادوات التي استعملها سكان المنطقة قديما، وحتي الحيوانات التي كان يربيها السكان لاستخداماتهم وغذائهم. حظيت الطفولة والاطفال بمساحة من اهتمام منظمي المهرجان القائمين عليه، حيث شيدت في زاوية اخري من الساحة الخارجية للقلعة مدينة للاطفال ضمت عروض السيرك لفرقة النجوم، والعاب اكرويات ومهرجين، والعاب سحر وخفة، والعاب كهربائية للاطفال، بالاضافة لوجود حيوانات مروضة، ورسوم علي وجوه الاطفال. كما بُنيت منصة مسرحية قدمت ثلاثة عروض للاطفال هي مسرحية جحا والملك زعفران تاليف واخراج وليد عمر، ومسرحية السمكة الذهبية اخراج رفعت الهادي، وعرض خيال الظل مع الدمي باسم مملكة النحل تاليف والحان بشار برازي واخراج ذكي كورديلو. من الفعاليات الموازية كانت معارض الفن التشكيلي / رسم، نحت، ايقونة، دمي/ معرض تراثي، عروض مولوية من حلب، اطلاق الطائرات الورقية، عروض رقص شعبية، وفرق غناء وموسيقي محلية. والعاب نارية وبهلوانية. اهم ملاحظة ان هذه الدورة استطاعت استقطاب جمهور ملأ المدرجات التي تتسع لخمسة عشر الف متفرج، وفي احيان كثيرة زاد العدد بضعة آلاف، لكن الملاحظ ايضاً ان هذا الجمهور محلي، من محافظتي درعا والسويداء، وقليل حضر من دمشق. لكننا لم نلحظ اثراً للسياحة الداخلية او الاجنبية في هذا المهرجان. وهذا يعيدنا لاهمية الاعلان والاعلام عن المهرجان والنشاطات الثقافية والسياحية الموازية، واهمية ان تنظم وزارة السياحة عبر مكاتبها في الخارج زيارات لوفود سياحية بالتزامن مع هذه المهرجانات. الملاحظة الثانية ان الالعاب النارية في حفل الافتتاح كانت من القوة والعنف بحيث تركت حالة ذعر بين الجمهور، وكسرت حالة التلقي، خاصة وانها تزامنت مع عرض اطفال لفرقة عوني موعد ودفعت بالجمهور للانسحاب اثناء وصلة حمام خيري الرائعة. لكن الاخطر من ذلك ان صدي هذه الالعاب النارية وقوة الانفجارات الصوتية قد تشكل خطراً علي البنية الاثرية لقلعة بصري ومسرحها العريق ومحيطها من الآثار. الملاحظة الثالثة تتمثل في دور المحافظة وبلدية بصري في الحفاظ علي النظافة العامة، وتنظيم منطقة القلعة والساحات المجاورة بحيث لا تكون مسرحاً للمتسولين ومن هم اسوا من ذلك. وكان يفضل لو اقيم سيرك الاطفال والالعاب الكهربائية في منطقة ابعد عن ساحات المهرجان بسبب الضجيج الذي احدثته طيلة ايام المهرجان. كذلك كنا نامل ان تتم الدعوة لكل فناني المنطقة الجنوبية للمشاركة بالمعارض التشكيلية، لا ان تقتصر المشاركة علي اسم او اسمين محددين، كذلك الامر في معرض الكتاب الذي اقتصر علي اربع دور نشر فقط. واذا كان السيد الوزير وعدنا في الدورة القادمة ان ترتفع حدود المشاركات العربية والاجنبية الي (30) فرقة، فاننا نامل من اللجنة المنظمة ان تحافظ علي طابع المهرجان الذي يهتم ويُعني بفرق التراث الشعبي لكل منطقة، اذ جاءت مشاركة فرقة سمة للرقص الحديث وكانها تغريد خارج السرب، خاصة وانها وضعت في حفل الافتتاح، كما نامل من اللجنة ان تحافظ علي الفقرات الطربية ضمن البرنامج اليومي للاحتفال شريطة ان ترتقي بسوية هذه المشاركات، خاصة وان مهرجان بصري سبق له واستضاف كبار نجوم الغناء العربي، من فيروز وماجدة الرومي الي صباح فخري وجوليا بطرس ومارسيل خليفة وسواهم ممن نامل اللقاء بهم او بمن يوازيهم في الدورات القادمة. 2