حامد شاكر أول ما تحتاج إليه ليبيا هو الوطنية.. والوطنية تعني أن تكون في أعلى هرم أولوياتنا مصلحة الوطن.. بمعنى أن يفيق الفرقاء مما هم فيه، وأن يتحرروا من تأثير أسباب الفرقة، وأن ينتهجوا نهجا محايدا في التفكير بحيث يتوخى كلٌّ منهم العذر لأخيه.. وأن يكون الهدف تحقيق استقرار البلد.. والأمر يحتاج إلى توجيه.. توجيه من المثقفين، ومن رجال الدين، ومن وجهاء المناطق.. فما نراه اليوم، وما نتوقعه جراء ما نراه لا يصب البتة في مصلحة أحد، فالبلد قد انحشر في نفق الفوضى، والفرصة اليوم سانحةٌ لأصحاب الأطماع التاريخية في أن يظفروا بما كان مجرد حلمٍ لديهم، والغرب الذي تدخل بقوة لإسقاط النظام بات يترقب ويوازن بين الخيارات المطروحة ليختار الأقرب والأنسب منها لمصالحه.. وخيار الديمقراطية الذي قامت من أجله الحرب بات غير موجود اليوم ولم يعد أحدٌ يتحدث عنه.. الحديث اليوم هو عن كيف ستكون ليبيا، وليس كيف ستدار ليبيا.. وعموما فإن كل السيناريوهات، وجُل الاحتمالات التي تتراءى في الأفق ليست في مصلحة الليبيين، وليست سوى مصير مرعب ينتظر الجميع، فضلا عن الواقع المؤلم الذي نعيشه.. ما ينبغي علينا عمله أن نجرّد أنفسنا مما علق بها.. وأن نعطي لعقولنا الفرصة للتحرر من كل معرفةٍ سابقةٍ عمّا كان عليه الوضع قبل الأحداث، وعن أسباب الحرب التي نشبت بين أبناء البلد الواحد، بل وعما جرى في الحرب.. وأن يضع كلٌ منا نفسه مكان الآخر لدقائق، ثم بعد ذلك نتكاتف لإعادة الأمور إلى نصابها، أو على الأقل نجنب بلدنا الانقسام وندع الوقت ينسينا ما وقع بيننا، وعموماً المشكلة اليوم ليست بين مؤيدين للنظام السابق ومعارضين، المشكلة اليوم هي بين الثوار أنفسهم، وقد تحولوا إلى قوى جديدة حلّت محل الدولة؛ لكنها قوى غير مترابطة، ولا يوجد بينها أدنى قدر من تنسيق. إن ما يحدث اليوم في سبها، وما حدث في الكفرة، وما هو متوقع الحدوث في مناطق أخرى في شمال البلاد، يُعد نتيجةً طبيعيةً لغياب الدولة وانتشار السلاح، وقد بات الجميع على يقينٍ أن المجلس الانتقالي غير قادرٍ على إدارة البلد بعد انهيار النظام، وغير مؤهلٍ لشغل الفراغ الذي سببه تفكك الأجهزة السيادية التابعة للدولة السابقة، وأقصد بالأجهزة السيادية تلك المسؤولة عن أمن البلاد خارجياً وداخلياً، وصاحب هذا وجود شعورٍ لدى الثوار – وهم من مختلف مناطق ليبيا ولديهم انتماءاتهم- بأنّهم البديل الشرعي عن هذه الأجهزة، فإذا عرفنا أن مثل تلك الأجهزة هي الممثل لسيادة الدولة في أي بلد في العالم، وأن السيادة كلٌ لا يتجزأ، فإن التوصيف الصحيح لحال الليبيين اليوم هو أنهم يعيشون في بلدٍ بلا دولة – فمؤسسات الدولة لم يبق منها سوى مؤسساتها الخدمية- وأنهم جميعاً في مهب الريح، وأن مفهوم المواطنة الذي يعني الانتماء القانوني لدولة ذات سيادة، لم يعد له وجود، وقد حلَّ محلَّه الانتماء إلى مدينةٍ أو قبيلةٍ أو جهة، وما توفره المواطنة من حقوقٍ للمواطن حلّ محلّه ما توفره العصبية لهذا المواطن الذي بات مجرد فرد لا يحظى بالحماية إلا بالقدر المتوفر من القوة لدى المنطقة أو القبيلة التي ينتمي إليها، وقد ترتب على ذلك وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان لن تخضع للمحاسبة والعقاب لأنها تمت في ظل غياب الدولة ومؤسساتها السيادية، ولا سبيل أمام المتضرر سوى الانتقام الشخصي.
إن استمرار المجلس الانتقالي في أداء ما يمكن أداءه من مهام لهو أمرٌ ضروريٌ برغم ضعف هذا المجلس وقلّة حيلته وهوانه على الناس.. فشئٌ أفضل من لا شئ، لكن هذا الوضع المتمثل في انعدام الدولة وسيطرة الميليشيات وفقدان السيادة على الإقليم الليبي حتى بات مستباحا جواً وبحراً وبراً، هذا الوضع أو بالأحرى هذا المأزق الذي وقع فيه الليبيون لا يستطيع أحدٌ أن يتنبأ بخاتمته، فنحن بالفعل كمن دخل نفقا مظلماً لا يعلم متى وأين نهايته.. والعبء يقع وبشكل مباشر على عاتق رئيس وأعضاء المجلس الانتقالي، وهم يعلمون أن الاستقالة أو تفكيك المجلس لن تحل المشكلة، وأن الحل في أن تأتي أجسام الدولة الرسمية لتحلّ محلهم، أي أن الحل هو بالتعجيل بعملية الانتخابات، لإعادة بناء الدولة من جديد وفقا للأسس التي يرى الليبيون أنهم حرموا منها لعقود.. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ولن يكون بالسهولة التي يتصورها البعض.. إن موضوع الانتخابات يخضع حتى في أكثر الدول ديمقراطية لأمور هي أبعد ما تكون عن مفهوم الحرية التي ينشدها الناس، لأن الحرية تعني الاختيار دون موجهٍ خارجي، ولا شك في أن حجم الدعايات التي تصاحب البرامج الانتخابية في أكثر المجتمعات مدنيةً ما هي إلا مؤثرات خارجية تستهدف إرادة الناخبين، ولن أتعمق كثيرا في هذه النقطة لأنها قد توحي بأني من أنصار نظرية القذافي، فأنا على العكس أرى أن نظرية القذافي غيرت المسميات فقط، وجاءت ببدائل لم تغير من طبيعة الأمر شيئا، بل أنتجت لنا نموذجاً مموهاً قائماً على سلطة ولي الأمر، وهذا النوع من السلطة أنا معه، لأنه يتماشى مع فطرة البشر، لكنني لست مع صبغه بصبغة فلاسفة الإغريق، أنا مع تقديمه كما هو، وبمسمياته. إنني أرى أن إطلاق شرارة البدء في الانتخابات في ليبيا هو بمثابة إطلاق شرارة البدء في الحرب الأهلية الحقيقية التي لا تُبقي ولا تذر، والتي لن تستثني مدينةً ولا منطقةً إلا وشملتها.. والسبب هو وجود السلاح لدى الناس؛ قد يقول قائل إن الأمريكيين مسلحون ومع ذلك تتم انتخاباتهم دون مشاكل، وأنا أقول إن هذا القياس قياسٌ مع الفارق، فالأمريكان ليس لديهم قبائل، ولا يعرفون التعصب لانتماءاتهم، عصبيتهم هي فقط لأجناسهم وهذه ليست ذات بال في الحسابات السياسية التي يلعب فيها المال والشركات الدور الأكبر.. بينما في ليبيا الأمر جد مختلف.
إن على المجلس الانتقالي أن يجد خلطةً سحريةً كالتي كانت عند القذافي كي يستطيع أن يخلق دولةً بكامل سيادتها دون أن يُسقط البلد في مستنقع الحرب الأهلية، فما يحدث اليوم في الجنوب هو لا شئ أمام ما قد يحدث إذا ما تم إحياء التحالفات القديمة وإبراز النعرات التي استطاع القذافي طيلة عقود أن يحيدها وأن يلغي أثرها، وهذه حقيقة يحاول البعض إنكارها.. فالصراع هنا سيأخذ لوناً أخر وطعماً مختلفاً، فهو صراعٌ على السلطة، وليس على شئٍ آخر، مع الأخذ في الاعتبار أنَّ الهُوية والتاريخ سيكونان حاضرين بقوة في عملية الانتخابات.
إنني لن أكون مبالغاً ولا ساخراً إذا قلت إن ليبيا تحتاج بجانب الوطنية التي استُهل بها هذا المقال إلى طاغية كالقذافي كي يُعيد لها أمنها واستقرارها.. الآن علينا أن نبحث عن طاغيةٍ نتنازل له عن جزءٍ من حريتنا مقابل وجود دولةٍ يرضى بحكمها الجميع، سواءٌ أكان هذا الحكم ظلماً أم عدلاً.. فالحرية الكاملة لا توجد سوى في الغابة، وقد أصبحت ليبيا غابةً فعليةً يأكل فيها القوى الضعيف، وقد استُبيحت الحرمات، وانتُهكت الأعراض، وسُلبت الأملاك، ونُهبت الممتلكات، واستحر القتل، وشاع الخطف، وباتت ليبيا جنةً فقط لمخابرات دول الغرب التي باتت تتعامل مباشرةً وعلانيةً مع قيادات الميليشيات، وهم يعلمون أن المرحلةَ مرحلةُ بسط نفوذٍ وتقاسمٌ للكعكة الليبية، وكلُّ من شارك في الثورة يرى أنه الأجدر بقيادة البلد، والأجدر بأن تكون ثروة البلد بين يديه، والأجدر بأن يكون هو الأعلى والباقون رعيةً يأتمرون بأمره، لذا لا يهم أولئك أن تستقر ليبيا وتقوم الدولة فيها طالما هناك احتمالٌ بمشاركةٍ تُنقص من قدر أطماعهم.. ومخابرات الغرب تعلم ذلك، وقد قرأت نفسيات الليبيين، وعلمت أن بإمكانها أن تلعب على هذا الوتر، لتظل ليبيا تتأرجح ويجني حلف شمال الأطلسي ثمار هذا التأرجح، خاصة وأن ما قدمه هذا الحلف لثورة فبراير أكبر مما قدمه الثوار أنفسهم لها.. أخيراً أقول إن ليبيا تحتاج إلى أن يكف الحالمون عن أحلامهم، وأقصد بالحالمين أولئك الذين توقف بهم الزمن عند لحظة (الشعب يريد إسقاط النظام)، ولم يشاهدوا ليبيا وهي تعوم في بحر الدماء وأمواج الفوضى؛ أولئك الذين لا يزالون يفكرون في الديمقراطية ومؤسسات العمل المدني، ووحدة ليبيا، والطاغية، والحب، والكراهية، في الوقت الذي وصل فيه الخطر إلى النفوس، فالليبيون لم يعد شئٌ يشغلهم اليوم سوى تأمين أنفسهم؛ لسان حالهم يقول (أحيني اليوم واقتلني غداً).. فالأجدر أن ننسى الطاغية الذي واراه الثرى، وأن نقف في وجه الطغاة الذين هم فوق الثرى، وأن يكون الهدف إصلاح الحال لا التغني به، إن لم نفعل ذلك تكن فتنةٌ وفسادٌ كبير.. ‘ كاتب ليبي