تتميز النصوص الرحلية بحضور قوي لانفعالات الرحالين، نظراً لكون السفر خروجاً عن مألوف حياة القائمين به، بفعل ما يجري فيه من أحداث ومواقف ومشاهدات يفرضها الـ«هناك» تدفع الرحالين، بشكل تلقائي إلى إبداء ردود أفعال مختلفة تجاهها، تتخذ أحياناً صوراً إيجابية كالإعجاب والانبهار والاستحسان والابتهاج والدهشة، وتتخذ في أحيان أخرى صوراً سلبية كالامتعاض والاستقباح والسخرية والازدراء والنقد.
لا يخرج النص الرحلي «عشرون يوماً مع لينة» للكاتب المغربي عبد الله الداودي، الذي دون فيه تجربة سفره إلى مدينة نانت الفرنسية صيف سنة 2023 بمناسبة ميلاد حفيدته لينة، عن هذه السمة العامة التي تطبع النصوص الرحلية، والمتمثلة في الحضور البارز لانفعالات الرحالة مع وقائع السفر ومجرياته ومشاهداته ومفاجآته. لكن ما يميز هذا النص الرحلي هو طغيان النقد الذي بدا لنا قد هيمن على جلّ مراحل الرحلة، كما استعادها الكاتب عبد الله الداودي.
تُبين لنا قراءة النص أن النقد اتخذ ثلاثة أوجه وهي: انصب الأول على نقد كل ما يضايق الرحالة أثناء فعل السفر، ويشوش عليه متعته، وعني الثاني بنقد الذات في علاقتها بالآخر، باعتباره مرآة تعكس الأنا بشكل مخالف، أما الثالث فقد اهتم بنقد الآخر في علاقته بالأنا انطلاقاً من أفعاله السلبية، تجاه الأنا كان محفزها ما شاهده الرحالة منجزات حضارية.
نقد معيقات السفر
الرحالة إنسان ينتقل من مكان مألوف إلى آخر غير مألوف، وفي هذا الانتقال يجد نفسَه أمام مواقف وسلوكات ومشاهد تدفعه إلى اتخاذ موقف منها، وإبداء رأيه فيها، ولاسيما المشاهد والمواقف والسلوكات السلبية المزعجة للرحالة. والكاتب عبد الله الداودي لم يشذ عن هذا المنحى، إذ لم يكتف بنقل هذه المواقف والأفعال والمشاهد، بل توجه إليها بسهام النقد، لاسيما وأنها أفعال وظواهر ضايقته أثناء السفر، وشوشت عليه مُتعة الاستمتاع به، من ذلك نذكُر:
*عدم انضباط ركاب الطائرة بقواعد السلامة: من خلال ما لمسه عبد الله الداودي في ركاب الطائرة التي استقلها من الدار البيضاء إلى فرنسا، من كثرة الحركة وعدم الانضباط والإلحاح على التبضع من المضيفات، حفزت ذاكرته على استحضار سلوكات مماثلة خلال تنقلاته إلى عمله بين طنجة وزومي في مطلع الألفية الثالثة، يقول: «سرعان ما تحولت الأجواء بالطائرة إلى حالة شبيهة بحافلات الأسواق المغربية، بكثرة حركة الركاب غير المنضبطين بقواعد السلامة، وكثرة الإلحاح على الركاب للتبضع من المضيفات، ذكرتني هذه الأجواء برحلاتي على حافلات نحو مقر عملي من طنجة نحو زومي، مطلع الألفية الثالثة، حيث كان يختلط الحابل بالنابل».
*عدم احترام النظافة بالنسبة للمأكولات المعروضة للمسلمين: من الظواهر التي يثيرها الكثير من الرحالين المسلمين إلى البلدان غير المسلمة هي تحري أكل اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية، وهو ما حصل مع عبد الله الداودي وهو يتجول بين المحلات التي تعرض المأكولات الحلال في مدينة نانت، لكنه امتعض من سوء نظافة الأطعمة ومن رداءتها البادية للعيان، يقول: «الواحدة بعد الزوال منذ العاشرة والنصف وأنا أتجول في أطرافه وبضائعه المتنوعة الخاصة بمتطلبات الجالية الأجنبية، وكأنك تتجول في سوق شعبي في مدينة من مدن الجنوب، استحضرت أسواق طنجة من كاساباراطا ومسنانة وبئر الشفا، لكن الصورة كانت أكثر قتامة عندما أضيف إليها الحضور الجزائري والتونسي والسوري والافريقي والصيني… وما أثار انتباهي الوجبات الجاهزة التي تقدم هناك على أساس أنها حلال تستحق إعادة النظر، الظاهر أن مسألة الحلال والحرام من الجانب الديني في هذا السوق نسبية، ركام من قطع الأطراف الداخلية للمواشي مطبوخة مع بعض، توضع في قطع خبز للزبائن وكوارع أبقار مسلوقة ومقطعة… والبائع لا يهتم كثيرا بالنظافة ولا حسن التقديم وكأن بضاعته لا تستحق هذه الخدمات.. لا يتردد البائع في مخاطبتك بلغتك وإغرائك لاقتناء بضاعته، وهي أغلبها من النوع الرديء والمتوفرة بغزارة في الأسواق المغربية بأثمنة بخسة».
*انتشار المتشردين والمتسولين والمخمورين في مدينة نانت: كانت من المشاهد التي شوشت على الرحالة مُتعة سفره وتجواله في مدينة نانت المتميزة بنظامها وانضباط سكانها للقوانين، ونظافتها وبمنتزهاتها وجمال طبيعتها، يقول: «لا يختلف اثنان على أن الطبيعة جميلة خضراء، والأنهار تجري من تحت المدينة وسكانها، وأن التنظيم محكم والجميع يحترم القانون والبيئة، لكن تبقى هناك أمور لا بد من الإشارة إليها، لما لها من أثر سلبي على زائر المدينة مهما كانت ثقافته، كانتشار ظاهرة المشردين والمتسولين والمخمورين.. ورائحة الخمر والتخمير التي تعم كل شيء؛ الشوارع والحافلات والمقاهي والمطاعم.. خاصة يومي السبت والأحد. ويقول عن ظاهرة التسول الآخذة في الانتشار في مدينة نانت التي يمارسها فرنسيون وغجر وآخرون من جنسيات مختلفة: «هناك لاحظت مرة أخرى أن ظاهرة التسول أصبحت أكثر انتشارا فقد مرّ بالزبائن خلال ساعتين تقريبا حوالي خمسة متسولين من أجناس مختلفة، بمن فيهم فرنسيون وغجر وآخرون ومن أصول افريقية أحدهم قصدنا أنا وصديقي ليقرأ علينا السلام ويطلب صدقة بعربية افريقية ركيكة أجابه صديقي إننا نحمل بطائق بنكية ولا نتوفر على قطع نقدية».
هكذا وجه عبد الله الداودي سهام نقده إلى ثلاثة ظواهر مزعجة للمسافر ومضايقة له أولا أثناء السفر على متن الطائرة، وثانيا أثناء تجواله في مدينة نانت وهي ظواهر تخدش الصورة الجميلة، التي التقطها لمدينة نانت الفرنسية المتمثلة في النظافة والجمال والانضباط للقانون واحترام البيئة.
نقد الأنا
في كثير من المواقف يفرض السفر، بحكم كونه مجالاً لمعانقة المختلف، على الرحالين إجراء مقارنات بين الـ»هنا» والـ»هناك» وبين الأنا والآخر، إذ يسمح لنا الحديث عن الآخر بالنظر إلى أنفسنا بشكل نقدي، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى حضور ثنائيتي الاستحسان والاستقباح لدى طرفي هذه المقارنات. وفي نص «عشرون يوماً مع لينة» نلاحظ رجحان كفة الاستحسان في مشاهدات الرحالة في مدينة نانت، لكن نتج عنها إبداء الكاتب ردود أفعال تميزت بتوجيه سهام النقد إلى الأنا؛ وقد لخص هذا النقد في نهاية نصه عبْر جرد لكل ما يتفوق فيها الآخر ويعدمه الأنا، وقد كان هذا الجرد مبطناً بسؤال شكيب أرسلان، لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟ وهو سؤال ما يزال يفرض نفسه بقوة على العديد من الرحالين المعاصرين الذين زاروا بعض بلدان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
وقد تم تصويب هذا النقد على مجموعة من الجوانب الثقافية والأخلاقية والتنظيمية، نذكر منها:
إهمال أسوار المدن المغربية العتيقة وتركها عرضة للتخريب، دون التفكير في ترميمها من قبل كل المعنيين، المجتمع والتقنيين والمنتخبين ورجال السياسة والثقافة، تولد هذا النقد مما لاحظه الكاتب في ما يلاقيه التراث المعماري في مدينة نانت من عناية وترميم متواصلين، ووفق ضوابط علمية: «يعرف القصر ترميم بعض أجزائه على واجهة الساحة الداخلية، ترميما يتم وفق شروط علمية، بمواد أقرب للأصلية، لتبعث التحفة من جديد ويتم الحفاظ على سلامة المعالم المعمارية للقصر، وأنا أتأمل جودة ودقة عملية الترميم، تذكرت ما شهدته أسوار بعض مدننا التاريخية من تخریب تحت شعار الترميم، تحت أنظار كل أطياف المجتمع واللجن التقنية والمنتخبين ورجال السياسة والثقافة».
عدم الاهتمام بما يكفي بابن بطوطة، ولدت زيارة عبد الله الداودي لمتحف الكاتب جيل فيرن شعوراً بالحسرة على تهميش علَم مغربي كبير في مجال الرحلات، وهو ابن بطوطة، فيعلق قائلاً: «إذا كان جيل فيرن قد خلف شهرة عالمية بتخيله لرحلاته العجائبية فإننا في طنجة المغرب نتوفر على رحالة كبير من مواليد طنجة وانطلق منها ليجوب عوالم حقيقية وصفها لنا بشكل عجائبي رائع.
في الوقت الذي نجد أن طنجة تتوفر على تراث لا مادي للعالم الرحالة الطنجي ابن بطوطة الذي زار فعليا أغلب دول العالم المعروفة وقدر زمن رحلاته بما يقرب من الثلاثين عاما، وقد أملى على ابن جزي الكلبي تفاصيل تلك الرحلات ونوادرها، وبعدما انتهى من التدوين أطلق على مؤلفه اسم: «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار». لم يكتف ابن بطوطة بالوصف الخارجي للأماكن التي زارها، بل استفاض في الحديث عن مداخل المدن ومخارجها وطبائع الشعوب المختلفة التي عاشرها، وسرد العديد من الحكايات المشوقة التي جعلته من رواد أدب الرحلات في الأدب العربي، ورغم ذلك لم يحظ بالتكريم الكافي من طرف القائمين على الشأن العام في مدينة طنجة ولم يتم استثمار أثره وفضله في المجال الثقافي والسياحي كرأسمال لا مادي، بما يرقى لرحلاته العالمية، ويعود بالنفع على المدينة.
نقد السلوكات الخارجة عن القانون في بلده والتهور الذي يسبب في حوادث السير الناتج عن عدم تطبيق القانون، وهي أمور لا وجود لها في نانت، وقد أكد على ذلك من خلال استعمال أسلوب النفي القاطع الناتج عن حرص الكاتب، من خلال تعمده المشي على الأقدام لتأكيد أن ما يقوله هو وليد عيان وليس وليد سماء أو مقروءا، يقول: «يستحيل أن ترى سيارة يتجرأ سائقها على المرور في الإشارة الضوئية الحمراء، هناك انضباط شديد للقانون في غياب أي شرطي، لكن الكل يعرف أن المدينة مراقبة فعلا بالكاميرات المفعّلة، وإن من أخطأ يعاقب بغرامات ثقيلة، فالعقاب سر احترام القانون، ولا وجود لأولاد الفشوش الذين يعتبرون أنفسَهم فوق القانون.
خلال فترة وجودي في المدينة، تعمدت التجول فيها مشْياً على الأقدام لمسافات طويلة، وفي أحياء مختلفة، لكنني لم أشاهد ولا حادثة سير واحدة، ولا حتى سيارات مهشمة، ولا كثرة ورشات إصلاح هياكل السيارات.. في الحقيقة لا وجود للتهور المبالغ فيه.
هكذا وجه عبد الله الداودي نقد للأنا بتحفيز مما استحسنه عن عيان لدى الآخر الفرنسي، من منجزات حضارية وثقافية تتمثل في صون الذاكرة الجمعية والتراث الثقافي المادي واللامادي والامتثال للقانون، وما يترتب عنه من أمن وسلام لأفراد المجتمع، وهي أمور يعدمها في بلده المغرب، وتجلى ذلك من خلال استعمال أسلوب النفي.
نقْد الآخر المستعمِر والعنصري
شوشت أفعال الآخر الفرنسي مواقفه، سواء في الماضي خلال الفترة الاستعمارية، أو في الحاضر والمتمثل في سياسة الهجرة، على مشاهدات عبد الله الداودي في تجواله في مدينة نانت، دفعته إلى توجيه نقده إلى الآخر الفرنسي، كنوع من المحاسبة له على سوء أفعاله ومواقفه السلبية تجاه الأنا، وقد تجلى هذا النقد في ثلاث نقاط:
*نقد الآخر الفرنسي الاستعماري والكشف عن وجهه المستغل لخيرات المستعمرات، والمستثمر لها في بعض من منجزاته الحضارية التي يفخر بها مثل حدائق مدينة نانت المؤثثة بنباتات أغلبها مجلوب من المستعمرات، يقول: «عندما يتأمل الزائر نباتات الحديقة وباقي حدائق المدينة، يدرك حجم استغلال فرنسا للثروات النباتية لمستعمراتها، فأغلب هذه النباتات تم جلبها من مستعمرات ما وراء البحار، منذ عهود سابقة.
*تهْميش أبناء المهاجرين، يعتبره الكاتب نتيجة سياسة ممنهجة استهدفت الجيلين الأول والثاني من المهاجرين، وقد طالت هذه السياسة العنصرية قطاعين أساسيين وحيويين وهما، التعليم والسكن، حالت دون اندماج المهاجرين، بل جعلتهم ضحية للتهميش والميز الاجتماعي، يقول: «ذكر أن هؤلاء الشباب المنتشرين في ساحات وسط المدينة – ضحية سياسة تهميش ممنهج عانى منه المهاجرون من الجيل الأول والثاني، سواء من حيث تعليم أبنائهم، أو من حيث تجميعهم في سكن على شكل غيتوهات، يسمح لهم بالاندماج. فكان طبيعيا أن ينشأ جيل فرنسي الهوية من أصول المهاجرين الأوائل يعاني من كل أشكال الميز والتهميش.
*نقد سياسة الدولة الفرنسية في الهجرة القائمة على العنصرية التي يتم التعبير عنها علانية برفض هجرة الأفارقة والمسلمين، والرغبة في هجرة الأوروبيين الشرقيين الكاثوليك، سواء من قبل الحكومة الفرنسية أو المعارضة اليمينية المتطرفة، يقول: «فهذه الهجرة المرغوب فيها، هي التي تحدث عنها سفير فرنسا في واشنطن عندما قال إن العالم يمكن أن يسير أموره بسهولة عندما يكون المهاجرون من الكاثوليك البيض، وأكدها مرشح اليمين المتطرف».
هكذا نال الآخر باعتباره كان مستعمراً للأنا نصيبه من نقد عبد الله الداودي، كنوع من محاسبة هذا الآخر على مجموعة من الأفعال السلبية تجاه الأنا، وتمثل ذلك في وضع الكاتب، اليد على أسس ومصادر بعض المنجزات الحضارية لهذا الآخر من جهة، والكشف عن تماديه في التعامل السيء مع أبناء مستعمراته من جهة أخرى. وقد أجج هذا النقد عاملان أساسيان، أولهما الذاكرة الاستعمارية المستمرة آثارها في الوقت الراهن، وثانيهما أفعال الآخر مع مهاجري مستعمراته في الحاضر.
تركيب
يبدو لنا مما تقدم أن النقد في «عشرون يوما مع لينة» اتخذ ثلاثة أوجه؛ أولها متعلق بالظواهر المزعجة للمسافر والمضايقة له أثناء السفر على متن الطائرة، وأثناء تجواله في مدينة نانت، ثانيها نقد للأنا بتحفيز مما استحسنه عن عيان لدى الآخر الفرنسي من منجزات حضارية، وهي أمور يعدمها في بلده المغرب، ثالثها نقد الآخر باعتباره كان مستعمراً للأنا كنوع من محاسبة هذا الآخر على مجموعة من الأفعال السلبية تجاه الأنا، بإبراز أسس ومصادر بعض منجزاته الحضارية، والكشف عن تماديه في التعامل السيء مع أبناء مستعمراته.
كاتب مغربي