في عيدها الرابع والخمسين: مخاوف الانقلاب الإعلامي على ثورة يوليو واحتياطات تفويت’ الفرصة

حجم الخط
0

القاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: هل ستتغير خريطة التليفزيون الرسمي للدولة فيما يخص الاحتفال بثورة يوليو في ظل المتغير الشامل المتوقع للهوية الإعلامية إبان وصول تيار الإسلام السياسي للحكم؟

هذا السؤال يبحث عن إجابة بعيدة عن المراوغات والتصريحات الدبلوماسية الهادفة إلى تمرير الظرف السياسي الصعب دون الدخول في مشاحنات مع التيارات الليبرالية والجماعة الناصرية.

أغلب الظن أن التليفزيون بكل قطاعاته وقنواته سيعلن عن حالة الطواريء الاعتيادية بخروج كافة التسجيلات النادرة لخطب الزعيم جمال عبدالناصر وإذاعة مقاطع منها لتكون خلفية وثائقية وتاريخية للاحتفال طوال الأيام المقبلة، ولن يأبه أحدا من الإعلاميين بالمنحى المختلف الذي قد تئول إليه البلاد، ذلك أن الغالبية العظمى من هؤلاء الإعلاميين، قيادات وأفراد يتعاملون مع مسألة الاحتفال بيوم 23 يوليو باعتباره واجباً وطنياًَ له قداسة المسلمات القومية التي لا تقبل الخلاف أو الجدل.

ولعلنا نلمح ما يتم استعراضه الآن من صور عبدالناصر المصحوبة بجمل شهيرة قالها في أوقات عصيبة كمؤشر على بقاء الاحتفاء بثورة يوليو وزعيمها بعيداً عن حيز الصراعات الإنتخابية والحرائق المشبوبة فلي حدائق الديمقراطية والمنافسة، والأدل على ذلك أن أكثر القنوات عرضاً لمشاهد يوليو والتاريخ النضالي للثورة المجيدة هي قناة النيل للأخبار، إحدى القنوات الرسمية المهمة وصاحبة الامتياز في الاستقلال النسبي عن ركب القنوات المصرية الأخرى، وهو ما يؤطد استبعاد شبهة الانقلاب الإعلامي على الثورة الأم وضباطها الأحرار، منذ أسابيع قليلة عرضت القناة المذكورة ذاتها فيلماً وثائقياً طويلا يحمل دلالة قوية تنبيء بأن الثقافة الإعلامية المتصلة بالقناعات التاريخية لاتزال على عهدها تماماً فالفيلم الذي استغرق زمنه أكثر من ساعة ونصف الساعة تحدث عن مراحل الحكم في مصر بدءا من محمد علي ونهاية بعصر مبارك، وقد وضح فيه الانحياز الموضوعي لفترة الخمسينيات والستينيات بوصفها المرحلة الأكثر حراكاً وتميزاً على كل المستويات، السياسية والاجتماعية والثقافية فهي باعثة النهضة الحقيقية وشاهد الإثبات على إزدهار الدولة، لم يكن عرض الفيلم الوثائقي ‘مصر الحديثة’ مجرد صدفة، خاصة أنه المصنف الفني السياسي الأحدث على الإطلاق، وإنما جاء إعداده تأكيدا على أن للدولة هوية لن تفقدها أبداً تحت أي ظرف.

ونأتي إلى مؤشرات أخرى نراها داخل السياق نفسه وهي الأغاني الوطنية لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب فهذه كلها يتم حاليا نفض التراب عنها لتحتل موقعها في الاحتفال كعادتها في السنوات السابقة، فحين تستمع الجماهير لأغنية عبدالوهاب ‘دقة ساعة العمل’ أو النشيد الوطني الحاشد ‘وطني الأكبر’ لا يمكن أن يكون هذا إلا نوعاً من التعبئة باجترار التاريخ الفائت للثورة المنتصرة، هذا بخلاف التناغم مع الفضائيات الخاصة المعروفة بالتوجه الناصري القومي الوطني مثل قناة التحرير وقناة دريم فهاتان القناتان على وجه التحديد لهما إسهامات في هذا المضمار لا يمكن تجاهلها، فضلا عن فضائيات أخرى لا نستطيع إنكار دورها الإيجابي.

كما أن للإذاعة ايضاً ما يميزها فهي من يتفرد دائماً بإذاعة الجاد والجيد والمؤثر من كنوز ثورة يوليو فمحطة صوت العرب على سبيل المثال هي السباقة كل عام في التنقيب عن المدفون والمخبأ بالمكتبة الإذاعية من أحاديث وحوارات وأمسيات وبرامج ومسلسلات وانفرادات إعلامية كانت لأصحابها في حينها، ولا ننسى أن صوت العرب لاتزال قابضة على جمر القومية حتى ساعته وتاريخه وكل ما بها يشي بهذه الحقيقة، ففي لقاء على الهواء مباشرة التقت بعدد من أصحاب الرأي المنتمين للتيار القومي وناقشت معهم التصور المتوقع للأنشطة الثقافية تحت المظلة العروبية في المرحلة المقبلة، وللاختيار هنا دلالة ومعنى فكم هي حريصة على تفعيل الدور القومي برغم الأنواء والأعاصير.

لقد تذكرت الإذاعة صوت محمد حمام فسمع الملايين أغاني عم يا جمال، يا مايا، يا بيوت السويس وأفسحت المجال لصوت فيروز فشدت بأحلى ما لديها من درر الكلمات والألحان، يا قدس يا مدينة الصلاة أنا وشادي غانينا سوا حتى أن صوت المطربة الساحر صار ماركة مسجلة على موجات صوت العرب بعد أن غيب طويلاً بفعل فاعل، نعم هناك إصرار على أن تبقى الخريطة الإعلامية على ما هي عليه من عقيدة تؤمن بالتاريخ الثوري للضباط الأحرار الذين غيروا شكل الحياة في مصر والعالم العربي من النقيض الى النقيض لتتجلى آيات الفكر والإبداع فيتحقق المشروع النهضوي ويلقي بظلاله على الأدب والموسيقى والفن ويكون الناتج أكاديمية للفنون تشيد لدراسة العلم الاستثنائي الخاص فتنبغ مواهب كانت تقف على الطريق حائرة في انتظار قطار التوعية والتنمية. لقد خرجت ثورة 23 يوليو ’52’ أجيال من المبدعين استفادت من مناخ الحرية فصنعت سينما ومسرح وفن تشكيلي وباليه وموسيقى وتصوير، وبالطبع كانت هذه المجالات سبباً في اكتشاف طاقات وشخصيات مثل سعاد حسني وعبدالحليم ونجلاء فتحي وجلال معوض ونور الشريف ونجاة الصغيرة وشادية ورشدي أباظة وغيرهم من نجوم التمثيل والغناء الذين رعتهم الثورة وارتقت بهم الى أعلى درجات الشهرة والمجد، إن أهم سمات ثورة يوليو هي التنوير والتطوير والتحديث، وليس الجمود والحظر والتفتيش في النوايا والقلوب والعقول عما يمكن أن يكون مختلفاً فيثير الغرائز ويحرك نوازع الشيطنة في النفوس!

ثمة وقوف حذر للتأمل فيما ستسفر عنه النتائج والاختيارات الشعبية الحقيقية والعشوائية، إنها المسافة بين مرحلتين تختفي فيها معالم مرحلة وتطفو على السطح ملامح مرحلة أخرى مغايرة في الشكل والمضمون والهوية والطول والعرض والارتفاع!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية