في غزة أوامر الترحيل مستمرة والأرض تضيق والضفة تشتعل بالقتل المستهدف واحتفال المستوطنين بعصرهم «الذهبي»

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لم تتوقف حصيلة القتل اليوم في غزة، ولا عمليات الترحيل المتكررة التي يصدرها الجيش الإسرائيلي في وقت ضاقت فيه المنطقة التي يستطيع فيها الفلسطينيون التحرك. ففي شهر آب/أغسطس وحده شردت أوامر الإخلاء الإسرائيلية وحدها أكثر من 250.000 فلسطيني في غزة حسب أرقام الأمم المتحدة، بحيث قلصت من المساحات الإنسانية التي يستطيع فيها السكان التحرك والبحث عن الطعام. وسط مجاعة باتت مستحكمة في القطاع وانتشار الأمراض بين الكبار والصغار الذين يواجهون أكبر حالات لانتشار شلل الأطفال بينهم في العالم. ورغم موافقة إسرائيل على تخفيض معين لوتيرة القتال كي تسمح بعمليات التطعيم للأطفال إلا أن الظروف الإنسانية والمشاكل اللوجيستية تجعل من وصول اللقاحات متأخرا للكثير من أطفال الحرب الذين ولدوا في فترة العشرة الأشهر الأخيرة. فقد سجلت سلطات غزة ولادة أكثر من 50.000 طفل منذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر.

أوامر مشوشة
وعشوائية

والمشكلة في مواجهة الأوامر الإسرائيلية أنها قد تمتد على عدة أيام وتتداخل ومتشوشة، وغالبا ما لا يجد السكان ما يعودون إليه في المناطق التي أخلوها. فالجيش يدير عمليات مستمرة في المدن التي يقول إنه خرج منها. وبسبب الأوامر الإسرائيلية بات سكان غزة 2.2 مليون نسمة في حركة مستمرة. وفي شهر آب/أغسطس بلغ عدد أوامر الإخلاء 16 أمرا، حيث تركزت معظمها في مدينة دير البلح، وسط غزة. واضطر السكان على الفرار وخاصة من مستشفى شهداء الأقصى. وفي يوم الجمعة قال الجيش إنه انسحب من دير البلح وخان يونس وبدون إشارات عن المنطقة التي انسحب إليها. وفي كل مرة يطلب فيها الإخلاء من الفلسطينيين يكون الوضع أشد من السابق.
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» (30/8/2024) عن عدلي أبو طه 45 عاما قوله «نشعر وكأن العالم قلب رأسا على عقب فوق رؤوسنا» وفي رحلة الرحيل عن الأمكنة يواجه الفلسطينيون «الحرارة الشديدة والاجهاد الجسدي وغياب المكان الآمن والكلفة المالية» في زمن لم يعد فيه أحد يملك المال بسبب تدمير ونهب ما لدى السكان في القطاع. ويزيد من معاناة الغزيين أن أوامر الإخلاء التي يقولون باتت تمثل كل مناطق غزة حيث حددها الجيش على خريطة يطلب منهم العودة إليها، لا يستطعيون قراءتها بسبب تعقيداتها ولعدم توفر الطاقة الكهربائية المنتظمة وشبكات الاتصال الضعيفة. وفي بعض الأحيان تذهب العائلات إلى منطقة صممها الجيش على أنها آمنة لتجد نفسها مرة أخرى أمام أوامر إخلاء جديدة. وكعادته منذ بداية الحرب، يحمل الجيش حماس المسؤولية ويقول إنها «خرقت القانون الدولي بالعمل من داخل المناطق المدنية واستغلت السكان المدنيين كدرع بشري في نشاطاتهم الإرهابية ضد دولة إسرائيل».
وفي هذه الحرب تمثل حماس المبرر المريح لإسرائيل كي تحملها مسؤولية معاناة الفلسطينيين الذين تقصفهم في المدارس والمستشفيات والمخيمات التي تقول إن مقاتليها بنوا فيها مراكز «قيادة». وفي بداية الحرب أمر الجيش حوالي مليون فلسطيني لمغادرة مدينة غزة جنوبا إلى خان يونس ورفح، لكن السكان اضطروا في كانون الأول/ديسمبر للفرار مرة أخرى إلى مدينة رفح ومنطقة المواصي. ولكن إسرائيل دخلت رفح في أيار/مايو وأدت لتشرد مليون نسمة فيها، وتركت العملية المدينة التي قال الرئيس جو بايدن إنها خط أحمر دمارا، كبقية مدن غزة. وفي كل مرة يطلب فيها الجيش من الأهالي الرحيل فهو يوجههم إلى مناطق لا يوجد فيها طعام أو مياه أو مراكز للعناية الصحية وحتى أماكن لنصب الخيام، ولم تكن المناطق الآمنة في حد ذاتها آمنة فقد كانت تتعرض لضربات كما في مجزرة تل السلطان وغيرها من المجازر التي لا تحصى.

مفاقمة الألم

وحذرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أن أوامر الإخلاء المستمرة التي يصدرها الجيش الإسرائيلي تفاقم من الأزمة الإنسانية في القطاع المحاصر. وكشفت برقية نشرت على منصات التواصل الاجتماعي تقييما واضحا لأوامر التهجير القسري التي أصدرتها إسرائيل، حيث أشارت في إحدى الحالات إلى أن ما لا يقل عن 1.7 مليون فلسطيني كانوا مكتظين في «منطقة آمنة» لا يتجاوز حجمها 70 في المئة من إجمالي مساحة مطار دالاس الدولي في واشنطن. وقد أورد موقع «كليب نيوز» الإخباري على الإنترنت البرقية يوم الأربعاء. وهي تتضمن تقييماً من جانب الوكالة الأمريكية للوتيرة المتسارعة لأوامر التهجير القسري التي أصدرتها إسرائيل في الفترة من 22 تموز/يوليو إلى 25 آب/أغسطس. وحسب فريق الوكالة لمواجهة الكوارث: «لقد نزح الكثير من الناس عدة مرات، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر الإخلاء في ظل ظروف غير آمنة في تتابع سريع ومع القليل من التحذير قبل بدء العمليات، ما أدى إلى زيادة المخاطر على الحياة». وحذر المسؤولون الأمريكيون أنه «بالإضافة لتهجير عدد كبير من الناس، فإن أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية المتعاقبة تقلل من المساحة الإنسانية في غزة، ما أدى إلى تفاقم المخاطر التي يتعرض لها العاملون في المجال الإنساني وتقييد الوصول إلى السكان المحتاجين».

هوس نتنياهو بفيلادلفيا

ورغم المعاناة التي تعيش غزة منذ 11 شهرا وتدمير إسرائيل كل شروط الحياة فيها واستمراره محاصرة السكان إلا أن إسرائيل نفسها تعيش في وضع مشابه من نزوح سكان البلدات الجنوبية والشمالية عن مناطقهم بسبب الحرب، وهم ينتظرون في بيوت مؤقتة لحين قرار حكومة نتنياهو إعادتهم إلى مناطقهم وقبل بدء المدارس، مع أن ظروف النازحين هنا لا تقارن أبدا بمعاناة أهل غزة الذين يعاقبون بشكل جماعي، وسط محاولات بنيامين نتنياهو تحقيق «النصر الكامل» على غزة وهوسه الجديد بمحور فيلادلفيا قرب الحدود المصرية، حيث طلب من مسؤولي الأمن عقد اجتماع فيه، ولكنهم رفضوا. وكان الهوس هو سبب إفشال الجولة الأخيرة من المفاوضات الأمريكية، والتي لم تعد الولايات المتحدة تتحدث عنها، بعدما وضعتها في مقدمة الاهتمامات، فنتنياهو مصر على مواصلة الحرب حتى النهاية، بل وفتح جبهات جديدة.
فبعد أن سكتت الجبهة مع حزب الله في الأسبوع الماضي، أعلن الجيش عن جبهة جديدة وواسعة في مدن الضفة الغربية. وقتل الجيش منذ بدء العملية يوم الثلاثاء 19 فلسطينيا، وأجبرت العمليات الإسرائيلية في طولكرم وجنين وطوباس لتهجير السكان وهروبهم إلى الجبال في مشاهد مماثلة لرحيل غزة. ورأت صحيفة «وول ستريت جورنال» (29/8/2024) أن الهجوم العسكري الإسرائيلي هو محاولة لقمع التمرد من الشباب الأصغر سنا الذين تصاعد نشاطهم بسبب نشاطات الجيش وزيادة عنف المستوطنين. ونقلت الصحيفة عن غاي أفياد، الباحث في شؤون حماس والضابط العسكري الإسرائيلي السابق: «الجيش اليوم منهك. في نهاية المطاف لدينا مجموعة محدودة للغاية من جنود الاحتياط الذين يتحملون ثقل القتال. إنهم نفس الأشخاص طوال الوقت». وعلى خلاف عمليات الجيش في السابق، فقد باتت هجماته ضد الناشطين الشباب تستهدف أيضا البنى التحتية في المناطق الفلسطينية. وشاهدنا خلال الصيف الحالي عمليات مدمرة في مخيم نور شمس، بطولكرم والفارعة على نفس الطريقة التي تم فيها استهداف مخيم جنين في السنوات الماضية.
وفي العملية الأخيرة قتلت القوات الإسرائيلية، محمد جابر، 25 عاما والمعروف باسمه الحركي «أبو شجاع» والذي كان زعيم شبكة مسلحة في مخيم نور شمس بطولكرم، حيث كانت الجماعات المسلحة الفلسطينية تقاتل القوات الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة. وكان جابر، البالغ من العمر 25 عاما، رمزا لجيل جديد من القادة الفلسطينيين الذين برزوا في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة. وباعتباره قائدا محليا لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فقد استحوذ على خيال بعض الشباب الفلسطينيين في وقت سابق من هذا العام بعد أن وردت أنباء عن مقتله على يد الجيش الإسرائيلي.

الدفاع عن النفس

وحتى قبل الحرب في غزة، كانت الضفة الغربية تنحدر إلى حالة من الاضطراب، مع تصاعد التوغلات العسكرية الإسرائيلية وزيادة الهجمات العنيفة على الفلسطينيين من قبل المستوطنين الإسرائيليين. لقد صبت الحرب في غزة الوقود على الوضع في الضفة الغربية، حيث قتل 622 فلسطينيا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. ونفذ المستوطنون الإسرائيليون أكثر من 1200 هجوم على الفلسطينيين، وفقا للأمم المتحدة. وإضافة إلى المزيج الملتهب في الضفة الغربية، اتهم مسؤولون فلسطينيون وجماعات حقوق الإنسان وحدات محددة من قوات الدفاع الإسرائيلية بارتكاب انتهاكات ضد الفلسطينيين في المنطقة، وتشمل هذه وحدة من الجنود المتشددين الذين خضعوا للتدقيق بعد وفاة رجل فلسطيني أمريكي مسن في عام 2022 كان قد احتجزه الجنود. وقالت تهاني مصطفى، المحللة الفلسطينية البارزة في مجموعة الأزمات الدولية، ببروكسل: «لقد رأينا الفلسطينيين في الضفة الغربية يضطرون إلى اتخاذ موقف دفاعي. ليس لديهم أي شيء آخر. إنها مسألة أمن شخصي في هذه المرحلة، سواء كان ذلك ضد جنود الجيش الإسرائيلي المتطرفين أو المستوطنين». وفي كل مرة يعيث فيها المستوطنون الفوضى والحرائق في ممتلكات الفلسطينيين يخلفون والجيش وراءهم دمارا على البنى التحتية وشبكات الإنترنت. ولا شك أن انشغال الجيش في عدة جبهات يزيد من الضغوط على جيش منهك من حرب طويلة في غزة وحزب الله. ويعتمد الجيش بشكل كبير على جنود احتياطيين بدوام جزئي يقولون إنهم منهكون من أطول حرب خاضتها إسرائيل منذ عقود. وبخلاف غزة التي يقول الجيش إنه يريد إنهاء حكم حماس فيها وتدمير قدراتها العسكرية، فالضفة خاضعة جزئيا للسلطة الوطنية الفلسطينية. لكن سكان الضفة باتوا ينظرون إليها كمؤسسة متحجرة وسط عجز عن حماية الفلسطينيين من هجمات الجيش والمستوطنين. وقد تمسكت السلطة الوطنية بخيار المفاوضات الذي أفشلته إسرائيل، في كل مرة. وبات خيار منع قيام دولة فلسطينية هدفا للمستوطنين.

تغول الاستيطان

فزيادة الاستيطان والاعتراف ببؤر استيطانية جديدة هو جزء من محاولات حرمان الفلسطينيين من مناطقهم. وصورت تقرير في صحيفة «التايمز»(25/8/2024) والتقت الصحيفة مع مستوطنين عقائديين يعتقدون أن الرب أعطاهم الأرض المقدسة، وهم لا يخططون توسيع مستوطناتهم في الأراضي المحتلة بل ويتطلعون لعودة الاستيطان إلى غزة. ونقلت عن متدربة بمعسكر استيطاني قرب مدينة نابلس تساؤلها: «لماذا نخوض الحرب في غزة؟ لأننا لم نسيطر على غزة». والتقت مع دانييلا فايس، 79 عاما التي تتعامل مع الاستيطان بأنه واجب وأفردت أمام الصحافية خريطة للبؤر الاستيطانية والمستوطنات في الضفة. وتجد فايس تشجيعا على مواصلة نشاطاتها الاستيطانية من صديقها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي بات يملك الكثير من الصلاحات على الضفة. ووصفت «التايمز» الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بأنها اليوم عالم بائس مسور بالأسلاك الشائكة واللافتات التحذيرية التي تحذر من الدخول ونقاط المراقبة المسلحة ونقاط التفتيش، وأحيانا الموسيقى الصاخبة التي تملأ الأحياء. وهناك بوابات معدنية وكتل خرسانية تغلق الشوارع، بشكل حول المدن الفلسطينية التي كانت تعج بالحركة والحياة مثل الخليل إلى مدن أشباح. ويرى السكان أن الانتفاضة الثانية التي عاشوها عام 2002 كانت سيئة عليهم ولكن الوضع بات أسوأ فالعنف اليوم لا يأتي من المستوطنين فحسب، بل ومن التوغل الإسرائيلي المستمر. وحسب الأمم المتحدة، فإن فلسطينيا واحدا قتل كل يوم هذا الشهر بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية على الضفة الغربية. وقالت شاي بارنيز من المنظمة الحقوقية الإسرائيلية بيتسليم إن «العشرة الأشهر الماضية كانت الأسوأ في تاريخ الضفة الغربية». وأصبح الوضع مثيرا للقلق لدرجة أن مدير جهاز الأمن الداخلي، شين بيت رونين بار كتب في الأسبوع الماضي، لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع، محذرا من أن «الإرهاب اليهودي» من قبل المستوطنين العنيفين يلحق «ضررا لا يوصف» بإسرائيل. وقد حذرت صحيفة «الغارديان» (29/8/2024) من أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة مضر بإسرائيل وبغيرها.

شارع العقارات

ومقابل العالم البائس الذي تمر فيه الضفة الغربية، تبدو هذه بالنسبة للمستوطنين مركز سلطتهم وتهدد بخلق واقعين في إسرائيل، واقع من اليمين المتطرف الذي لا يؤمن بالديمقراطية بل وبمملكة داوود والهيكل الذي يحضر المستوطنون له في مستوطنات الضفة ويواصل إيتمار بن غفير استفزازته لخلق واقع له في الحرم القدسي.
ورأت مجلة «إيكونوميست» (29/8/2024) أن شارع الستين الذي يقطع الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها يبدو مثل شارع عقارات حيث تقدم إعلانات الشقق والفلل عروضا جيدة لمن يريد الشراء والسكن في المستوطنات، وعلقت المجلة أن المستوطنين يعيشون وقتهم فهم يسيطرون على الأرض ويحصلون على التأثير العسكري والسلطة السياسية. بل وزادت حرب غزة من جرأتهم. فحكومة نتنياهو تعتمد على الأحزاب التي يدعمها المستوطنون لتشكيل ائتلاف في البرلمان، ما يمنحها نفوذا واسعا على إدارة النزاع وفيتو على وقف إطلاق النار، حسبما يرى البعض. وفي الوقت نفسه، فقد زادت الحرب من التأثير الزاحف للمستوطنين على الجيش، وقدمت لهم ستارا لمصادرة الأراضي في الضفة الغربية. وحسب مسؤول بارز في الحكومة: «مع انشغال الجميع في العام الماضي بالاحتجاجات ضد الإصلاحات القانونية والآن الحرب، فإننا فعلنا أمورا غير مسبوقة للمستوطنات». وترى حركة «السلام الآن» أن التوسع الاستيطاني الحالي يمثل أكبر عملية مصادرة للأراضي في الضفة الغربية منذ توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين في عام 1993. اليوم يحتل نحو نصف مليون مستوطن أجزاء من الضفة الغربية. ويعيش 200 ألف مستوطن آخر في أحياء القدس الواقعة شرقي حدود عام 1967 والتي ضمتها إسرائيل رسميا. وأشارت المجلة إلى تأثير المستوطنين على طبيعة واحد من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط إلى جانب محاولتهم لتغيير الوضع في الضفة. ولم يعد هناك من يحقق في جرائم المستوطنين، فقد كان لافتا قيام جهاز الأمن الداخلي أو شين بيت بالتحقيق في هجوم المستوطنين على بلدة جيت في 15 آب/أغسطس وليس الشرطة التي يتحكم بها بن غفير. ورأت المجلة أن الجنود في الجيش أصبحوا جزءا من هذا العنف الذي يمارسونه وهم يرتدون الزي العسكري ويستخدمون أسلحتهم التي وزعتها عليهم الدولة. وبعضهم يفعل ذلك أثناء إجازته، ولكن العديد من المستوطنين يخدمون في كتائب «الدفاع الإقليمي» المتمركزة في الضفة الغربية، وقد لوحظوا وهم يشاركون في هجمات على الفلسطينيين أثناء تأدية واجبهم. وقد أصبح المستوطنون جزءا مهما من الجيش الإسرائيلي. ومع أن نسبتهم في الضفة الغربية لا تزيد عن 5 في المئة من سكان إسرائيل، إلا أنهم ممثلون بشكل كبير في وحدات القتال في الجيش الإسرائيلي ويصعدون سلم الترقية تدريجيا. وترك هذا أثره على هوية الجيش التي كانت علمانية في الماضي، واليوم تقيم العديد من الوحدات العسكرية المشاركة بحرب غزة صلوات قبل الذهاب إلى المعركة ويزين الجنود ملابسهم القتالية بشعارات تصور المعبد اليهودي القديم في القدس أو كلمة «الميسايا». ولا يزال المستوطنون يحنون إلى غزة التي أخرجوا منها عام 2005 وما أسموه بـ «النفي» وقد نصب الجنود اليوم في غزة لافتات كتب عليها «لقد عدنا!» على مواقع تلك البؤر الاستيطانية التي تم تفكيكها. فالحرب في غزة وإن كانت أزمة للكثير من الإسرائيليين إلا أن المستوطنين يرون فيها فرصة. وكما يقول تومير بيرسيكو، أستاذ الفكر اليهودي المعاصر بمعهد شالوم هارتمان في القدس: «بالنسبة لهذه الحركة، التي رأت تاريخيا أن الصهيونية العلمانية ليست سوى مقدمة لعملية من الخلاص الإلهي، فإن الحرب جاءت في لحظة غير متوقعة، عندما بلغت قوتها السياسية ذروة غير متوقعة. بالنسبة لهم، إنها علامة سماوية، معجزة».

عجز أم تعاون

ووسط هذا الجو من القتل اليومي في الضفة الغربية وعنف المستوطنين يتساءل الفلسطينيون عن «السلطة». وفي تقرير لصحيفة «الغارديان»(30/8/2024) قالت فيه إن المواقف تتفاوت بين الفلسطينيين من السلطة الوطنية وإن كانت فعلا عاجزة وعقيمة أم أنها تعمل يدا بيد مع نتنياهو. ورغم محاولة إسرائيل إظهار الحزم بالضفة الغربية إلا أنها كشفت عن الضغط الذي يواجه القوات الإسرائيلية وعدم قدرتها على تحقيق هدف الحرب في غزة وهو تدمير حماس. وبعد أكثر من عشرة أشهر من القصف في غزة، لا تزال حماس قادرة على العمل كجيش حرب عصابات، كما أن شعبيتها، إلى جانب جاذبية العمل المسلح بشكل عام، آخذة في الارتفاع في مختلف أنحاء الضفة الغربية. ونقلت الصحيفة مواقف عدد من الفلسطينيين الذين عبروا عن غضبهم من خيانة العالم للفلسطينيين وكذا من السلطة الوطنية. ورفض فلسطينيون شجب السلطة الأعمال التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي واعتبروه مسرحية. وقال مواطن من مخيم قلنديا «هذا منسق بين السلطة وإسرائيل» و«حاولوا أكثر من مرة اعتقالهم ولكنهم فشلوا، ولهذا قالوا: تعالوا وقصوا العشب عندنا وسنتولى الباقي». ورأت الصحيفة أن الازدراء للسلطة كان واضحا يوم الجمعة في الأزقة الضيقة لمخيم قلنديا في رام الله. وعلق أبو صهيب، 58 عاما وهو خارج من صلاة الجمعة: «كل واحد يحترمه مثل كل المقاتلين» في تعليق على اغتيال أبو شجاع. في الضفة الغربية يعتبر المسلحون مصدر إلهام أكبر من الشعور السائد بالعجز. ونقلت عن أحد أفراد الجيل الشاب من سكان قلنديا اسمه مروان، 25 عاما أن المقاومة هي فكرة أكثر منها واقع عسكري. وقال:»نحن نتحدث عن المقاومة لكننا شعب أعزل. ليس لدينا الوسائل الأساسية للمقاومة. ومع ذلك تتعامل إسرائيل معنا كما لو كنا دولة معادية بجيش ضخم». وكان أحد المتسوقين لشراء الخضراوات من دكان مروان، أحد المحاربين القدامى، أحمد غنيم، وهو زعيم محلي لفصيل فتح المهيمن في منظمة التحرير الفلسطينية. وحذر من عواقب استمرار الهجمات المتكررة على السكان العزل وأنها ستؤدي في نهاية المطاف لانتفاضة جماهيرية، أو انتفاضة ثالثة. وقال غنيم: «نحن في مواجهة وضع حرج للغاية. أعتقد أن الانتفاضة تطرق الباب في الضفة الغربية. نحن مدنيون لا نملك أي قدرة على مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية الثقيلة. والطريقة الوحيدة التي نملكها للمقاومة هي قوة وقدرات الشعب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية