رام الله/ “القدس العربي”:
في حي جانبي، حيث تقع مجموعة كبيرة من الدوائر الحكومية وأبرزها مقر رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية يقع المجلس التشريعي الفلسطيني المغلق منذ سنوات في مدينة رام الله. تبدو علامات الزمن والإهمال على المكان، وتحديدا المدخل الرئيس للمكان الذي ضم أعضاء انتخابات أول مجلس تشريعي فلسطيني على مدى دورتين، الأولى 1996، والثانية 2006، ومن دون أن يكتب للثانية الاستمرار حيث تقطعت سبل انتخابات الفلسطينيين التشريعية وكذلك الرئاسية مع ظهور الانقسام السياسي الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس.
أمام المبنى البسيط يبدو كوخان صغيران من الصفيح الجيد، الأول يجلس فيه بشكل دائم رجل أمن من دون أن ينفذ أي مهمة، والثاني عبارة عن حمام متنقل لخدمة رجل الأمن الوحيد في كوخه الصغير، فيما اعتلى الصدأ سلاسل البوابة الخارجية، أما الباب الداخلي فآثار التراب والأوساخ وعدم التنظيف تؤشر إلى أنه عرضة لما تنقله الرياح إلى المكان الذي فقد أي حركة أو قدرة على حراك الحالة السياسية الفلسطينية منذ سنوات.
يعكس حال هذا المبنى واقع تجربة الانتخابات الفلسطينية والتشريعية التي توقفت بعد انتخابات 2006 حيث حملت النتائج انقلابا سياسيا وديمقراطيا مع فوز حركة حماس وخسارة حركة فتح، وهو ما خلق أكبر انقسام فلسطيني ما زالت نتائجه ماثلة حتى اليوم.
أما في تجربة الانتخابات المحلية (المتعلقة بالمجالس القروية والبلديات) فيبدو الحال أفضل قليلا، فهي تجري في الضفة الغربية وتغيب في قطاع غزة، حيث ترفض حركة حماس التي تدير حياة المواطنين الإدارية إجراء الانتخابات البلدية معتبرة أنه يمكن أن تجري في حال أنها كانت مرتبطة ومتزامنة مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
بين المحلي والتشريعي
يقسم د. طالب عوض، المختص في الشأن الانتخابي وقوانين الانتخابات الحديث عن واقع الانتخابات الفلسطينية إلى قسمين، الأول متعلق بملف المحليات (البلديات)، وهو ملف يعكس جانبا من مشهد الانقسام السياسي الفلسطيني، حيث إن استحقاقها متوقف في قطاع غزة منذ عام 2005 وحتى اليوم، وفي المقابل الضفة الغربية التي استمر إجراؤها في الأعوام 2012، 2017، 2021، وأهم ما نلاحظه أن حماس في الضفة كانت تشارك في هذه الانتخابات ولكن بطريقة غير مباشرة.
كان لمؤسسات المجتمع المدني مطلب دائم حول إجراء الانتخابات في قطاع غزة لكونها ترتبط بتقديم الخدمات الضرورية في الهيئات المحلية
ويضيف: لقد كان لمؤسسات المجتمع المدني مطلب دائم حول إجراء الانتخابات في قطاع غزة لكونها ترتبط بتقديم الخدمات الضرورية في الهيئات المحلية. فغزة من دون انتخابات منذ ما يقرب 18 عاماً، ومبرر حماس في عدم إجراء انتخابات المحليات نراه مبررا غير قوي في ضوء أن القانون ذاته ولم يتغير.
ويشير عوض إلى أن النظام الانتخابي لم يتغير، فالتمثيل النسبي عليه توافق فلسطيني، كما أن الفلسطينيين أنجزوا ملف المحكمة الخاصة بالانتخابات في 2017، وهي توفر خروجاً من الإشكاليات القانونية المختلفة.
ويتحدث عوض عن آخر انتخابات أجريت في الضفة عام 2021 قائلا: “كان التصور أن تعقد في الضفة وغزة، وفي نفس اليوم، لكن القرار جاء أن تتم على مرحلتين وهو ما دفع مؤسسات المجتمع المدني إلى اشتراط أن يتم تحديد فترة المرحلتين قبل إجراء الانتخابات”.
ويؤكد عوض في هذا السياق أن أبرز ما يلاحظ في هذه الانتخابات يرتبط بمشاركة المواطنين الكبيرة والمهمة والواسعة عند مقارنتها مع دول عربية، وهو يقلل من وجود قوائم كثيرة فازت بالتزكية (من دون إجراء انتخابات) حيث “اقتصر ذلك على المواقع الصغيرة”.
ويشدد على مسألة إجراء الانتخابات في غزة أيضا في ضوء أن المحليات لا تثير حساسية ملف عقدها في القدس المحتلة، بحيث يتجاوزها الجدل العام بالانتخابات التشريعية، في ظل أن هناك مجموعة من الهيئات المحلية في القدس يمكنها إجراء الانتخابات أما المدينة نفسها فهي من دون انتخابات منذ العام 1967.
وينتقل عوض إلى الحديث عن انتخابات المجلس التشريعي، فيسرد تاريخ هذه الانتخابات التي أجريت في أول مرة عام 1996، والمرة الثانية في عام 2006 حيث حصل بعدها خلاف على النظام الانتخابي إلى أن حدث توافق عليه عام 2019 وبموجب ذلك صدر مرسوم باعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل.
ويعقب بدوره على مرسوم الرئيس الفلسطيني الذي صدر في مايو/ أيار 2021، والذي نص على إجراء الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية، وخلال ذلك تم التعديل على قانون الانتخابات بالتوافق، أما النظام العام فبقي كما هو، إلى جانب اعتماد ميثاق شرف للعملية الانتخابية، وهو أمر شجع المواطنين للانتخابات بدلالة تقدم 36 قائمة انتخابية (مقارنة مع 11 قائمة عام 2006 وضمن النظام المختلط).
ويشير عوض إلى أن ارتفاع عدد القوائم يعتبر مؤشراً مهما على حيوية المجتمع الفلسطيني، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى أن القوائم التي كان يمكنها أن تفوز لن تتجاوز ال 11 قائمة.
لكن الرياح لم تجر حسب السفن الشعبية المتحمسة للانتخابات حيث أعلن في نهاية نيسان 2021 وقبل موعد إجرائها بقليل، ومع تعذر إجراء الانتخابات في القدس، عن صدور القرار بتأجيل الانتخابات، “أما نحن فنقول إنها ألغيت، بدلالة مرور عامين على القرار فيما مصيرها مجهول”.
اتفاق الجزائر
يشدد عوض بدوره أن مؤسسات المجتمع المدني ترى أن الانتخابات وخاصة التشريعي مسألة مهمة جداً في ضوء وجود اتفاق الجزائر الذي نص على موعد جديد (خلال عام من توقيع الاتفاق). “لكن لقد انقضى ما يقرب من ستة أشهر على ذلك دون أن يكون هناك إجراءات حقيقية على الأرض، فالزخم والحماس غائبان من طرفي الانقسام فتح وحماس”.
وعن تأجيل الانتخابات بفعل طرفي الانقسام يقول الخبير في الشأن الانتخابي عوض إن الجو العام لا يؤشر إلى تحقيق أو إجراء مسألة مرتبطة بحق مرتبط بالناس في ظل وجود الخلاف السياسي، فـ”في كل دول العالم تقوم الانتخابات بحل الخلافات إلا في السياق الفلسطيني، حدث في بلغاريا أن أجريت الانتخابات الخامسة خلال سنتين، في إسرائيل الحال ذاته، رغم أنه في سياق التجربة الفلسطينية أنجز الكثير من الأمور الجوهرية المتفق عليها مثل: قانون انتخابات، ولجنة انتخابات، ومحكمة خاصة بالانتخابات، أما ما بقي فهو الشروع بتحديد الموعد والاتفاق على إجراء الانتخابات وهي مسألة بحاجة إلى حوار حقيقي.
أكبر عامل يؤثر في عدم إجراء الانتخابات من عدمه يرتبط بطبيعة الحشد الشعبي المجتمعي الذي يمكن أن يدفع الحزبين الرئيسين لإجراء الانتخابات
هنا يؤكد عوض على “أن أكبر عامل يؤثر في عدم إجراء الانتخابات من عدمه يرتبط بطبيعة الحشد الشعبي المجتمعي الذي يمكن أن يدفع الحزبين الرئيسين لإجراء الانتخابات، وهذا حتى اللحظة يعتبر ضعيفا. فنحن أمام قوتين أساسيتين وفي حال لم يدعما إجراء الانتخابات فلن تتم، نحن أمام سلطة ومعارضة في نفس الوقت، هناك سلطة حماس في غزة ومعارضة في الضفة، والعكس بالنسبة لحركة فتح”.
غير أن ما يقلق عوض هو ما تثيره الأرقام الكبيرة “نحن أمام جيل جديد لم يجرب الانتخابات، هناك مليون ونصف فلسطيني لم يسبق لهم أن انتخبوا ولو لمرة واحدة في حياتهم، فيما هناك مليونان و600 ألف مواطن يحق لهم التصويت والسبب الانقسام، فيما إجراء الانتخابات هو الطريق الوحيد لضمان التخلص من الانقسام ذاته”.
وعلى عكس ما جاء في اتفاق حوار الجزائر يطالب عوض أن يذهب الفلسطينيون إلى الانتخابات مباشرة من دون تشكيل حكومة جديدة تعمل لمدة عام كي تحضر للانتخابات، “الحكومة لا دور لها سوى تقديم الدعم اللوجستي وضمان حالة الأمن عند عقدها”.
مؤشر قياسي سطحي
في سياق آخر لا يبدو الخبير في شؤون البلديات الدكتور أحمد أبو الهيجا متحمسا للانتخابات ذاتها وتقديمها على أنها ستكون أساسا في تطور وانتقال المجتمع لمرحلة متقدمة سياسيا، حيث يرى أبو الهيجا بضرورة النظر إلى الانتخابات على أنها مؤشر للديمقراطية السياسية في فلسطين، في ظل أن مسار الحريات كله معطل بشكل كامل مع غياب الديمقراطية الاجتماعية.
فالانتخابات حسب أبو الهيجا هي مؤشر وليست حقيقة الديمقراطية، وهي محدد قياسي سطحي لا تقدم ولا تؤخر في واقع الدولة.. “فتجربة الانتخابات المحلية تشير إلى أنها تجربة لم تعمل على إحداث تغيير حقيقي، والمؤكد أنه فيما لو جرت انتخابات تشريعية فإنها ستتم في سياق مشوه حيث الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبارة عن حريات مشوهة و”مضروبة”، وهو ما يعتبر أمراً سلبيا حتى لو جرت الانتخابات”.
يتابع قائلا: “نحن نرى هيمنة رأس المال، وضيق أفق التيارات الدينية، وتنامي ممارسات قمع النساء، والأهم تحالف الفساد مع منظومة الاستبداد، وهي كلها عوامل تعيق الديمقراطية السياسية”.
ويحاجج أبو الهيجا أنه في حال لم يكن هناك انقسام سياسي فإن مناخ الحرية في فلسطين لن يكون إيجابياً أيضا، فالمشاكل المرتبطة بالحريات الاجتماعية متجذرة والمؤكد أنه لن يحلها إنهاء الانقسام.
ويرى أبو الهيجا أن الديمقراطية السياسية في السياق الفلسطيني مركبة على توازنات من قوى معينة، “هذه التوازنات تهيئ للمتابع ظاهرياً أن هناك مناخا ديمقراطيا، لكن الحقيقة تقول عكس ذلك، ففي اللحظة التي يختل فيها التوازن تغيب الانتخابات ولا تصبح مسألة أولوية”.
ويعقب على الانتخابات المحلية في الضفة الغربية بـ”الشكلية والمفصلة على المقاس والمشوهة، هناك إجراءات سليمة في ممارسة الانتخابات، لكن ما قبل فعل الترشح وما بعده تغيب الحرية كثيرا، فلا حرية ترشح ولا حرية دعاية ولا حرية ممارسة سياسية، سنضرب مثالاً في الانتخابات الخاصة بالنقابات، فباستثناء النقابات الخاصة بالأطباء والمحامين نجد أن هناك غيابا لمظاهر الانتخابات الديمقراطية. وما نلاحظه أن هناك جهودا تبذل من أجل إجهاض مظاهر التغيير داخل هاتين النقابتين”.
في رأي الخبير في شؤون البلديات أبو الهيجا فإن الانتخابات المحلية في الضفة الغربية امتازت بكونها بلا دلالة، إنها تمثل “كوكتيلا من خليط عشائري يغيب عنه المجتمع المدني والنخب السياسية”.
يضيف أبو الهيجا مدللا على فرضيته: “أنه من المعروف أنه كلما قلت الكثافة السكانية في المواقع الانتخابية كلما ارتفع البعد العائلي وأصبح أشد، لكن الملاحظ أيضا هو أن الصراع العائلي أخذ غطاء تنظيميا، فحركة فتح تحالفت مع العائلات، وفي أحيان كثيرة ظهر أن العائلة كانت أقوى من التنظيم (حركة فتح) حيث أفرزت العائلة الواحدة أكثر من قائمة، وهو أمر قاد إلى أن تعكف الحركة على تبني أي قائمة، حيث اعتبر التنظيم جميع القوائم تتبع له وتمثله أيضا في مفارقة جديدة”.
هنا يشدد أبو الهيجا على أن الشيء الصحيح في المكان الخطأ يفرز خطأ، ويتابع: “قد تكون الإجراءات الشكلية في الانتخابات سليمة، لكن عندما يكون النظام مشوهاً تكون النتيجة مشوهة أيضا، فإحدى إفرازات أوسلو أنه حطم الحركة الوطنية وقتل قوة الأحزاب لصالح قوة العشائر التي سيطرت على الأحزاب حيث أصبحنا نرى أحزاباً تحتمي بواجهات عشائرية”.
يكمل في إفرازات أوسلو أن المجتمع الفلسطيني يعاني من فقدان الثقة بينه وبين المؤسسة الرسمية، فهناك عزوف وشك في المجتمع تجاه المؤسسات الرسمية، كما أن السلطة ذاتها التي تحتفي بالانتخابات البلدية عملت على إفراغ البلديات من مضمونها عبر سلبها صلاحياتها، فأصبحت أجساما مفرغة من كثير من مواردها وأدوارها، “إنها أجسام كرتونية”.
ومن ذلك يستخلص أبو الهيجا أن النظام السياسي بالمجمل لا يريد انتخابات تقود إلى إنعاش الساحة الفلسطينية، وأمام هذا الموقف كان لا بد من مظهر أو شكل ديمقراطي لا يمنح أي دلالة، ولا يقدم أي مؤشر داخلي، فكان الخروج بتجربة المحليات، وهو أمر أسلم للسلطة الفلسطينية في ظل أن لا مؤشرات تظهر بعد إنجازها بحيث يمكن أن تشكل مصدرا تهديدا له.
وتابع: “هناك حالة من رمي الملف للمستقبل، فليس هناك موعد محدد لعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فالأزمات السياسية كانت سببا للهروب من استحقاقها”.
ويرى أبو الهيجا أن مشهد انتخابات المحليات هو “طعم للقوى الدولية في حدها الأدنى، أما من ناحية تقنية فهي مفيدة لمؤسسات الدولة وتحديدا لوزارة الحكم المحلي”.
وبحسب أبو الهيجا فإن ما يعتبر مكتسبا وإنجازا مهما في التجربة الفلسطينية هو أنه تم المحافظة في الضفة وغزة على لجنة الانتخابات المركزية، “هذه نقطة إيجابية مضيئة لم يتم العبث بها من طرفي الانقسام حيث يتمتع الجسم باستقلالية ومهنية، وهو ما منحها دوراً في أن تكون قاسماً مشتركا يحقق ضمان انتخابات شفافة”.
مثلا الانتخابات البلدية في سياق الضفة الغربية لم تكن تجربة جيدة، ولم تصنع فارقاً إيجابيا بحياة الناس، ما أريد أن أقوله إن الناس عندما تتنازل عن منظومة الحريات بمجملها يصبح لا قيمة لإجراء انتخابات هنا أو هناك فنحن بحاجة لتحصين وحماية مكتسبات الحريات الاجتماعية. لا يعقل أن نعيش في ظل حالة من الخنوع والتنازل ثم نتأمل التغير في صندوق الاقتراع هذا لن يقدم لنا أي شيء.
يخلص أبو الهيجا مجملا حديثه أنه من غير المقبول إجراء انتخابات حرة ونزيهة على مستوى جمعية من جنين شمالاً إلى رفح جنوباً، فالعقلية الفلسطينية واحدة. حيث الإيمان بقيمة حق الناس في الاختيار غير موجودة.
ويختم أبو الهيجا قائلا: “عقدت الانتخابات المحلية في الضفة ومنعت في غزة، لكن الأهم فلسطينيا مؤجل، والجميع بانتظاره، لكن متى فهذا ما لا نعرفه”.