في فلسطين: حكومة تحاصر شعبها

حجم الخط
0

د. انيس مصطفي القاسم

لا يتصور احدٌ ان مندوب دولة من الدول يتصدي في مجلس الامن مطالبا اعضاءه برفض مشروع بيان يصدر عن المجلس يطالب بتقديم المساعدة الانسانية لشعب ذلك المندوب، في وقت يعاني فيه من حصار دولي يهدد حتي وصول الغذاء والدواء والماء، ويغتال قدراته الذاتية في الاعتماد علي نفسه مما ينتجه ويصدره. اذ كيف يقف مندوب شعب رافضا رفع المعاناة عن شعب هو يمثله؟ هذا الذي لا يتصور وقوعه هو بالضبط ما قام به مندوب دولة فلسطين في مجلس الامن مؤخراً عندما عُرِضَ علي المجلس مشروعُ بيانٍ باعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة يجب تقديم المساعدة الانسانية الدولية لابنائه. تقدم مندوبا قطر واندونيسيا بمشروع القرار هذا، وقطر هي العضو العربي في مجلس الامن، بعد ان رُفع الحصار عن الضفة الغربية وبقي قائما بالنسبة لقطاع غزة بعد الاحداث التي وقعت هناك. والمعروف ان الحصار الكامل قد فرض علي الضفة والقطاع في اعقاب فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي مكافأة من الدول الديموقراطية للشعب الفلسطيني علي الاستجابة لها بممارسة الديموقراطية بنزاهة وشفافية كانت محل اعجاب وتقدير العالم كله. هذا الحصار بقي قائما بعد تشكيل حكومة حماس وبعد استقالة هذه الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية نالت ثقة المجلس التشريعي المنتخب وثقة جميع الفصائل الفلسطينية. استمر الحصار تعبيرا عن مدي مصداقية دعاة التغيير الي الديموقراطية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الامريكية. ولكن عندما حدث ما حدث في غزة وبعد اقالة حكومة الوحدة الوطنية واعلان حالة الطوارئ وتاليف حكومة لم تَحْظََ بنيلِ الثقة من المجلس التشريعي المنتخب وفقا للاصول الدستورية، اصبح الوضع مقبولا لدي امريكا واسرائيل والاتحاد الاوروبي ورفع الحصار عن الضفة فقط، ولكنه بقي قائما بالنسبة للقطاع. هذا الوضع هدد بكارثة انسانية في القطاع لانقطاع وصول الغذاء والدواء والكهرباء والماء وغيرها من المواد والخدمات الاساسية ولتوقف الحياة الاقتصادية واصابتها بالشلل نتيجة لاغلاق امكانيات تصدير ما كان يصدره القطاع للضفة والخارج. ونتيجة لذلك دأبت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين علي استصراخ العالم لتجنب كارثة انسانية كان يتعرض لها اهالي القطاع من لاجئين وغير لاجئين. ازاء ذلك تقدم مندوبا قطر واندونيسيا بمشروع البيان لمجلس الامن معبرا عن القلق العميق من تدهور الحالة الانسانية والاقتصادية ومشددا علي كفالة وصول المساعدات الانسانية للقطاع بدون عوائق، ومؤكدا علي اهمية الحفاظ علي وصول الامدادات بالوقود والكهرباء والماء، وداعيا المجتمع الدولي الي مواصلة تقديم الدعم والمساعدات الانسانية الطارئة لتلبية احتياجات الشعب الفلسطيني في القطاع منها. وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها احد ان وقف مندوب فلسطين في الامم المتحدة يعارض مشروع البيان ويحث الاعضاء علي عدم الموافقة عليه علي اساس ان هذا الامر شان داخلي فلسطيني لا يجوز لأحد التدخل فيه، وكأن الفلسطينيين، سواء في الضفة او القطاع، يسيطرون سيطرة كاملة علي حياتهم الاقتصادية وما يصل اليهم من خدمات كهربائية ومائية او واردات، ولا تتحكم اسرائيل في هذا كله وان موافقتها شرط لوصول قطرة حليب للاطفال او قطرة ماء او رغيف خبز. اننا لا ندري بطبيعة الحال ما اذا كان ذلك المندوب يتصرف وفقا لتعليمات وردت اليه من رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية او من وزير الخارجية الفلسطيني او من رئيس السلطة الوطنية، او انه كان يتصرف وفقا لاجتهاده او اعتقاده بان هذا التصرف هو الذي يرضي فتح، سيدة الموقف في الضفة، او ان من واجبه، اذا كان فتحاويا، ان يناصر فتح ضد حماس علي حساب تجويع الشعب الذي يفترض فيه انه يمثله. ومهما كان سبب تصرفه فان ذلك لا يعفي المسؤولين عنه من المسؤولية، فالقضية اكبر بكثير من الا يتدخل فيها رئيس السلطة نفسه الذي هو في الوقت ذاته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وان يكون تدخله لتحرير الحياة الفلسطينية من القيود التي يفرضها احتلال غير شرعي، بدلا من الاعتراف بهذه القيود والحرص علي الالتزام بها. وكما هو المتوقع، فقد كان موقف مندوب فلسطين موضع استهجان كبير من الاعضاء في مجلس الامن ولدي مراسلي الصحف الاجنبية، عبر كثيرون منهم عنه بعبارة بسيطة وهي انهم لا يفهمونه. ونستطيع ان نتصور ما كانوا يتندرون به في مجالسهم عن مستوي المسؤولية التي يشعر بها ممثلو الشعب الفلسطيني حيال شعبهم والطريقة والمناسبات التي يمارسونها فيها. ويبدو ان هذا المندوب ومن وراءه قد غرقوا في متاهات الفئوية وضيق الافق بحيث تصوروا انهم يعاقبون حماس بمعاقبة الشعب، علي امل ان يثور ضدها بسبب ما يعانيه من ضائقة. ويبدو كذلك انهم قد نسوا انه يفترض فيهم انهم يمثلون فلسطين كلها وشعبها كله في المحافل الدولية علي الاقل، وانه يجب التركيز في هذه المحافل علي مصلحة الشعب كله، بعيدا عن الاعتبارات الداخلية الفئوية او الحزبية. المنطق الاسرائيلي الامريكي يحاول ان يبث التفرقة والتجزئة، ويحاول ان يعاقب او يكافئ وفقا لما يتصوره من مصلحته. وهذا طبيعي بالنسبة لاسرائيل وامريكا وكل دولة اخري، وهو بالذات المنطق الذي يجب مراقبته والتنبه له وعدم السير في ركابه. الشعب الفلسطيني شعب واحد ومصلحته كشعب مصلحة واحدة وكذلك بقاؤه والحرص علي حقوقه. ان محاولة جر مغانم التماهي مع السياسة الاسرائيلية الامريكية لابناء الضفة مع حرمانٍ يُفرَضُ علي القطاع سيؤدي حتما الي عكس ما يتوهمون، وانه لا يثير غضب اهلنا في القطاع فقط وانما سيثير حفيظة ابناء الضفة انفسهم، وسيشعر الجميع بانهم قد اصبحوا رهينة للارادة الاسرائيلية الامريكية، وان الحكومة ليست حكومتهم جميعا ولا تحرص اولا واخيرا علي مصلحتهم هم، وان مندوبها، بهذا الدور في الامم المتحدة، قد خذل مشاعرهم ونضالهم المشترك وتاريخهم ووحدتهم ولم يعد جديرا بتمثيلهم. شعبنا في الانتفاضة الاولي والانتفاضة الثانية تقاسم اللقمة لكي لا يعاني احد، وكان المثالَ في التكافل والتعاون. وتاتي هذه الخطوة من جانب المسؤولين الفلسطينيين في الاتجاه المعاكس تماما، فبدلا من الاصرار علي ان الشعب الفلسطيني شعب واحد في السراء والضراء وفي مواجهة الملمات، ولا يجوز التمييز بين ابنائه في حقوقهم الانسانية علي الاقل، وان القيود اللاشرعية التي يفرضها الاحتلال يجب ان تزول، جاء هؤلاء ليعلنوا للعالم اجمع في محافل الامم المتحدة بان هذا ادعاء باطل وان الشعب ليس شعبا واحدا متكافلا متضامنا، وانما يجب التمييز بين ابنائه حتي في امور تمس صميم الحق في الحياة، كالحق في الغذاء والدواء والماء، علي امل تركيعه جوعاً بعد ان تعذر علي الوسائل الاخري تحقيق هذا الهدف. المطلوب هو الاصرار علي رفع الحصار عن الشعب كله، لا عن جزء منه، والاصرار علي تنفيذ اتفاقية المعابر تنفيذا اميناً، بوصفها واحدة من الاتفاقيات التي ابرمتها السلطة مع اسرائيل فبل مجيء حماس للسلطة. ومن حق الرئيس وواجبه الاصرار علي ذلك اذا اريد ان يكون لهذه الاتفاقيات اية جدوي او قوة الزامية. فاذا كانت حماس مطالبة بالالتزام بهذه الاتفاقيات، فمن باب اولي ان يلتزم بها من وقع عليها، لا سيما وان حماس وغيرها من ابناء الشعب الفلسطيني يقرون بشرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وشرعية الحكومة التي ابرمت تلك الاتفاقية. ومن حق الشعب الفلسطيني ان يري التزاما بها من جميع الاطراف. ويبدو ان الحكومة الفلسطينية الحالية هي اول من يبحث عن الاعذار لعدم تنفيذ تلك الاتفاقية، مع انه يفترض فيها، حسب بيانها الوزاري، انها تلتزم بخطة الرئيس ابو مازن. فاذا كان الرئيس يصر علي قبول حماس للاتفاقيات السابقة فالمفروض ان ذلك جزء من خطته الملزمة للحكومة الحالية، مهما كانت المطاعن في شرعيتها، لانه هو الذي انفرد باختيارها. غير ان الواضح هو اعفاء اسرائيل من الالتزام بما توقع عليه مهما كانت معاناة الشعب الفلسطيني، ولذا يبدو ان الضغط يجب ان يتجه نحو الحكومة الفلسطينية لتذكيرها بواجبها، ولا نتصور ان حماس ستغلق المعابر امام شحنات المواد الغذائية او تقفل صنابير المياه او تقطع الطريق علي صهاريج البنزين القادمة للقطاع، وان كان ذلك يتم وفقا لاتفاقيات معابر لم تكن هي طرفا فيها. والغريب ان حماس كانت تصر علي احترام اتفاقية المعابر لدخول العالقين علي الحدود الفلسطينية ـ المصرية في حين رأت الحكومة الفلسطينية تجاوز هذه الاتفاقية وعبور العالقين عن طريق اسرائيل. امر غريب في الاصرار علي احترام الاتفاقيات. انها لمأساة في ممارسة المسؤولية، ولا يجوز لاي فلسطيني، مهما كان انتماؤه التنظيمي او موقفه من حماس او من فتح، ان يقف محايدا من هذا الحصار ومن الداعمين له، وهو حصار تستخدم فيه حكومة تدعي انها تمثل الشعب الفلسطيني كله سلاحَ التجويع او الحاجة للماء والدواء لفض نزاع علي السلطة. فاذا كان الامر عل هذا الوجه مع سلطة تدعي الشرعية، فما الذي يمكن توقعه من دولة الاحتلال؟ وانه يوم عار علي ممثل فلسطين في الامم المتحدة وعلي من اصدر له التعليمات باتخاذ هذا الموقف، اذا كانت قد صدرت تعليمات من هذا القبيل، ان يناور، لا لرفع الحصار عن شعبٍ يدعي انه يمثله، وانما لتامين استمرار ذلك الحصار، بل وقطع الطريق علي محاولات انسانية قادمة قد يقوم بها البعض في هذا الاتجاه. عار وأي عار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية