في فلسطين ولبنان والعراق.. لا بد من قراءة تفكيكية ومنحازة حتي تكون موضوعية
اسامة ابو ارشيدفي فلسطين ولبنان والعراق.. لا بد من قراءة تفكيكية ومنحازة حتي تكون موضوعيةانه القرن الامريكي المهيمن. انه الشرق الاوسط الجديد الذي بشرنا به الرئيس الامريكي جورج بوش. وهي كذلك آلام المخاض التي وصفتها لنا وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس.في فلسطين، يراق الدم الفلسطيني حارا غزيرا بأيد فلسطينية. والأدهي ان قتلي الصدامات الداخلية الفلسطينية-الفلسطينية فاقت الشهر الماضي والحالي عدد الشهداء الذين سقطوا بالرصاص الاسرائيلي بما لا يقل عن ثلاثة اضعاف. ولكن من يتحمل المسؤولية؟ البعض سيقول امريكا واسرائيل، والبعض الآخر سيلحق بهما دولا عربية اخري. في حين قد يؤكد البعض علي مسؤولية فتح او حماس او كلاهما. وقد يكون كل ما سبق. ولكن الحقيقة التي تغيب عن بال كثيرين، ان الوصفة الامريكية الجديدة في المنطقة لتضمن تولي حلفاءها زمام الامور، تستبطن خلق طابور خامس من العملاء لاشعال الحروب الاهلية، وتهميش كل قوي المقاومة والممانعة في المنطقة. ما يحدث في فلسطين المحتلة اليوم، ليس صداما بين حماس وفتح، ولا هو بين رئاسة وحكومة، كما انه ليس صداما بين ناجح في الانتخابات وفاشل فيها.. بل هو صدام بين مشروعين. مشروع عمالة وخيانة ومشروع تحرر واستقلالية. نعم، لقد خطفت فئة ضالة قليلة، ولكن يدها طويلة، حركة فتح، وانقلبت علي تراثها وتاريخها النضالي الطويل. وذات الفئة التي تآمرت في السابق علي حياة الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، تعود اليوم لتتآمر علي الشعب الفلسطيني، وذلك لرهن مستقبله وقضيته للاجندة الاسرائيلية-الامريكية. ولذلك اؤكد مرة اخري، ان الصراع ليس صراعا بين فتح وحماس، ولا هو بين حكومة ورئاسة، بقدر ما انه صراع بين من يريد بيع فلسطين بثمن بخس ليعيش هو ويعتاش عليها، وبين من يريد ان يعيد الألق لقضية عادلة يريد بعض ابنائها ان يجهضها.وهكذا تخطئ كل تلك التحليلات التي تساوي بين الطرفين (حماس وفتح) في تحمل المسؤولية. فثمة هنا من يدافع عن شرعية جاءت بها صناديق الاقتراع، معبرة عن ارادة شعبية، وهناك من يريد الانقلاب علي هذه الشرعية، لانها اضرت بمصالحهم. في كل مرة كانت المفاوضات بين حماس وفتح تصل الي مرحلة الاتفاق علي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، كانت فتح وابو مازن، يخلان بهذا الاتفاق بذرائع وحجج مختلفة وواهية. تخيلوا ان الفصيل المهزوم في الانتخابات، يفرض شروطه علي الفصيل الفائز بتفوق، والقادر علي تشكيل حكومته وحده بدون اي تحالفات! تخيلوا ان الرئيس اليوم (ابو مازن) عندما كان رئيسا للوزراء تحت الرئيس عرفات، كان يريد تشليح هذا الاخير من كل صلاحياته، بدعم امريكي-اسرائيلي وبعض عربي. وها هو اليوم يشلح حكومة حماس، كل الصلاحيات، التي كان يطلبها لنفسه من عرفات، ومرة اخري بدعم امريكي ـ اسرائيلي وبعض عربي! لا يمكن الحديث ابدا هنا عن مسؤولية الطرفين بذريعة الموضوعية. فأي قراءة موضوعية للاحداث في النسق الفلسطيني، ينبغي ان تكون منحازة للطرف الذي فاز عبر صناديق الاقتراع، والا فانها لن تكون موضوعية. ان الوضع هناك يمكن توصيفه ببساطة، علي انه محاولة انقلاب عسكري علي الشرعية لصالح اطراف خارجية، ولا بد من وأد هذا الانقلاب بكل السبل المتاحة، والا لكان ذلك خيانة من المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينيين لاصوات الناخبين وارادة الشعب.وعودة الي قضية الصدام بين المشروعين. فبعد لقاء وزيرة الخارجية الامريكية مع ابو مازن في رام الله (30/11/2006) صرحت رايس لقناة فوكس نيوز الامريكية بانها طلبت من ابو مازن ان لا يقبل بحكومة كفاءات او تكنوقراط، وذلك لانها ستكون عاجزة عن تحقيق اي تقدم في سياق المطالب الغربية، وذلك ما دام التشريعي لا زال تحت سيطرة حركة حماس. فاذا كانت رايس لا تقبل بحكومة كفاءات لا تمثل فيها حماس او فتح معا، او انهما يمثلان فيها، ولكن علي مستوي افراد غير بارزين في التنظيمين، فكيف اذن ستقبل بحكومة وحدة وطنية معلنة بين حركتي حماس وفتح تحديدا، وباقي الكتل التشريعية الاخري بشكل عام!؟ ابعد من ذلك، وكما تناقلت بعض الصحف عن مسؤولين فلسطينيين محسوبين علي حركة فتح ومؤسسة الرئاسة، فان رايس ضغطت، ولا تزال، علي ابو مازن، من اجل حل المجلس التشريعي والحكومة، والدعوة الي انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة. اذن، واضح ان حل المجلس التشريعي وبالتالي الحكومة الفلسطينية، هو المطلوب امريكيا، ومن هنا لا يمكننا ان نفهم اصرار ابو مازن ومعه فتح علي الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، الا علي انه تساوق مع الموقف الامريكي، والاسرائيلي طبعا. اليس هذا صداما بين مشروعين!؟ ومنطقيا، من وجهة نظر امريكا واسرائيل، لماذا يتم التفاوض مع حماس، حتي ولو اعترفت باسرائيل، ويبتعدان عن فتح!؟ ففي كل الاحوال فتح وابو مازن سيقدمان تنازلات اكبر مما يمكن ان يقدمه خالد مشعل وحركة حماس. للاسف ينبغي الاعتراف بحقيقة، بقدر ما انها مرَّة، ولكنها واقع قائم، انه لولا تكشير حماس عن انيابها في غزة، لكان عباس قد حل المجلس التشريعي والحكومة منذ زمن طويل، بدون حتي الدعوة لانتخابات مبكرة. ولولا اصرار حماس علي التصدي لمن تسميهم بالانقلابيين، لكان قادة حماس اليوم يرفلون في قيودهم في معتقلات محمد دحلان، يسومهم سوء العذاب. هذا هو الواقع، احبه من احبه وكرهه من كرهه، ولكنه الواقع. الا اذا كان هناك عبقري يمكن له ان يفسر لنا عشرات الملايين من الدولارات الامريكية، فضلا عن الاسلحة والتدريب المقدمة لعباس واجهزته الامنية وخلصائهم من حركة فتح. لا اظن ان ايا من اصحاب المدرسة الموضوعية قادر علي ان يدعي ان هذه المساعدات، فضلا عن السماح الاسرائيلي بدخول لواء بدر الفلسطيني المدرب اردنيا، عبر قطاع غزة، يجيء في سياق تعزيز المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي. وبالتالي فان مسؤولية كل الدم الفلسطيني الذي اريق، وسيراق، لا قدر الله، بأيد فلسطينية تقع عهدته في رقبة ابو مازن ومن حوله ومعهم حركة فتح. اما في السياق اللبناني، فالوضع اكثر ضبابية. فمن ناحية لا يملك اي منتم للذات ان يؤيد حكومة السنيورة وتحالف الحريري وجنبلاط وجعجع من ورائها. فهؤلاء يريدون لبنان فلكا في المجرة الامريكية ـ الاسرائيلية في المنطقة. ولكن في الوقت ذاته، فقد خسر حزب الله القه الذي كان يتمتع به وذلك عندما كان حزبا مقاوما ضد الاحتلال الاسرائيلي. حزب الله بدأ يصطبغ اكثر فأكثر بلون مذهبي كان تجاوزه له في السابق سبب جماهيريته الواسعة في العالمين العربي والاسلامي. ومن ثمّ اضحي الناس في حيرة من امرهم. فهم ان دعموا حكومة السنيورة، فانما هم بذلك يدعمون سلخ لبنان من جسمه العربي الاسلامي، واما ان هم دعموا حزب الله، فان هذا الاخير لا يقدم لهم سببا واحدا يريح بالهم ويهديء من مخاوفهم من حضور البعد الطائفي في حساباته. لقد تورط حزب الله في اللعبة الطائفية عبر البوابة العراقية. ورطته قوي شيعية عراقية جاءت علي ظهر دبابات العدو ـ حسب فهمهم ـ الذي يلعنه حزب الله مساء نهار: امريكا . السنة في لبنان، والذين هم في مجملهم وغالبيتهم لا يقلون وطنية عن حزب الله، ليسوا ضد مشروع المقاومة، بقدر ما انهم خائفون من العمق المذهبي للحزب، والذي بدأ يبرز بشكل لافت في الآونة الاخيرة. السيد حسن نصر الله حذر من مخطط لخلق حروب اهلية وطائفية في المنطقة تستهدف شغل المقاومة تمهيدا لقلعها. وهو امر نتفق معه فيه. ولكن نتمني ان يدرك في ذات الوقت ان استحضار ثارات تاريخية وهمية او انها قد مضت، ولم يشارك فيها احد من ابناء اليوم، لن تفيد في افشال هذا المخطط اللئيم، بقدر ما انها تضمن نجاحه. اما في العراق، فتلك حكاية اخري. انها تراجيديا لا يعرف فيها من يقتل من ولماذا والي متي. انه التجسيد الابرز للانموذج الامريكي في المنطقة: حروب طائفية واهلية. لقد حذر وزير الخارجية الامريكي السابق كولين باول، الرئيس بوش قبل غزو العراق بان حال الولايات المتحدة سيكون كحال الفيل داخل محل الخزف، فهو اينما تحرك حطم الخزف والفخار من حوله. ومن يحطم شيئا يملكه. وهذا ما حدث. ادارة بوش مزقت العراق، والآن تحاول لصقه، ولكنها لا تستطيع. هي تريد الخروج من وحل العراق، ولكنها كلما رفعت رجلا للخروج غرزت الاخري، وهكذا دواليك. في العراق اليوم، يعيش الشيعة سكرة الزعامة عليه لاول مرة في تاريخهم. وهم في سبيل ضمان ذلك يشنون حرب ابادة ضد السنة هناك. كما ان بعض الجماعات السنية العنفية لا تقصر هي الاخري، ولذلك تجدها تفجر المساجد والحسينيات والاسواق. انه دم بريء يراق في العراق، في بلد لم يعرف يوما حروبا طائفية الا في الزمن الامريكي المتحالف مع الشيعة الجدد . ومع ذلك، فان نسبة من يقتل من السنة لا يقاس بمن يقتل من الشيعة. فالشيعة الذين يملكون كل مفاتيح القوة في العراق الجديد ، يقومون بحملة تصفية ممنهجة ضد السنة باسم الدولة ودون اي ضجيج، لولا انه اثير اخيرا مع اعدام صدام حسين.باختصار، صحيح ان ثمة من يستهدف هذه الأمة ويريد قلعها من جذورها، ولكنهم ادركوا انهم لن يحققوا ذلك الا عبر طابور خامس ضمن الجسد نفسه، وهذا ما فعلوه. انه صراع من ناحية علي مستقبل الامة، بين ان تحيا بكرامة واستقلال، وبين ان تبقي تبعا ابد الدهر. الا ان الامر الابلغ اثرا من هذا الطابور الخامس، هي تلك المذهبية التي اشعلها الشيعة الجدد في العراق، مدعومين للاسف من قبل ايران، والتي اصابت الجسد كله بمقتل وتهدد بتمزيقه شر ممزق. ومع ذلك فيجب ان يعلن وبوضوح ان اراقة الدماء علي اسس سياسية وطائفية وعرقية جريمة ما بعدها جريمة، وهي لا تقل جرما عن العمالة والتبعية. وكلمة اخيرة، فادارة بوش تصعد لهجتها اليوم حيال ايران. ويبدو ان السياسة الامريكية قد نجحت في تفكيك الدرع العربي والاسلامي الجماهيري الذي كان يحيط بايران ويقدم لها بعض الحماية. لقد ورطت امريكا ايران بلعبة مذهبية لتستفز المسلمين السنة وتبعدهم عنها، وقد حصل. انا هنا لا اتحدث عن تلك الدول الكرتونية السنية. فنحن نعلم انها متحالفة مع امريكا بالسراء والضراء. ولكننا نتكلم عن الرأي العام العربي والاسلامي السني، والذي صدم بحسابات ايران الطائفية والمذهبية في العراق ولبنان. ولكن الحقيقة التي ينبغي ان لا تغيب عن بال الجميع ان ضرب ايران، لن يعني ضربة لها فقط، بل انها ستعني ايضا ضربة لكل قوي الممانعة في المنطقة. انه فعلا واقع معقد ومترابط. فلا مكان فيه لابيض واسود، والامر يستدعي حسابات معقدة ودقيقة، علي الاقل علي ارضية تحالفات موضعية، كما الحال في فلسطين والعلاقة مع ايران. فلا التبعية لايران هي الحل ولا اعلان العداء لها حل ايضا.ولا مخرج من كل هذه الخربطة الا باعتبار الاسلام ناظما للجميع فوق كل المذهبيات والطائفيات والعرقيات. هذا الناظم ان تمّ استحضاره، فسينتحر الطابور الخامس بيديه، وستغيب لغة التصعيد بين مكونات الأمة، حيث سيعلو منطق المصير المشترك.كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن8