كشفت المقابلة التي أجرتها قناة “فوكس اند فريندز” الجمعة الماضية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجهاته في التعامل مع أسوأ وباء يجتاح الولايات المتحدة، وكانت الرسالة “لا تحملوني المسؤولية” عن عدد الإصابات التي تجاوزت مليون إصابة وأكثر من 79.000 وفاة. ولا تحملوني مسؤولية انهيار الاقتصاد وثلاثين مليون عاطل عن العمل. عليكم أن تحملوا الصين. وهي الرسالة التي تتردد منذ وقت في أروقة البيت الأبيض والإعلام الذي يؤيده مثل فوكس والتي يملكها روبرت ميردوخ، وتم التركيز فيها على الصين كطرف مسؤول عن الوباء الذي اجتاح العالم وسط حرب كلامية دائرة بين البلدين.
فرص ضائعة
فمنذ اكتشافه عدد الوفيات ومن يموت في هذه الأزمة قرر ترامب أن يحرف النقاش في الولايات المتحدة عن قصور إدارته وتأخرها بالرد على كوفيد-19 الذي انتشر مثل الهشيم. وبات معلوما أن إدارة ترامب ضيعت فرصا وقللت من خطورة المرض، وفكر ترامب مثل بقية الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا أن الصين بعيدة وأن المرض الذي بدأ بالانتشار هناك سينحصر في البؤرة الأولى وهي مدينة ووهان. وكان ترامب يعتقد أن الوباء لن يؤثر على حظوظ انتخابه، فنحن في عام انتخابات وبعد ستة أشهر سيقرر الناخب الأمريكي رئيسه للسنوات الأربع المقبلة. وكانت حملة ترامب تعول على الاقتصاد، وتفاخر “صانع الصفقات” بأنه أقام أقوى اقتصاد في العالم. ولكن الحملة انهارت سريعا مع بداية تصاعد أعداد الإصابات والوفيات. ومن هنا قرر الرئيس ترامب أن يكون نجم الإيجازات اليومية ويواجه الإعلام في محاولة لتمرير رسائله الانتخابية التي باتت حملته تكافح من أجل تمريرها في ظل السخط العام على طريقة الإدارة المتخبطة في التعامل مع الأزمة. وما كشفت عنه عدة استطلاعات عن تراجع في شعبية الرئيس.
قائد حرب يهرب من المسؤولية
ومن هنا فرسالة “لا تحملوني المسؤولية” هي جزء من التحلل من الأخطاء ورمي التهمة أولا على منظمة الصحة العالمية التي اتهمها بأنها أخفت معلومات عن الرأي العام العالمي حول أصول الفيروس. ووجد ترامب وأنصاره في تغريدة للمنظمة في 14 كانون الثاني/يناير قللت فيها من إمكانية انتشار المرض من شخص لآخر. ورغم أن المنظمة غيرت الرسالة عندما بات واضحا أن الفيروس قد قفز من حيوان بري إلى شخص. ولم يغفر ترامب المتقلب المتخبط بالأزمة فعاقب المنظمة وشن حربا عليها وقطع المشاركة الأمريكية ودعا للتحقيق في دورها في انتشار الوباء. وهذه هي طريقته المعهودة في حرف المسؤولية عنه وتحميلها لطرف آخر. فمنذ انتخابه أظهر هوسا في إرث باراك أوباما الذي حمله كل آثام أمريكا، فكل مأساة هي من صناعة أوباما وإدارته السابقة، ولهذا ظل يفكك كل إنجاز حققه أول رئيس أمريكي أسود. ومع أن المنظمة دافعت عن نفسها وقالت إنها كانت واضحة في تمرير الرسائل إلى الحكومات وأن الممثلين الأمريكيين فيها كانوا يرسلون للإدارة تقارير يومية حذروها من خطورة الوباء إلا أن ترامب قرر تجاهلها. وكعادته أشغل الإعلام في محاولة اتهام المنظمة الدولية، في محاولة للتغطية على قصوره. ومن هنا تقول صحيفة “لوس أنجليس تايمز” (8/5/2020) أن رسالة لا تحملوني المسؤولية مخاطرة تقوم على افتراض أن الناخب الأمريكي سيكافئه ولن يحمله مسؤولية الكارثة التي حدثت أمام ناظريه. وفي تلك المقابلة الطويلة قال إن ما حدث كان متوقعا وأنه سيعيد عجلة الاقتصاد إلى ما كانت عليه. وأردف أن الديمقراطيين لم يلوموه على ما حدث، وهو ما رفضه القادة الديمقراطيون. وتعلق الصحيفة أن أي رئيس لا يحب تحمل المسؤولية عندما يحدث أمر سيء ولكن الغرابة تنبع من رئيس نصب نفسه “قائد حرب” ولكنه قرر أنه لا يتحمل المسؤولية ولا حتى التأثير. وهو وضع بزعيم الحرب البريطاني بوريس جونسون، عندما أشغلت إصابته بكوفيد-19 الرأي العام البريطاني وتم تناسي الضحايا الحقيقيين في الحرب ضد كوفيد-19 وهو ما دعا بولي توينبي لوصفه في صحيفة “الغارديان” (20/4/2020) بأنه الزعيم السيء في الوقت الخطأ والمنصب الخطأ.
المتنمر الآخر
لكن الأمر في حالة ترامب تجاوز التحلل من المسؤولية إلى نقلها إلى الصين. وتكراره مع وزير خارجيته مايك بومبيو، الذي يعرف ما يفكر به سيده ويتصرف بناء عليه. وهي نظرية تسرب فيروس كورونا من مختبر ووهان للفيروسات. وهو أكبر معهد في العالم مكرس للفيروسات الخبيثة. وظل بومبيو يصف الفيروس بـ “فيروس ووهان” وخرب اجتماعا لمجموعة الدول السبع الكبار عندما أصر على تضمين الوصف في البيان الختامي، حيث خرج المجتمعون بدون بيان. ورأى معلق صحيفة “واشنطن بوست” (5/5/2020) أن أكبر دبلوماسي أمريكي، أي بومبيو انشغل وسط الحرب الدائرة على الفيروس بالموضوعات المحببة إلى نفسه خاصة إيران التي أضاف إليها الصين، حيث أصبح متنمرا ويتصرف ببلطجية عالية أدت لدهشة نظرائه من الدول الحليفة في أوروبا وآسيا. ففي هذه الظروف الطارئة يتطلع المجتمع الدولي لقيادة يثق بها وكانت غائبة في كوفيد-19. بل وبات الحلفاء لأمريكا يخشون من مغبة تصرفات ترامب وحلفائه الذين يدفعون للمواجهة مع الصين التي تتحمل جزءا من المسؤولية وعليها الإجابة على عدد من الأسئلة وفيما إن كانت قد تأخرت في إخبار العالم عن الفيروس وإن كان جاء نتيجة تجربة أو من الأسواق التي تنتشر في الصين ومنها واحد قريب من معهد ووهان للفيروسات. ورأت صحيفة “فايننشال تايمز” (7/5/2020) في افتتاحيتها أن العالم بات يخشى من إدارة ترامب التي تشن الحروب الكلامية من دون أن تعمل أي شيء. صحيح أن المسؤولين في البيت الأبيض يدرسون إمكانية تقديم الصين إلى المحاكم الأمريكية، لكن عملية كهذه ضمن القانون الدولي مشكوك فيها. والمشكلة هي أن غياب القيادة الأمريكية يعني أن التوصل إلى موقف موحد في قضايا الصحة العالمية يعد أمرا مستحيلا. وهو ما أثارته مجلة “بوليتكو” (3/5/2020) عندما تحدثت عن غياب الولايات المتحدة عن اجتماعين مهمين دعا إلى الأول مدير منظمة الصحة والثاني دعت إليه رئيس المفوضية الأوروبية أورسلا فاندير لين، الأسبوع الماضي، ورغم محاولاتها دفع أمريكا للمشاركة إلا أن المؤتمر عقد واستطاع جمع مليارات الدولارات لدعم البحث العلمي والتوصل إلى عقار جديد. وألمحت المجلة في تقريرها إلى أن ترامب وإدارته يحاولون تحويل عملية المنافسة على تطوير عقار لمكافحة الفيروس إلى معركة احتكار، متخليا في هذا عن سياسة أمريكا السابقة والتقليدية في مواجهة الأوبئة العالمية، وتقديم الدعم المالي والعلمي للجهود. فهو يتعامل مع المسألة وكأنها محاولة للسيطرة على العالم، وبحسه الخائف يخشى من تطوير الصين عقار أولا مما يعني أنها ستحكم العالم كما قال مسؤول.
بدون تعاطف
وهنا تجب الملاحظة أن تصريحات ترامب وتعامله مع الأزمة كشفت عن غياب حس التعاطف مع المرضى الأمريكيين أو الموتى، فلم يظهر إلا قليلا مع المرضى، ورفض مثل نائبه مايك بنس الذي زار أهم مركز طبي في أمريكا “مايو كلينك” ارتداء القناع. بل وتحولت الأزمة إلى فرصة لإرضاء الحلفاء وفتح فرص لهم للاستفادة كما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” (6/5/2020) التي تحدثت عن المعوقات التي وضعها جارد كوشنر وفريقه الموازي لمواجهة الأزمة عمل الأجهزة الفدرالية. وطلب من المتطوعين حسب الصحيفة تحديد قائمة “أسماء من الشخصيات الهامة” التي تعتبر موالية لمنحها فرصا تجارية. وكشفت كيف تم منح مهندس من سيلكون فالي عقدا لتوفير منافس بـ 69 مليون دولار ولكنه لم يستطع توفير أي منها. ووسط هذا التخبط بدت منظمة الصحة العالمية كبش فداء، فالهجوم عليها كان رسالة إلى قاعدته الانتخابية ثم جاءت المواجهة مع الصين التي تتهم حسب تقرير في صحيفة “التايمز” (4/5/2020) البريطانية، وهي من مجموعة روبرت ميردوخ ونقلت فيه عن جنرال متقاعد ومستشار قالت إنه غير رسمي حذر فيه من تصاعد قوة الصين في منطقة جنوب شرق آسيا، وقال إن المحافظين في أمريكا باتوا يراقبون تحركات بيجين في بحر الصين الجنوبي وما قيل عن مواجهة بين بارجة أمريكية وزوارق صينية في منطقة متنازع عليها. وهي رسائل يقصد منها تخويف الرأي العام من الصين وتحويلها إلى بعبع.
إصرار بدون دليل
في كل هذه الحملة أصر ترامب وبومبيو أن لديهما “الدليل القاطع” على تورط الصين في تهريب الفيروس من المختبر، وعندما سئل الرئيس قال إنه سيقدم تقريرا، أما بومبيو فقد قال إنه متأكد لكنه لا يستطيع قول المزيد. والمشكلة هي أن مصادرهما هي من أبحاث متوفرة لأي باحث في علم الفيروسات الكثير منها وضعها علماء صينيون للمساهمة في مواجهة كوفيد-19 وتحدث بعضهم عن غياب معايير السلامة في التعامل مع الوطاويط والحيوانات البرية الأخرى التي يسكنها كورونا. ولكن هذا لا يعني أن الفيروس تسرب أو هرب عمدا من المختبر، وهي نتيجة ترددت المؤسسات الأمنية الانجرار إليها عندما قدمت تقريرا قالت فيه أن منشأ الفيروس جاء من خلال اتصال بين إنسان وحيوان في الخريف الماضي ولكن بدون معرفة الطريقة. والتقرير وإن لم يستبعد إمكانية هروبه إلا أنه أكد على أن مصدر الوباء كان الأسواق. وأشار موقع “بلومبيرغ” (6/5/2020) إلى انقسام مجتمع الاستخبارات في تفسير ما هو متوفر من معلومات حول انتشار الفيروس، وهي أدلة عرضية من مصادر مفتوحة، ذلك أن أمريكا ليست لديها مصادر من الميدان للتأكد من صحة النظرية. وقال الموقع إن ترامب الذي فوجئ بحجم الوفيات قرر التركيز على موضوع يحرف الأنظار، وجاء بناء على بيانات الاستطلاعات التي كان يقرأها فريق حملة الرئيس وهو يحاول. ففي استطلاع يوغوف/إيكونوميست كشف أن 45 في المئة بمن فيهم ثلثا الجمهوريين يؤمنون بنظرية هروب الفيروس من المختبر. وحتى الدكتور أنطوني فوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وهو كبير الخبراء في هذا المجال على مستوى العالم استبعد في مقابلة مع مجلة “ناشونال جيوغرافيك” (4/5/2020) نظرية صناعة الفيروس في المختبر وقال: “لو نظرت إلى تطور الفيروس في الخفافيش وما هو موجود الآن في الطبيعة، فإن الأدلة العلمية تميل بقوة كبيرة جدا نحو الاستنتاج بأنه لا يمكن أن يتم تصنيع الفيروس أو التلاعب فيه، فكل ما يتعلق بالتطور من ناحية الخطوات على مدى الوقت تشير إلى أن هذا الفيروس تطور في الطبيعة ثم انتقل بين الأنواع”.
درس العراق من جديد
وما نراه في تركيز ترامب وبومبيو ومن يقف معهما من الصحافة الميردوخية هو بناء حالة كتلك التي خدعت الرأي العام بأن صدام حسين كان يطور أسلحة دمار شامل. ويعتقد رئيس وزراء أستراليا السابق كيفن راد أن ترامب وصحافة ميردوخ لم تع درس العراق وتقوم بحملة لإقناع الرأي العام بأن الصين هي المسؤولة عن الفيروس. وكانت صحيفة ميردوخ “أستراليان ديلي تلغراف” قد نشرت تقريرا قالت فيه إنها حصلت عليه من مصادر استخباراتية يؤكد ضلوع بيجين بالجريمة. وعلق راد في مقاله الذي نشرته “الغارديان” (8/5/2020) على أن الصحيفة الأسترالية المحت إلى أن التقرير هو من إعداد مجموعة “العيون الخمسة” التي تضم أجهزة استخبارات أمريكا وكندا وبريطانيا واستراليا ونيوزلندا، وتم تمرير التقرير الصحافي كوثيقة صادقة من إعلام ميردوخ الأسترالي إلى إعلامه في أمريكا. وحاول تقديم مصداقية على مزاعم الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته، والهدف من هذه العملية هو دعم ترامب في عملية إعادة انتخابه. ويرى راد ألا أحد يعرف حتى الآن مصدر الوباء ونسبة انتقاله من مختبر في ووهان لا تتعدى 5 في المئة حسب تأكيد الحكومة الأسترالية. ويضيف أن دخول ميردوخ على العملية كلها مصممة لخدمات سياسات الانتخابات الرئاسية الأمريكية: فهناك ثلاثة موضوعات في الحملة وهي تعامل ترامب مع الفيروس وكيفية إخراج أمريكا من اقتصاد أثر عليه الفيروس ومن سيكون أكثر تشددا تجاه الصين-ترامب أو “بايدن بيجين” حسب وصف الجمهوريين للمرشح الديمقراطي جوزيف بايدن، ولا شيء غير هذا. وذكر كيف قادت حرب العراق والخداع الذي تم فيها لتدميره وقتل الآلاف وخلق أزمة مهاجرين وصعود تنظيم “الدولة” ما ورط أمريكا في الشرق الأوسط وأشغلها عن الصين وصعودها.
اقتباس
العدو الذي تواجهه أمريكا هو الفيروس وليس الصين