عزيز الحاكم
من سوء حظ خوانيطا ناربوني أنها ازدادت من أب انكليزي وأم اسبانية في مدينة مدولة (طنجة الخمسينات) فعاشت علي غرار المدينة تمزقا سوسيوثقافيا وأنطولوجيا قاسيين، كامرأة عاثرة الحظ، خانتها الأقدار ولازمتها الرعونة واللعنة طوال حياتها، لتجد نفسها في نهاية تطوافها الوجودي المرير وحيدة في مدينة لم تعد تعرف عنها شيئا، محاطة بالمخاوف والهواجس الحادة من كل صوب، مهددة بفقــــدان الذاكرة في كل حين. وبعد أن رحل الجميع: أمها وأبوها وأختها المارقة والأصدقاء والجيران، اعتصمت بشكل موجع في بيتها لتنبش في ذاكرتها المنخورة عن صور الراحلين، وترتطم علي نحو لا يطاق بالنسيان المهول الذي سيجرف صورة أمها هي الأخري ويطوح بها في متاهات البحث عن وجــــه أضـــحي شبيها لديها بوجوه كل النساء الراحلات إلي الأبد.
ومن حسن حظ المخرجة فريدة بليزيد أنها وجدت في رواية حياة خوانيطا التعسة (ہ) للكاتب الاسباني الغماري أنخيل باثكيث (طنجة 1929 ـ 1980) متنا روائيا غنيا بالصور والأحداث والحالات التي تفيد في تركيب سيناريو قوي ومن تم تحويله إلي فيلم تأملي جذاب علي أكثر من مستوي. فقد كان لاستثنائية الحكي الروائي القائم علي المزج بين الأزمنة ومحورتها في زمن مكثف في ذاكرة خوانيطا، واستثنائية طبـــائع الشخوص المجاورة لهذه الشخصية الإشكالية، والتباس أحوال العيش والتشرد في فضاء ميتامورفوزي خانق، وتوتر العلاقات القائمة بين المعارف والخلان والغرماء، واضطراب النفوس الهائمة علي وجهها في دروب طنجة بمنحدراتها وطقسها البحري المتقلب، كل هذه العناصر جعلت من فيلم خوانيطا بنت طنجة إبداعا سينمائيا تقترن مشاهدته بمزيج من الحيرة والتوجــــس والارتياح أيضا. إذ من عادة فريدة بليزيد في كل أفلامها أن تزج بالمشاهد كيفما كانت مناعته في خضم اللقطات والمشاهد المتلاحقة أحيانا بإيقاع سريع والمنسابة حينا آخر ببطء حلمي يفتح البصر علي آفاق التأمل واستجماع شتات الخطاب المستهدف.
ومع أن أنخيل باثكيث، في ما يبدو من سياق روايته، لم يكن يرمي إلي تبليغ خطاب معين أو اذخار مشاعر التعاطف مع بطلته المتعوسة، إلا أن فريدة بليزيد في فيلمها توحي بأن خوانيطا في حاجـــة إلي سند، مثلها في ذلك مثل مدينتها طنجة التـــي تكالبت عليها الأطماع من كل جـهة. حيث تبدو البطـــلة وحيدة حتي وهي وسط الزحام (من أقارب وغرباء) لا يؤنسها في وحدتها سوي خادمتها حمروش، تلك المـــــرأة التي لا تعرف لها أصلا ولا مسكنا والتي ستغيب في لحظة غامضة فتستفحل بغيابها وحدة خوانيطا الموحشة. وهنا تطفو علي سطح التأويل معضلة الانتماء والانتساب التي تعمقها تساؤلات خوانيطا المتكررة حول أسطورة الأصل، فتحسمها في أقسي لحظات الإحساس بالخواء الجغرافي والنفسي بقولها: أنا امرأة طنجوية، أحب من أحب وأكره من أكره. ولعل هذا الخيار المطمئن هو الذي سيساعدها علي تحمل الوحدة وتقبل الحياة بعد رحيل الجميع.
والأمر في كل الحالات لا يتعلق بأصل أو مصير، بل بالقدرة علي تحدي الزمن بشقيه: الحياة والموت. وهذا ما تتقن إدمانه خوانيطا بصبر ميثولوجي عجيب، يفجره بشكل ساخر أنخيل باثكيث حين يدفعها إلي معاناة الرغبة في التبول التي تنتابها في بعض اللحظات الحرجة، أو يرغمها علي التنكر لجسدها والنظر إليه علي أنه مجرد عالة مزمنة. وبحكم أن السينما في عرف فريدة بليزيد ليست مجرد حائط مبكي فقد عالجت كل جراح خوانيطا بحنو خال من أية شفقة سلبية، حريصة إلي أبعد حد علي أن تدع شخصيتها المأساوية تظهر علي الشاشة ببعدها الحقيقي، مع إضفاء نسبة من الشاعرية علي تحركاتها وأحلامها، بل إنها في أفظع لحظات الخبل التي تعصف بخوانيطا تتراجع بليزيد خطوة إلي الوراء تاركة بطلتها لمصيرها الشخصي كي تحاور أمها الميتة بشكل طبيعي، وفي ما عدا ذلك فان المخرجة لا تجرؤ علي مسايرة أنخيل باثكيث في تصويره السردي الفظ حين يختم مصير خوانيطا، في روايته ختما عبثيا ويجعلها تحمل فوق منقلة البنائين من طرف مخبولات الفجر في اتجاه مستودع المرضي والنساء ينظرن إليها من شرفاتهن وهن يزغردن. هذا المشهد الفليني القاسي تقفز عليه فريدة بليزيد رأفة بالمشاهدين واتقاء لكل صدمة محتملة. علتها في ذلك أن السيـــــنما فن الاستمتاع والتأمل في أحوال الناس من دون إفراط في اســــتفزاز المشاعر أو استجداء العواطف.
حمروش وهذا ما لا يحتاج إلي دليل في فيلم خوانيطا بنت طنجة، فالمشاهد هنا فسيحة بالقدر الذي يساعد المشاهد علي تبين آلام خوانيطا وتأطير وضعها ضمن أوضاع مشابهة أو مغايرة، كما أن المعالجة السينمائية لدي فريدة بليزيد تنهض بالأساس علي مقاربة إشكالية نسائية نذرت كل أفلامها للحفر فيها حفرا خاليا من كل انحياز، عدا الانحياز الإنساني الذي يغري بطرح التساؤل الأبدي: هل المرأة ضحية أم مذنبة؟ ولكل حرية اختيار الجواب الذي قد يريحه أو يرضيه. ومن أجل تخفيف حدة بعض الأقدار التي تتخبط فيها شخصياتها النسائية فإنها تعمد إلي خلق أجواء زاهية عمادها الفرحة والسلوان بهدف إبراز قدراتهن الاحتياطية علي النســـيان والتحدي بكل ما أوتين من كيد جميل ومفاتن آسرة.
فالحياة ينبغي أن تعاش بكل المقاسات الممكنة. وخوانيطا في غمرة انسياقهــــا العفوي وراء أمانيها وأحلامها لا تشذ عن هذه القاعدة، وبذلك تنجو من عقوبة التصنيف، وتتيح للمخرجة فريدة بليزيد أن تجرب رؤاها وتبلور أسلوبها السينمائي، بعيدا عن أية واقعية هشة أو ميلودرامية رخيصة. بل إنها في فيلمها هذا تضيف إلي رصيدها الفيلمي المتميز انجازا مختوما ببصمتها المعروفة، وتجربة متفردة تفتح لها سبيل العالمية بهدوء رصين، لا شك في أن الأيام المقبلة ستؤكد بالملموس مدي أهليته لتخليص السينما المغـــــربية من شوائب التقولب والاستنساخ ومغازلة الذوق السائد. ہ صدرت النسخة العربية لهذه الرواية عن دار ما بعد الحداثة، فاس 2006، بعنوان خوانيطا الملعونة، ترجمة: بيلار غونثاليث وعزيز الحاكم.