في قصفة التونسية.. سكان “معبد المياه” يحلمون بعودة الحياة

حجم الخط
2

قفصة ـ من الهادي رداوي ـ  “الأحواض هي نبع الحياة، ومنذ أن جفّت أصبحنا نشعر بأن وقت نهايتنا قد حان، فهذه الأحواض عاصرت حضارات ضاربة في القدم، ولكن اليوم لا مياه ولا حياة فيها”.

بهذه العبارات، يصف ناجي الظاهري، وهو موظف في معهد “المحافظة على التراث” (حكومي)، بمحافظة قفصة التونسية (حوالي 350 كم جنوب العاصمة تونس) الأحواض الرومانية في المدينة التي تحمل اسم المحافظة.

الظاهري، وهو أحد سكان حي الواد في المحافظة البالغ عدد سكانها نحو 337 ألف نسمة (من أصل حوالي 11 مليون نسمة)، يصف تلك الأحواض، في حديث مع وكالة الأناضول، بأنها “مجموعة أبنية أقيمت حول منابع مياه غزيرة، وهي مكونة من ثلاثة أحواض، اثنان بدون غطاء، والثالث مسقوف بقبتين، وتربط بين ثلاثتهم قنوات تحت الأرض.. والمياه تخرج من منابع في أرض الأحواض نفسها”.

ويبلغ طول الحوض قرابة 6 أمتار، وعرضه 3 أمتار، وارتفاعه بين المترين والثلاثة أمتار، وجدرانه مبنية بأحجار مربعة الشكل تحمل غالبها نقوشا وحروفا رومانية.

و”معبد المياه”، الذي يعرف بالأحواض الرومانية، هو “معلم كان في العهد الروماني (146 ق م – 431 م) تحت حماية الإله بنفتون (إله المياه) و”حوريات المياه”، بحسب أسطورة يدل عليها نقش لاتيني لا يزال ظاهرًا على الجدار الجنوبي للحوض الصغير”، وفقا للموظف التونسي.

وتسمية “معبد المياه” بالأحواض الرومانية، كما يوضح الظاهري، “جاءت بسبب النقش اللاتيني الذي يدل على الفترة الرومانية، لكن حفريات تفيد بأن المكان وجد قبل هذه الحضارة بكثير، غير أنه لا نعرف تحديدًا متى أنشئت الأحواض”.

وعامة، “تستمد محافظة قفصة شهرتها من الأحواض الرومانية، التي تتوسط المدينة العتيقة وكانت حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي شريان الحياة الرئيسي للمحافظة”، وفقا للمهندس المعماري، دارس تاريخ المدينة، باسم كحواش.

كحواش يوضح، في حديث مع وكالة الأناضول، أنه “في كتب التاريخ نجد أسماء مؤسسي المدن القديمة، إلا مدينة قفصة لم تنسب إلى شخص باسمه، وهذا دلالة على قدم حضارتها.. ويعتبر المعلم الديني الذي تم اكتشافه في مدينة القطار (15كلم جنوبا) من أقدم المعالم الدينية المكتشفة في العالم، وهو يجسد بناءً بسيطًا أقامه الإنسان قبل نحو 40 ألف سنة قبل الميلاد”.

وبحسب كتب في التاريخ ودراسات حديثة، فإن اسم محافظة قفصة هو اشتقاق من التسمية اللاتينية “كابصا”، وهو اسم حضارة تعود إلى العصور الحجرية، وتوجد العديد من العلامات الدالة عليها، مثل “الرمادية”، وهي تلال عثر عليها في المنطقة ومكونة من تكديس رماد وفضلات طعام تركها الإنسان القفصي.

والأحواض الرومانية كانت المتنفّس الوحيد لسكان قفصة من حر الصيف، فمياهها كانت عذبة نقية.

وللأحواض مكانة كبيرة في نفوس سكان حي الوادي، حيث توجد.

توفيق محمد، أحد سكان الحي، قارب على الخمسين من عمره، يقول للأناضول، إنها “نبع الحياة.. وبعد أن جفّت أصبحنا نشعر أن وقت نهايتنا قد حان، فهذه الأحواض عاصرت حضارات ضاربة في القدم، لكن اليوم لا مياه ولا حياة فيها”.

وتحيط بتلك الأحواض العديد من المكاتب الحكومية، منها متحف المدينة ومعهد المحافظة على التراث.

وتقول أسطورة توارثها سكان قفصة، وخاصة سكان “حومة الواد” (أو الأحواض الرومانية)، أن العيون المائية لكي تتدفّق مياهها بغزارة، كان على أهل المدينة نحر عجل عند مدرج الأحواض لتزيد العيون المائية من تدفقها ولتسهر “حوريات المياه” على سلامة هواة السباحة، وحمايتهم من الغرق في الأحواض.

وعند بدء موسم الفلاحة (الزراعة) في مايو/أيار من كل عام، يشترك السكان في شراء “عجل” يذبحونه عند الأحواض.

وعندما شرعت الحياة في العودة إلى الأحواض العام الماضي، بعد انقطاع دام أكثر من 4 أعوام، جمع السكان تبرعات لشراء عجل، لكن سرعان ما شحّت المياه.

ففي العام الماضي، عمل المسؤولون في المحافظة على تهيئة وإصلاح الأحواض وعيون المياه التي تزودها بالماء، وبالفعل تدفقت المياه، لكنها تلاشت بعد أيام، وفقا لسكان محليين.

وبحسب كحواش، فإن “كل الحضارات المتعاقبة على قفصة تركت الأحواض على ما وجدت عليه حتى المستعمر الفرنسي (?1881م –  1956?‎م)، تركها كما هي، فمنظومة الري لم يتم المساس بها بتاتا”.

ولشح مياه الأحواض عدة أسباب، يعددها الباحث التونسي في “الطلب المتزايد على المياه، وارتفاع عدد السكان، وتراجع منسوب المياه جراء جفوف عيونها، وما زاد الطين بلة هو مشروع إعادة تهيئة الواحات (مشروع بتمويل ألماني أقيم أواسط التسعينيات وتمثل في حفر مجموعة من الآبار العميقة وإعادة تهيئة منظومة الري)، حيث لم يؤخذ في الاعتبار تأثير ذلك على الأحواض الرومانية، وكانت نتيجته اضمحلال عيون المياه التي تزود الأحواض”.

و”من أجل عودة الحياة إلى الوادي”، تنسق “جمعية أحباء واد البي” مع السلطات في هذا الشأن، كما يقول “نعيم العجمي” عضو الجمعية غير الحكومية لوكالة الأناضول.

العجمي يوضح أنه “بعد أن جفّت الأحواض الرومانية سجّلنا نقصا كبيرا في كميات الخضر الورقية، التي كانت تعتبر مورد رزق صغار الفلاحين، حيث كانوا يستثمرون مياه الواد بالمجان لري واحاتهم القريبة من الأحواض”.

لكن اليوم، وفقا للناشط التونسي، “تأثر الجميع ماديا بأزمة الواد، وخاصة الفلاحين الذين أصبحوا ضحية للجمعيات المائية (جمعيات مملوكة من الدولة تشرف على توزيع مياه الري على الفلاحين).. ونشك أن هناك أطراف عديدة تسعى إلى عدم إيجاد حلول لمشكلة الواد من أجل توفير (جمع) معلوم إضافي (أموال) لحسابهم الخاص”.

وبحسب بعض سكان قفصة، فإن وجود شركة “فوسفات قفصة” الحكومية في المدينة أثر سلبيا بشكل كبير على الأحواض، حيث تستغل الشركة كميات كبيرة من المياه، وتعمد إلى حفر آبار.

وإضافة إلى “معبد المياه”، تُعرف الأحواض الرومانية أيضا في قفصة بـ”حومة واد البي”، وهي بحسب كحواش، نسبة إلى دار “الباي” (الوالي) المطلة على الأحواض (أصبحت مقرًا لمعهد التراث)، وكانت مقرًا لإدارة الجباية، ومقرًا لـ”الباي” حين يزور المدينة.

وآخر “بايات” تونس كان الأمين باي، وبدأ حكمه عام 1943 وانتهى في يوليو/تموز 1957 حينما عزله الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، عند إعلان الجمهورية نظامًا سياسيًا لتونس المستقلة.

وبكل حسرة، يصف نادل في مقهى محاذ للأحواض الرومانية حال المنطقة بقوله لوكالة الأناضول: “فيما مضى كان هذا المكان يٌشغل (يوفر فرص عمل) العشرات من المواطنين، لكن اليوم كما ترون لم يعد بالإمكان حتى تدبر مصروفنا اليومي، فليت المياه تعود لتعود إلينا الحياة”.(الاناضول)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية