في قطاع غزة… ألعاب الجوع

ربما تبدو أكثر من صدفة باعثة على الغثيان حين يأتي فيلم من أفلام هوليوود الشهيرة بعنوان «ألعاب الجوع»، وتتعمق المفارقة بصورة أكبر حين يتحدث الفيلم عن مناطق يُطلق عليها قطاعات تتضور جوعاً، ولكنها تتصارع في ما بينها تحت سلطة ديكتاتور مختل، والأكثر دهشة أن تتشكل مقاومة وثوار لمحاربة مركز السلطة الديكتاتورية التي تعيش بذخا فاضحا.
هكذا يبدو العالم الآن بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات النظام العالمي، وبتواطؤ عربي غير مسبوق تاريخياً، حيث يراقب العالم برمته أكثر من مليونين مواطن فلسطيني في قطاع غزة وهم يعانون من الجوع، في حين تبدو الصور التي تتناقلها وسائل الإعلام عن بشر معزولين في غيتوهات تحيط بها الأسلاك الشائكة… أقرب إلى استعادة لا تبتعد كثيراً عن الهولوكوست، غير أن الضحية تعلّمت من الجلاد، وأصبحت أكثر وحشية، مع شيء من المباركة من هنا، وهناك، والكثير من الصمت من أمكنة كثيرة، وأمم ما زالت تصرّ على أكذوبة العروبة.
ليس من قبيل الصدفة أن يشهد العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية النسخة الأكثر دناءة في وقتنا الحالي، العالم الذي يشاهد مليونين محاصرين في منطقة ضيقة محاطين بالأسوار المسيّجة، يتضوّرون جوعاً، أطفالاً ونساءً ومرضى، في مشهد يتجاوز وعينا، ويتجاوز خيال أبرع المخرجين العباقرة في اجتراح حكايات سينمائية عن مفهوم العزل، والتجويع، وبالمنطق الاستعماري العرقي الذي تخترعه العقلية البشرية. تبدو بقايا مشاهد فيلم «قائمة شندلر» كامنة على شكل ومضات بصرية يغلب عليها اللون الرمادي: وجوه جائعة، ومتعبة، ومرهقة، غير أن الصورة يُعاد إنتاجها في غزة، ولا يوجد مخرج عبقري مثل ستيفن سبيلبرغ كي يُنتج عنها فيلماً عبقرياً يحصد الجوائز، ولا يوجد مخرج عربي يصوّر ذلك، لأن غياب العرب أمر بات مألوفاً، فعلى ما يبدو أنهم يعيشون في مجرّة من مجرّات فيلم «حرب النجوم»، بعيدين جداً عمّا يحصل قريباً منهم. لا تبدو وسائل التعبير من سينما ومسرح ودراما وتصوير ورسم وكتابة في سياقات معينة سوى رفاهية غير مطلوبة الآن، ولكن وعي التعيين، والتصوير، والشهادة، والفهم… يفوق الواقع، ويبدو غير محتمل قياساً على رواية كونديرا «الكائن الذي لا تحتمل خفته»، حينها تتمنى أن يكون ما تراه إنجازاً من وعي فنان أو مخرج أو كاتب، وليس واقعاً، بل لعله كابوس لا نعرف كيف نخرج منه، هذا الكابوس الذي استطال حتى أعيا الذاكرة، عن معالجة كمّ الصور، والألم الذي بات يسكننا، لاسيما مع هذا العجز الذي جعلنا نتساءل عن تعريف إنسانيتنا.

لقد أصبح التجويع أداة للقمع والسيطرة، كما بيّن إدوارد غاليانو في كتابه «أفواه الزمن»، فقد أعاد هذا الكيان المتوحش إنتاج نمط من السيطرة مارسته البشرية في عصور بدائيتها وتخلّفها، ولاسيما حين كانت تحاصر أعداءها لإخضاعهم، ومع الادعاءات الحضارية التي صاغها العقل الغربي، بدأ نفي هذه الممارسة، غير أن العالم يتسامح مع الضحية السابقة، أكثر مما ينبغي، في حين أن الكثيرين وقعوا في عشق الأخلاقية الصهيونية، بحجة الخلاف الأيديولوجي مع طرف ما، غير أن الحمق يكمن حين لا يستطيع العقل التمييز بين الأولويات، فيُبارك ويُسهم في مقتلة ستصبح عاراً على العالم، ولكنها ستصبح عار العرب إلى الأبد.
ربما لا شيء أصدق من التعبير عن الواقع الذي نختبره الآن سوى فيلم شديد الحساسية، والألم، وأقصد فيلم «إمبراطورية الشمس»، حيث يعاني طفل بريطاني من الجوع في معسكرات اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، حيث جاء في الفيلم: «العالم ليس أمك حين تصرخ في وجهها في النهار، ثم تناديك في المساء على العشاء… العالم سوف يتركك تتضور جوعاً». لا شيء يبدو أكثر اختزالاً من هذه العبارة، حيث العالم يترك أكثر من مليونين يتضوّرون جوعاً، ولكن ثمّة ما هو أكبر من الجوع: ذلك القصف والموت الذي لا ينتهي، ذلك الصوت الذي بدأ يكمن في ذاكرة الأطفال لأكثر من سنة ونصف السنة، ذلك الموت الذي يحصد أطفال امرأة واحدة في ضربة من ضربات نتنياهو، مدلّل العالم، ومعشوق المجرمين.

أستحضر الآن روايتين للروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا؛ الأولى بعنوان «صراخ في ليل طويل»، حيث تتناول مدينة غير مسمّاة يكمن فيها القبح والفساد، وتسيطر العزلة، غير أن الشاهد الكامن هنا يتجلّى في الصراخ… لا صراخ جوعى وقتلى غزة من الأطفال فحسب – على الرغم من أنها سوف تبقى ساكنة فينا – إنما شعور أن تنصت لصراخهم في ليل طويل لا ينتهي، وأنت تعجز عن فعل شيء. هذا الصراخ الكابوسي الذي يعرّينا من إنسانيتنا التي انقرضت، وتآكلت بفعل جلدنا العربي المتراكم عليه طبقات من الخيانات التاريخية. في حين أن الرواية الثانية جاءت بعنوان «الغرف الأخرى»، وقد قفزت إلى ذهني؛ لأن شعور البعض، يبدو لهم أن ما يحصل في غزة، يحصل في الغرف الأخرى، وعليه فإن وعينا غير معنيّ بما يجري هناك، في الغرف الأخرى، حيث يموت الإنسان، والحيوان، والشجر، والأرض، وتموت إنسانيتنا معها كل يوم. نحن لا نشبه بطلة جبرا إبراهيم جبرا في روايته، حيث لا يعترينا الفضول لمعرفة ما يحصل في غرفة واحدة من الغرف الأربعين، حيث كل غرفة تعكس شيئاً من نفس الإنسان. إننا، على العكس من ذلك، نمارس الجهل أو التجاهل، على حد تعبير كونديرا. نحن نعرف ما يجري، ونسمع صوت الجوع والقتل، ونعرف أنهم قد أمسَوا أشباحاً يطاردون المتواطئين في جريمتهم، أشباحاً أو أطيافاً تشبه طيف والد هاملت، بوصفه يُحيل إلى عدالة مؤجّلة، أو طيف باكو في مسرحية ماكبث، إذ راهن شكسبير في مسرحيتيه الشهيرتين على أن الضحية لن تتناسى أو تغفر، وأن التواطؤ أو الصمت جريمة لا تقلّ عن فعل المجرم الذي يقتل بيده.
نحتاج إلى أن نستيقظ من هذا الكابوس الذي يثقل ضمائرنا، ولكننا – على ما يبدو – سنستيقظ على هيئة مسوخ بشرية أشبه بمسخ فرانز كافكا في روايته «المسخ»، نجلس على الكنبة الوثيرة لنحتسي القهوة، ونشاهد من يُقتلون ويُجَوّعون، ثم نمضي كأن شيئاً لا يحصل في هذا العالم، أو قريباً منا!
كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية