في كارثة درنة الليبية: إحصاء مفقودين وإعادة محاكمة المسؤولين عن انهيار السدود

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: تواصل مدينة درنة الليبية جهودها المضنية لطي صفحة كارثة إعصار دانيال الذي ضرب شرق البلاد في أيلول/سبتمبر 2023، متسبباً في دمار هائل وضحايا بالمئات. وعلى الرغم من مرور فترة ليست بالقصيرة، لا تزال المستجدات تتوالى على صعيدين رئيسيين، وهما استكمال إجراءات التعرف على هويات المفقودين والضحايا، وإعادة محاكمة المسؤولين المتهمين في قضية انهيار سدي وادي درنة.
وفي السياق، وفي تصريح لإعلام محلي، أكد مدير مكتب الإعلام في الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، عبد العزيز الجعفري، أن الفرق المختصة في الهيئة ما زالت تواصل عملها الشاق للتعرف على هويات ضحايا إعصار «دانيال»، مشيرًا إلى أن العملية تتطلب وقتًا للكشف عن الحالات بشكل تدريجي وممنهج.
هذا العمل يمثل تحديًا كبيرًا بالنظر إلى طبيعة الكارثة والدمار الذي خلفته السيول الجارفة بعد انهيار السدين وفي أحدث إحصائية، كشف الجعفري عن فتح 3297 ملفًا لبلاغات ذوي المفقودين في مدينة درنة فيما يتعلق بالإعصار المدمر، وهذه الأرقام تعكس حجم المأساة وتؤكد أن عدد الضحايا ما زال يحتاج إلى وقت لتحديده بشكل نهائي.
وفي سبيل التعرف على الهويات، أوضح الجعفري أنه تم أخذ 3970 عينة من الحمض النووي (DNA)، وقد نتج عن جهود المطابقة التعرف على 113 حالة جرى تحديد هويتها حتى الآن، هذا النجاح في المطابقة يشمل ضحايا ليبيين وعددًا من الأجانب، حيث أشار الجعفري إلى أنه من بين الضحايا الذين تم التعرف عليهم، هناك اثنان من المواطنين المصريين ومواطن سوري.
كما أشارت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، في إعلان سابق، إلى تسجيل 3 آلاف و297 مفقوداً جراء كارثة الفيضانات، وهي أول إحصائية رسمية لعدد المفقودين.
وجمعت الهيئة نحو 3078 عينة دم مرجعية وراثية وأحالتها للتحليل، مع البدء في تحليل عينات العظام الخاصة بالجثث مجهولة الهوية، ما يبرهن على استمرار العمل رغم مرور قرابة العامين على الكارثة.
وشدد الجعفري على أن جميع النتائج المعتمدة للتعرف على الضحايا يتم تحويلها بشكل فوري إلى مكتب النائب العام. هذا الإجراء ضروري لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة، بما يمهد الطريق لتسليم الجثامين المعرّف عليها إلى ذويها، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء معاناة عائلات الضحايا.
وشهد الملف القضائي المتعلق بانهيار سدي وادي درنة تطورًا هامًا ومفصليًا، فقد أفادت وكالة رويترز ببدء إعادة محاكمة 12 مسؤولاً متهمين في القضية بعد قبول المحكمة العليا الطعن في الأحكام الصادرة سابقاً.
وأكد مصدر قضائي ومحامي أحد المتهمين، للوكالة، أن المحكمة العليا قد نقضت الأحكام السابقة التي كانت قد أصدرتها محكمة استئناف درنة. هذه الأحكام السابقة كانت قد تراوحت بين السجن 9 و27 عاماً بحق المسؤولين، لكن المحكمة العليا اعتبرتها «مخالفة للقانون» وأمرت بإعادة المحاكمة من جديد. وعُقدت أولى جلسات إعادة المحاكمة في محكمة استئناف بنغازي، ووجهت للمسؤولين تهم «الإهمال والقتل العمد وإهدار المال العام».
ومع ذلك، لم يتم البت في القضية بشكل نهائي في الجلسة الأولى، حيث قررت المحكمة تأجيل النظر في القضية إلى 30 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وأشار المصدر القضائي إلى استمرار حبس جميع المتهمين خلال فترة التأجيل.
هذه الإجراءات القضائية المتتابعة تعكس مدى أهمية هذه القضية وضرورة تحقيق العدالة والمساءلة القانونية بشأن الكارثة التي هزت البلاد. وفي وقت سابق، جددت منظمة رصد الجرائم في ليبيا السلطات في شرق ليبيا مطالبتها بضرورة الكشف عن الأعداد الحقيقية لضحايا ومفقودي انهيار سدي درنة بعد مرور عامين على الكارثة. هذا المطلب يؤكد الحاجة الملحة للشفافية الكاملة وتوفير الحقائق لأهالي الضحايا والمجتمع الدولي. أثر إعصار «دانيال» كان مدمرًا، حيث تسببت الكارثة في مقتل 4540 شخصاً، وفق إحصائيات رسمية كان من بينهم 3964 مواطناً و576 أجنبياً.
كما وثقت تقارير الأمم المتحدة أن عدد القتلى تجاوز 5923 شخصاً، علاوة على قرابة 5000 شخص على الأقل شردوا وقتها، بعد انهيار منازلهم بشكل كامل. هذه الأرقام المفزعة تبرز حجم الدمار والخسائر البشرية.
وفي أعقاب الكارثة، تدفقت المساعدات الإغاثية من 12 دولة لمساعدة ليبيا، مؤكدة على التضامن الدولي في وجه المأساة. وتعهدت تركيا مؤخراً بمواصلة الإسهام في جهود تضميد جراح درنة وإعادة الإعمار.
وفي سياق إعادة الإعمار، وجهت اتهامات بشأن المصروفات الهائلة مقابل الإنجازات في درنة لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا. وهذه الاتهامات استحضرت مطالبات بمزيد من الشفافية والمساءلة حول كيفية إدارة أموال الإعمار.
كما أكدت منظمة رصد الجرائم في ليبيا وجود تقاعس واضح في نشر نتائج التحقيقات بشفافية، وإهمال في جلب المتهمين إلى العدالة، ما يؤدي إلى استمرار الإفلات من العقاب.
هذا التجديد للمطالبة بالشفافية والمساءلة يضع ضغطًا على السلطات الليبية لاتخاذ خطوات فورية لمحاسبة المسؤولين عن هذه المأساة، وضمان حق عائلات الضحايا والمفقودين في معرفة الحقيقة. ويشير مراقبون إلى أن المستجدات الأخيرة في ملف درنة، سواء على صعيد تحديد هويات الضحايا عبر تحليل الحمض النووي أو في مسار إعادة محاكمة المسؤولين عن انهيار السدود، تؤكد أن ملف الكارثة ما زال مفتوحًا ويشغل الرأي العام الليبي والدولي.
كما أن جهود التعرف على المفقودين وإحصائيات الضحايا الرسمية ما زالت تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرًا، بينما يمثل قرار المحكمة العليا بإعادة المحاكمة خطوة مهمة نحو ضمان محاكمة عادلة وشفافة للمسؤولين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية