في لاجماليات الديستوبيا: العلم والهوية في المدن المغلقة

تبدو نهاية العقد الثاني من قرننا مختلفة بشدة عن بدايته، فبعد الموجة الاحتجاجية العالمية، التي انطلقت عام 2011، بكل ما رافقها من أحلام التغيير، ومحاولات استعادة الحيّز العام، أو إعادة إنتاجه، وإسهامات فكرية وفنية، تسعى لصياغة إطار ثقافي ونظري للحراك الاجتماعي الجديد، يسود الآن وضع سياسي واجتماعي يحمل كثيرا من السمات الديستوبية: مدن مغلقة، جزئيا أو كليا، بسبب وباء، لم تُبتكر طريقة لمواجهته، إلا الإجراءات البيروقراطية والسلطوية؛ تغوّل في السلطة التنفيذية، وتحذيرات من إفراغ الديمقراطية من مضمونها؛ حروب أهلية باردة في مجتمعات «العالم الحر» تخلّف كثيرا من الاضطرابات والعنف الاجتماعي، مثل التي تشهدها الولايات المتحدة وفرنسا؛ انسداد أفق معظم محاولات التغيير، ليس بسبب القمع السلطوي دائما، وإنما لفشل المحتجين في صياغة مشاريع سياسية واجتماعية بديلة.
وعلى الرغم من أن العصور الحديثة شهدت ظروفا أشد صعوبة بكثير مما نعيشه حاليا، إلا أن الأمل بالتغيير، والنزعة الثورية التفاؤلية، كانا يجدان لنفسيهما غالبا أسسا قوية: الثقة بالعلم والعقل، وقدرتهما على إنتاج عالم أكثر عدالة وتوازنا؛ التعويل على إمكانية التحرر الاجتماعي والثقافي، حتى في حالة نقد العلموية والعقلانية؛ مناصرة فئات وطبقات اجتماعية قادرة بنيويا على حمل مشروع التغيير؛ بناء تنظيمات وبرامج سياسية، تطرح مطالب محددة وقابلة نظريا للتنفيذ.
ما قد يجعل أيامنا أكثر ديستوبية حتى من عصور حروب عظمى، مثل الحربين العالميتين، وأوبئة وكوارث شاملة، مثل الأنفلونزا الإسبانية، والمجاعتين الأيرلندية والأوكرانية، هو شعور الخيبة العام بكثير من أنظمة العالم الحديث، مثل العلم، الذي بدا، مع انتشار وباء كورونا، مطابقا لتصورات نقّاده الأكثر راديكالية، فلم ينجح، حتى الآن، إلا بالإسهام بفرض حالة استثناء نموذجية، وسلسلة قاسية من إجراءات السلطة الحيوية، ما جعل الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين يصف الطب الحديث بـ«دين العالم المعاصر» ويتحدث عن ضروره نقده فلسفيا، والتحرّر منه سياسيا؛ السياسة بدورها لم تعد قادرة على الوعد بتحسين الظروف العامة، مع اضمحلال وإغلاق الحيز العام، وغياب الفئات الاجتماعية القادرة على إنتاج مشاريع سياسية؛ في حين تغدو المنتجات الثقافية والفنية معرّضة، أكثر من أي وقت سابق، للرقابة والتعليب والاستياء الجماعي، فيصبح الحديث عن حرية التعبير والإمكانيات التحررية للعمل الإبداعي، أشبه بخطاب ينتمي لعصر مضى.
حملت الديستوبيا دوما، في المنتجات الفنية والثقافية المعاصرة، أبعادا فكرية وجمالية، بوصفها إعادة لبناء تصورات البشر عن ذاتهم ووجودهم الاجتماعي والتاريخي، عن طريق تخيّل عوالم فاسدة، تكثّف الاتجاهات والتطورات السلبية في الحاضر، وتحذّر منها، فما الذي تقوله حالة الخيبة العامة، التي تعطي لأيامنا طابعا ديستوبيا، عن التصورات الأيديولوجية المعاصرة؟ وهل باستطاعة المدن المغلقة إنتاج منظورات وجماليات جديدة؟

إلا أن انهيار الحيز العام الحديث قد لا يعني بالضرورة العودة إلى تضامن مجموعات الهوية المغلقة، أو إلى نمط من التمايز الفئوي – الهوياتي القروسطي

علم بلا طموح

يظهر العلم في أيامنا فاقدا لكثير من سحره القديم، فبعد الميل للتحذير من تطاول العلم على اختصاصات الآلهة، الذي ساد بشكل خاص في أدب القرن التاسع عشر، حين صُوّر العلماء والأطباء قادرين على إحياء الموتى، واكتشاف كل أسرار الكون، سادت النزعة الإنسانية التفاؤلية، مع حلول «عصر الفضاء» منذ آواخر خمسينيات القرن الماضي، ولعبت الأيديولوجيا السوفييتية دورا كبيرا في تعزيز هذه النزعة: البشر وصلوا للفضاء الخارجي، حيث لم يجدوا أبا سماويا يراقب ويعاقب، بل عالما مفتوحا للطموح العلمي، القادر على فهم قوانين الطبيعة وتسخيرها لمصلحة الإنسان، الذي بات أخيرا قادرا على السيطرة على عالمه. أصبح العلم يعمل بمنطق الفتوحات، فهو سيجعل البشر يستعمرون الكواكب البعيدة، يحولون الصحارى الرملية إلى مناطق خضراء، وينبتون القمح في الصحارى الجليدية. ليس ظالما القول إنه لم يبق اليوم من هذا الطموح إلا أصداء شاحبة، كما لا يمكن الفصل بين سقوط الأيديولوجيا السوفييتية ونهاية النزعة الإنسانية التفاؤلية.
على الرغم من أن نقد العلم، منهجيا وفلسفيا وسياسيا، ازدهر بشدة في القرن العشرين، إلا أنه لم يكن يشكك بمقدرات العلم نفسه على تغيير العالم، بقدر ما يناقش طبيعة هذا التغيير. الضربة الأكبر للطموح العلمي، لم تأت من نقّاده وإنما من سيرورة «تقدمه» نفسها، التي فصلت تدريجيا التقنية عن العلم، وأعطتها طابعا مرنا وتجاريا. لم يُنجز تقدم كبير، منذ سبعينيات القرن الماضي، على مستوى فتوحات العلم الكبرى، ولم يصل البشر إلى أعماق الكرة الأرضية أو إلى مجرات جديدة، وتوقفوا حتى عن زيارة القمر، الجرم السماوي الأقرب لكوكبهم. ورغم الاكتشافات الجديدة على مستوى الهندسة الجينية والفيزياء النظرية، فإن الاتجاه الذي وجد الدعم الاقتصادي والمؤسساتي الأكبر، بعد نهاية الحرب الباردة، كان تقنيا بحتا، وهو تطوير وسائل الاتصال. وبدلا من التصوّر التقليدي عن العالم العبقري القادر على تغيير العالم، ظهر نموذج تقني وادي السليكون، الموظف لدى شركات كبرى، تعمل على منتجات غير مادية، وتبيع «البيانات» بدلا من أن تحاول تغيير أو تطويع العالم المادي.
أزمة كورونا الحالية لم تعزز الشكوك بالقدرة التفسيرية والتغييرية للعلم فحسب، بل أظهرت بوضوح أيضا سمات مشتركة بين المؤسسات العلمية ومؤسسات السلطة التنفيذية: تعمل المؤسسات الطبية ومعاهد علم الفيروسات اليوم بوصفها أجهزة بيروقراطية، مهمتها إعطاء البيانات للسلطة التنفيذية، والمساهمة بوضع قوانين الحجر والإغلاق، ما يجعلها ممتزجة عضويا بمؤسسات السلطة، ضمن تركيب حيوي – سياسي شديد الوضوح. نادرا ما حظيت نظرية من نظريات العلوم الاجتماعية بتجسيد ملموس، مثلما تتجسد نظرية «السلطة الحيوية» في أيامنا.
ربما كان ديستوبيا العلم الأكثر رعبا ليس سيطرة الروبوتات أو الذكاء الصناعي على البشر، كما تخيّل كثير من كتّاب الخيال العلمي، بل أن تصبح المؤسسات العلمية والطبية أشبة بدوائر حكومية، بطموحات إدارية – سلطوية أكثر من كونها علمية، وأن يصبح «الإنجاز» العلمي الأكبر هاتفا محمولا سريع العطب.

سياسة بلا مشروع

بقرطة المؤسسات العلمية، واستبدال العلم الصلب بالتقنية المرنة، سرّع، مع أزمة كورونا، اتجاها سياسيا سائدا منذ عقود، وهو إغلاق المدن وإلغاء الحيز العام، فعلى الرغم من كل التنظير عن المدن الكوزموبولتية المعولمة، المنفتحة لحركة الأموال والمعلومات، فإن هذه المدن فقدت تدريجيا انفتاحها السياسي والثقافي، مع خصخصة حيزها العام على عدة مستويات: أولها انحلال مواطن العمل واللقاء الاجتماعي، مع نزع التصنيع، واضمحلال كثير من التنظيمات النقابية والأحزاب السياسية ومؤسسات الرعاية والمؤسسات الاجتماعية الوسيطة؛ وثانيها الاستيلاء التدريجي على كل ما هو عام ومشاع ومشترك، مثل الفضاءات المدينية العمومية، الروابط الاجتماعية، اللغات المتداولة، أشكال التعاون والتضامن، مع تطور الإنتاج غير المادي، وتسليع العواطف والقيم الثقافية؛ وثالثها اعتبار الحيز العام موطنا للعدوان المصغّر، والسعي لإفراد مساحات آمنة، مادية أو رمزية، لضحايا ذلك العدوان.
يصعب التعويل على إنتاج مشاريع سياسية ضمن هذا الشرط، وربما كان هذا السبب الأساسي لفشل معظم الحركات الاحتجاجية، التي تكاثرت في السنوات الأخيرة، بدون أن تحقق الحد الأدنى من التنظيم، أو تتمكن من صياغة بدائل سياسية. يبدو مشهد المدن المغلقة، نتيجة الحجر الصحي، المشهد الديستوبي الأكثر تكثيفا لكل تلك التغيرات، وربما سيصبح نزع المظاهر المدينية أمرا معتادا وموسميا في المستقبل المنظور، فيتعوّد البشر على مدن بلا نشاطات ثقافية واجتماعية أو مقاهٍ أو تجمعات عامة، وهو ما اعتبره أغامبين اعتداء على «جيرتنا الإنسانية».

هوية بلا مجتمع

إلا أن انهيار الحيز العام الحديث قد لا يعني بالضرورة العودة إلى تضامن مجموعات الهوية المغلقة، أو إلى نمط من التمايز الفئوي – الهوياتي القروسطي. وعلى الرغم من تقدم سياسات الهوية، وازدياد الحواجز غير المرئية بين مختلف المجموعات الثقافية والعرقية والدينية، فإن مجموعة الهوية تبقى تجريدا في الأيديولوجيا السائدة، أكثر من كونها واقعا اجتماعيا معاشا.
يتحدث كثير من أنصار أيديولوجيا التنوّع عن جماعات مثل، النساء والمسلمين والسود، إلا أنه لا يمكن سيسولوجيا رصد هذا النوع من الجماعات، أو تحديد مواطن وجودها، والحديث عن مؤسسات اجتماعية أو نمط حياة معيّن لها، لا تظهر جماعة الهوية إلا من خلال أفراد يسعون، من خلال ادعائهم الانتماء إليها أو تمثيلها، للحصول على مكاسب «التمكين» في بعض المؤسسات والشركات، في حين لا يجد بقية «المهمشين» جماعاتهم المفترضة حولهم عند الحاجة، ولا ينالون أي شكل من الدعم والتضامن الفعلي. لا يعني هذا أيضا تقدما للفردانية على حساب الجماعاتية، فنمط العزلة الاجتماعية والأيديولوجيا السائدة لا ينتجان أفرادا متميزين، بقدر ما يحوّلان الأفراد إلى نسخ متشابهة في خضوعها، تحمل كل سمات الحشد السلبي: مشتت ومائع وغير فاعل. وربما كان السؤال النظري الأهم في السنوات المقبلة: هل بإمكان الحشد السلبي ابتكار أنماط احتجاجية جديدة للخروج من شرطه الديستوبي؟
٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية