في لبنان نخبة لا تريد إصلاح نفسها تتاجر بويلاته وتتمادى في تركيع أهله وتجويعهم

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

بات كل شيء يأتي من لبنان يثير القلق ويدعو على الحزن والأسى، فما نراه في الأخبار وما ينشر من صور تعطي صورة أن لبنان الذي نراه ليس لبنان القديم، فقد تغير البلد وتغير سكانه، ففيه جيل يحن للتغيير ويريد الخروج من شرنقة الطائفية ودول الطوائف التي تحكمه منذ عقود، وهو جيل حاول الثورة في 2019 ونجح بتغيير الحكومة لكنه لم يكن قادرا على تغيير البنى السياسية التي انتجت النخبة الحالية، وهذه ليست مشكلته وحده، فهي مشكلة كل التجارب العربية في العقد الأخير التي ثارت على القمع والطغيان لتجد نفسها أمام نظام متمرس لا يريد التخلي عن مكتسباته بل وزاد شراسة.

عندما أصبحت الأساسيات كماليات

ولكن حال لبنان بات يعرف بالأرقام وطوابير الوقود التي تمتد على أميال، والفقر الذي طال الجميع حتى الطبقة المتوسطة. وأصبح يعرف بالشكوى من التضخم العالي وعدم توفر التيار الكهربائي ونقص الأدوية والإمدادات الطبية بشكل ترك الأمراض الخطيرة بدون علاج، ووسط انتشار كوفيد-19 الذي أضاف إلى معاناة البلد.
وبالنسبة لأصحاب البيوت فقد باتت الكهرباء والاحتياجات الأساسية والإنترنت والأدوية أمرا بعيد المنال، لكن معاناتهم لم تترك إلا أثرا قليلا على الساسة الحريصين على استمرار نظام الرعاية القائم على المحاصصة الطائفية والذي قوض الحكم في البلاد وعلى مدى العقود الماضية. وفي لعبة الأرقام، والأرقام لا تكذب، يبدو لبنان يسير نحو الهاوية، فقد اعتبره البنك الدولي واحدا من ثلاث أزمات كساد عالمي حدثت منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي تقرير أشار فيه إلى أن ناتج الدخل الإجمالي انخفض بنسبة 40 في المئة في الفترة ما بين 2018- 2020 وزادت معدلات البطالة من 28 في المئة في شباط/فبراير 2020 إلى 40 في المئة في كانون الأول/ديسمبر 2020. ووصل سعر الليرة اللبنانية في السوق السوداء إلى 17.000 ليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد. وانخفضت البضائع المستوردة بنسب 45 في المئة حيث أجبر التضخم العملة المتداولة إلى الإرتفاع بنسبة 197 في المئة. فالأسعار تتزايد بشكل مستمر وطوابير الوقود تمتد على أميال، فيما قرع الجيش اللبناني الذي لم يعد يحرس حدودا حساسة ويحافظ على السلم في مجتمع منقسم فقط بل وقرعت أجراس الخطر من تفككه بسبب الضغوط المالية على الجنود. والمفارقة أن الجيش اللبناني بات يسير رحلات سياحية على متن مروحياته، بسعر التذكرة 150 دولارا في رحلة من ثلاثة أفراد، حيث تحلق الطائرة فوق لبنان المحطم ويرى محبو الطيران المرفأ المدمر وبلدا منهكا بات يتقاتل على الخبز وينقصه الدواء. وجاءت خطوة الجيش ردا على التضخم العالي الذي أصبحت فيه القدرة الشرائية للجندي اللبناني 100 دولار أو أقل وليس800 دولار، بعدما فقدت الليرة نسبة 90 في المئة من قيمتها أمام الدولار.
وبحسب البنك الدولي فقد انكمش الاقتصاد اللبناني من 55 مليار دولار في 2018 إلى 33 مليار دولار العام الماضي. ويقدر أن نسبة 55 في المئة من سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر. وربما تقلص بنسبة 10 في المئة هذا العام، مع أن الاقتصاد ينكمش بطريقة سريعة ولا أحد يعرف ماذا سيحدث. وخسر الكثير من المودعين توفير حياتهم في عمليات مصرفية «زومبي» استمرت بفضل دعم الحكومة، ولم يعودوا قادرين على الوصول إليها منذ عام تشرين الأول/أكتوبر 2019. وحسب تقرير في صحيفة «فايننشال تايمز» (1/7/20212) فقد أثر نقص الوقود على المصانع والشركات في جميع أنحاء لبنان بشكل يهدد بوقف التصنيع والتسليم والنقل في بلد يعاني من أسوأ أزمة اقتصادية في زمن السلم. وجاء فيه أن حال الطوارئ المتعلقة بالوقود، التي يلقى باللوم فيها على «التهريب والتخزين وتأخر التسليم» تفاقمت بسبب قرار السلطات التي تعاني من ضائقة مالية بخفض دعم الوقود وانهيار قيمة الليرة اللبنانية. والمفارقة أن أزمة الوقود مفتعلة حسبما يرى الكثيرون، وأشارت صحيفة «الغارديان» (28/6/2021) إلى ما قاله وزير لبناني «في الفترة الأخيرة انتشرت عمليات بيع مواد الدعم (من المصرف المركزي) وبخاصة الدواء والوقود إلى سوريا» و «يحدث هذا في وضح النهار». فيما وصف دبلوماسي غربي أزمة الوقود بالاحتيال: «لا يوجد نقص في الوقود، ويقوم الموزعون المحليون بالحفاظ عليه في الناقلات من أجل زيادة هامش الربح ويتم شحنه إلى سوريا حيث يتم بيعه بأسعار مرتفعة وأكثر مما يمكن الحصول عليه في الأسواق المحلية، ويحصل عدد من اللاعبين ومن كل الألوان على الأرباح الزائدة» و «هو نفس النظام والأشخاص الذين قادونا إلى هذا الطريق هم أنفسهم الذين يجب خروجهم منهم، ولكنهم لا يريدون ولا يمكنك إصلاح مشكلة ترفض الإصلاح».

أطفال لبنان هم الضحايا

وأشارت صحيفة «إندبندنت» (1/7/2021) إلى أن 80 في المئة من أصحاب البيوت بدون طعام أو ليس لديهم المال لشرائه. في إشارة إلى دراسة مسحية قامت بها منظمة الطفولة العالمية «يونيسيف» والتي وجدت أن ثلث أطفال لبنان يذهبون للنوم وبطونهم خاوية من الطعام أو يتجاوزون الوجبات بسبب «الكساد المدمر» الذي جعل العائلات بدون دعم اجتماعي. وتصل نسبة العائلات التي لا طعام لها أو لا مال لشرائه داخل المخيمات السورية إلى 99 في المئة، وهم من استخدمهم قادة لبنان ككبش فداء لتحميلهم ويلات البلد. ووجدت الدراسة أن واحد من كل عشرة أطفال أرسلوا للعمل في وقت تكافح فيه العائلات لتأمين لقمة العيش. وهذا يعني أن أكثر من نصف السكان وعددهم ستة ملايين نسمة يعيشون تحت خط الفقر. بل وحذر برنامج الغذاء العالمي، بداية العام الحالي أن لبنان بات عرضة للمجاعة.

المخاطر الإقليمية لانهيار لبنان

ولا تقتصر المخاوف من فشل لبنان، نظرا لعدم موافقة النخبة مساعدته على انقاذ نفسه على البلد، بل وعلى المنطقة التي تعاني منذ 2011 من حروب وتقلبات وانقلابات وأوبئة وحراك سكاني على قاعدة واسعة. وقد تحاول الدول الكبرى التقليل من أزمة لبنان في ظل الأولويات الدولية واهتمام معظم القوى بمكافحة كوفيد-19 أو تغيير مسار السياسة كما هو الحال مع الولايات المتحدة والتصدي لصعود الصين، لكن الوقوف في صف المتفرجين سيترك آثاره الكبيرة على لبنان وسوريا التي تتداخل أزمتها معه. وفي مقال نشره موقع «ناشونال انترسيت» (28/6/2021) ناقش أن انهيار لبنان سيقود إلى سلسلة من الأحداث التي قد تزعزع استقرار المنطقة، فكما حدث في سوريا، فستجد الجماعات اللبنانية وبدعم خارجي نفسها في مواجهة بعضها البعض في نزاع سينتقل أثره إلى الخارج. وسيؤدي تفكك الدولة إلى تحطيم التحالفات المحلية القائمة على خدمة الذات والتي لن تظل قائمة حالة انهيار الدولة. وسيتحول النهج القديم في تحميل الخصم اللوم إلى العنف. وسيترك هذا أثره السلبي على المجتمع اللبناني والجهود لتأمين استقرار المنطقة كما بدا من الاتصالات الأخيرة بين إيران والسعودية. وسيجد العالم نفسه أمام موجة جديدة من التشريد اللبناني، وهو الذي رفض وعلى مدى العشر سنوات الماضية موجات من اللاجئين السوريين.

خطيئة فرنسا

ورغم المحاولات التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للضغط على النخبة اللبنانية إلا أن المشاركة الفرنسية تظل في الحد الأدنى، وطالت النخبة اللبنانية التي تعتبر أساس المشكلة، ولم تترافق محاولات الضغط على القادة اللبنانيين الحريصين على بقاء الوضع الراهن بما فيه من محاصصة طائفية ومحسوبية وفساد، مع التواصل مع قطاعات الشعب اللبناني وقوى المجتمع المدني التي استطاعت في تشرين الاول/أكتوبر 2019 إجبار حكومة على الاستقالة. وفي تقرير بمجلة «فورين بوليسي» (23/6/2021) قالت فيه أنشال فوهرا إن فشل خطة إنقاذ لبنان يتحمل جزءا منها الرئيس ماكرون. فلم يتحقق أي شيء من المبادرة التي أطلقها بعد زيارته بيروت العام الماضي بهدف تخليص لبنان من مشاكله المتعددة. ورأت أن التدخل الإيراني والخلاف مع الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع حزب الله، كانت سببا في موت المبادرة الفرنسية. إلا أن المشكلة الرئيسية في المبادرة أنها قامت على نفس الطبقة السياسية المتهمة بالكوارث التي يعاني منها لبنان اليوم. وكان رفضها القيام بإصلاحات سببا رئيسيا في انهيار الخطة الفرنسية. ولعب التردد الفرنسي بفرض العقوبات على النخبة السياسية لكي تدفع الثمن عوضا عن مناشدتها لكي تفعل ما فيه صلاح البلد دورا في دمار المبادرة. وكان ماكرون أول رئيس يزور لبنان بعد الانفجار الكارثي الذي ضرب مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020 حيث قوبل بترحاب وأمل في حي الجميزة ومار ميخائيل ببيروت، ثم عاد مرة أخرى في أيلول/سبتمبر وطلب من النخبة تشكيل حكومة تكنوقراط بمدى أسبوعين وانتخابات مبكرة وإصلاحات في قطاع الكهرباء. وكره الساسة في لبنان فكرة تشكيل حكومة جديدة، علاوة على انتخابات مبكرة أو تقديم آلية محاسبة، وهي ضرورية من أجل التفاوض على حزمة إنقاذ مع صندوق النقد الدولي. وقضى الساسة الوقت وهم يتجادلون حول مناصب الحكومة التي يجب أن تذهب للجماعات الوكيلة، حتى يظلوا يصدرون القرارات وهم خارج الحكومة. واستقال حسان دياب بعد التفجير لكنه لا يزال رئيس حكومة تصريف أعمال. وتم تكليف سعد الحريري في تشرين الأول/أكتوبر بتشكيل الحكومة لكنه يجد معوقات دائمة، فهو يتنقل إلى قصر بعبدا، مقر الرئيس لكي يحصل على موافقته على التشكيلة الحكومية حسبما يقتضي الدستور. وأشارت إلى العراقيل التي توضع أمام تشكيل حكومة جديدة، وبخاصة من صهر الرئيس ميشيل عون، جبران باسيل الذي عاقبته الولايات المتحدة بتهم الفساد، ولكنه طامح للجلوس في معقد صهره. ويتهم باسيل بأنه يعمل لمصلحته السياسية وليس مصلحة البلد. وبات عدد من الساسة والمحللين في لبنان غاضبين من تأثير جبران على الرئيس والشروط التي تفرض لتشكيل الحكومة التي قال سياسي لبناني أن أي رئيس وزراء «في كامل عقله» لن يقبل بالعمل في حكومة يمارس عليها حزب الفيتو.
ومن المفارقة أن النخبة التي حمتها فرنسا هي من تقوم بتخريب مبادرتها. وتقول فوهرا إن ساسة لبنان يقومون بمعركة أعصاب مع الفرنسيين حتى تصبح الأمور في حالة سيئة ويشعر الفرنسيون انهم مجبرون أخلاقيا للتدخل والمساعدة. وأمام المأزق اللبناني أعلنت فرنسا قبل شهرين عن عقوبات على لبنانيين بتهم الفساد ومحاولة منع جهود تشكيل الحكومة، لكنها لم تكشف عن أسمائهم. وهي عقوبات مخففة وتشمل على منع السفر إلى فرنسا فقط. ولوحت عدة دول بورقة العقوبات ضد النخبة اللبنانية التي ترفض القيام بالإصلاحات الضرورية أو اتخاذ الخطوات لتخفيف المعاناة المتفاقمة يوميا على الشعب اللبناني. وقال ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (23/6/2021) إن قيام أوروبا والولايات المتحدة فرض عقوبات على لبنان ضرورية حتى تستفيق طبقته السياسية للواقع الصعب. وأضاف إن توافق طبقة أمراء الحرب الأهلية السابقين على حكومة لن يحدث فرقا على حياة اللبنانيين. واتهم النخبة الحاكمة بخنق الاقتصاد وعدم اهتمامها بمصلحة البلد. فـ «المافيا الطائفية محصنة بملياراتها التي حصلت عليها بطرق غير مشروعة وعلى حساب البؤس والجوع الذي يعاني منه الفقراء أو الطبقة المتوسطة الغارقة التي صودرت ودائعها في المصارف لأسباب عملية». ويقول غاردنر إن الجمود السياسي الحالي في لبنان الذي لا توجد فيه حكومة منذ الانفجار في بيروت قبل 11 شهرا هو آخر فصل من محاولة الطوائف السنية والشيعية والمسيحية والدرزية من بين 18 طائفة معترف بها للحصول على مميزات. وفوق كل هذا فهناك حزب الله، الجماعة الشيعية المسلحة التي تدعمها إيران والمتحالفة مع حركة أمل، الحركة الشعبية المسلحة السابقة والتيار الوطني الحر بزعامة الجنرال السابق عون. ولدى حزب الله تأثير في قوات الأمن ويسيطر على الغالبية في البرلمان ويمارس الفيتو على التعيينات الحكومية، وهو لا يريد خسارة تحالفه المسيحي الثمين، وبات يعمل كدرع حام للطبقة السارقة «كليبتوقراطية» التي ركعت لبنان. ويقول الدبلوماسيون والعارفون أنه لا يوجد حديث الآن حول الأزمة، فالكل يركز على الانتخابات المقبلة وإطالة حكمهم. وهناك اعتقاد متزايد داخل وخارج لبنان أن النخبة ستجبر على المقايضة لو فرضت العقوبات على حساباتها وأرصدتها (ومعظمها في الخارج) ومنع أفرادها من السفر. ومشكلة لبنان أن نخبته تعتقد أنها محمية بالقانون ومعفاة من المسؤولية ولها الحق في سرقة مصادر بلد يستورد معظم طعامه وعلاجه، ولديهم مهارة في المماطلة. فالتحقيق في انفجار بيروت يتوقف كلما أعلن قاض عن تحرك يمس طرفا حيث تتحرك أطراف أخرى لحمايته وإفشال مهمته، خشية الكشف سقوطها معه. وهو ما لاحظته صحيفة «نيويورك تايمز»(2/7/20221) عندما ناقشت الخطوات التي اتخذها قاضي التحقيق الجديد طارق بيطار، فهو الأخير الذي يعين في الجهود غير الناجحة لتحديد المسؤول عن الانفجار الكارثي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية