في لقاء مع عالم الاجتماع والمناضل المصري احمد القصير:
مصر تعيش عملية تفكيك وتدمير للنسيج الاجتماعي والنظام عاش واستمر بالأزمات ووصل إلي نهايتهالقبيلة في اليمن ليست مشكلة.. المعضلة في النظام السياسي الذي يستخدمها لعرقلة تطور المجتمع المدنيفي لقاء مع عالم الاجتماع والمناضل المصري احمد القصير:اجري الحوار: محمود قرنيالدكتور أحمد القصير عالم اجتماع، ومناضل سياسي قضي أكثر من عشر سنوات في سجون عبد الناصر والسادات، ولا زال حتي هذه اللحظة فاعلا ومؤثرا في محيطه الثقافي والمجتمعي، وقد قضي شطرا مهما من حياته في تدريس علم الاجتماع بالجامعات اليمنية. وكان الإنجاز المهم الذي قدمه هو قراءة الواقع اليمني بمدخل منهجي جديد. وشملت تلك القراءة القضايا الشائكة التي يتجنبها الباحثون عادة ومن بينها حقيقة الأوضاع القبلية، والتداخل القائم بين الدولة والقبيلة، والتاريخ الثقافي لليمن الحديث.وكان القصير ضمن رعيل من الأساتذة الذين ساهموا في تأسيس مدرسة في علم الاجتماع عرفت في الأدبيات بـ مدرسة جامعة عين شمس . ومنذ أن كان القصيرعضوا في تنظيم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني حدتو ولم يأفل له نجم في الواقــع السياسي والثقافي، وكان بين أهم ما قدمه من مؤلفات منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنيوية ، ثم شرخ في بنية الوهم: الهجرة والتحول في اليمن . كما ترجم عدة مؤلفات مهمة منها تشيكوف ، و أوروبا والتخلف في أفريقيا ، و التنمية الاقتصادية في الدول النامية ، و ثورة الحفاة بالإضافة الي عــدد آخر من الأعمال المهمة. وفي هذا الحوار نلتقي الدكتور أحمد القصير ليحدثنا عن تجربته السياسية والانسانية والثقافية، وكيف يري المشهد منذ خمسينيات القرن العشرين وحتي الآن.وهنا نص الحوار:التكوين والمؤثرات الأولي حدثني عن البدايات، المؤثرات الأولي، القراءات، الجامعة ثم الاشتغال بالسياسة؟ المؤثرات الأولي تمثلت في أوضاع عامة وأخري خاصة. الأوضاع العامة تتركز في الانفراجة السياسية ووصول حزب الوفد بزعامة مصطفي النحاس الي الحكم عام 1950، وظهور مناخ ديمقراطي وهو ما ساعد علي صعود ثقافة جديدة تتسم بالطابع الوطني وتدعو الي العدل الاجتماعي والانتماء للوطن. وكانت تجليات تلك الثقافة تظهر عادة في الصحافة قبل أن تتحول الي كتب.وعلي سبيل المثال كانت هناك صحافة اليسار الماركسي مثل مجلة الكاتب التي أصدرتها حدتو وكان رئيس تحريرها سعد كامل ويشرف عليها سياسيا الشاعر كمال عبد الحليم ، وكان صاحب الامتياز يوسف حلمي ، سكرتير عام اللجنة المصرية لأنصار الســــلام وهو محام وسياسي شهير ومؤسس جمعية أصدقاء سيد درويش. وأود أن ألفت الانتباه الي أن هذه المجلة قد نشرت الفكر الجديد وقدمت فنا جـــــديدا، وكانت هي التي نشرت مثلا أول قصيدة بالعامية لصلاح جاهين. كما كانت هناك جريدة المصري الوفدية وأبرز كتابها عبد الرحمن الخميسي. وللعلم فإن الخميسي هو أول من قدم الأديب الكبير يوسف إدريس. وعلاوة علي ذلك شاركت حدتو في إصدار صحيفة الملايين بالتعاون مع صاحبها أحمد صادق عزام في بداية عام 1951 وكان لها هي الأخري دور بارز في نشر الثقافة الجديدة والفكر الجديد لكنها توقفت في آخر ذلك العام بعد تعرضها لمصادرات عديدة ثم أعيد إصدارها بعد ثورة 23 يوليو 1952 وتم في هذه الفترة أيضاً إصدار مجلة أخري هي مجلة الغد التي تميزت بوجه خاص بالتركيز علي الثقافة والفكر والفنون.وشمل دور اليسار في هذه الفترة إيجاد دور للنشر أي وسائل نقل أو نشر الثقافة. وقد تأثرت بالأعمال التي نشرتها دار الفن الحديث التي أسسها عام 1950 ابراهيم عبد الحليم وكمال عبد الحليم، وهما من قادة حدتو. وكانت تتجمع حول كمال مجموعة متميزة من الأدباء والفنانين وضعوا بصماتهم في الحياة الثقافية. وكانت تلك الدار هي التي نشرت في أوائل عام 1951 الطبعة الأولي من ديوان إصرار لكمال عبد الحليم، وقصيدة من أب مصري للرئيس ترومان لعبد الرحمن الشرقاوي، وديوان المعركة للشاعر الفلسطيني معين بسيسو علاوة علي بعض الأعمال الأخري.وأود أن أضيف الي إسهامات اليسار في مجال الصحافة كلمات موجزة عن فترة أربعينيات القرن العشرين أي الفترة السابقة مباشرة علي ظهور مجلة الكاتب ومجلة الغد في الخمسينيات. فقد أصدرت حدتو أيضا في منتصف الأربعينيات صحيفة الجماهير وكان يترأس تحريرها شهدي عطية الذي قتل أثناء تعذيبه بالمعتقل في 15 حزيران (يونيو) 1960. وكتب شهدي في تلك الصحيفة عدة مقالات دعا فيها الي تأسيس حزب شيوعي مصري. وقدم شهدي بعد ذلك في الخمسينيات قراءته في تاريخ مصر. وأعني بذلك كتابه عن تطور الحركة الوطنية المصرية . وتعتبر فترة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين مرحلة خصبة شهدت إسهامات ثقافية متميزة لليسار المصري سرعان ما أصبحت من المكونات العامة للثقافة المصرية.. وهناك احتياج الي إجراء دراسات حول تلك المرحلة وتأثيراتها. وقد أهملها الباحثون الاجتماعيون والمؤرخون. أما المؤثر الثاني فكان انتقالي في عمر صغير عام 1948 من ريف مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية لدراسة المرحلة الثانوية بالقاهرة. ولم يكن الانتقال مجرد احتكاك والعيش في مدينة القاهرة. فكان السفر في حد ذاته علي طريق المعاهدة المحاذي لترعـــة الاسماعلية رؤية جديدة حيث كانت القوات البريطانية في ناحية التل الكبير. وكانت توجد لها أحيانا نقاط تفتيش علي ذلك الطريق المؤدي الي القاهـــرة. وكان ذلك أمرا مستفزا فتح بابا للتفكير في أشياء كثيرة.. وفيما بعد ظهر ميلي للبحث عن أفكار تساعدنا علي الخلاص من هذه الأوضاع. ولذلك أخذنا نبحث عن أصحاب الفكر الاشتراكي الذي كنا نري فيه مستقبل البلاد حيث شعرنا أنه فكر يتميز بتنمية الروح الوطنية ويشحـــن الوجدان بشعور الانتماء. وقد فصلت من مدرسة حلوان الثانوية عام 1951 بسبب اتجاهاتي اليسارية حسبما جاء في الخطاب الذي أرسلته المدرسة الي أسرتي بمدينة فاقوس. وكنا ننشط في المدرسة وفي مدينة حلوان. ومن أبرز الذين نشطوا معي حزبيا في حدتو ابراهيم العشماوي المستشار فيما بعد والذي تم استبعاده من النيابة في نهاية الستينيات ضمن ما يسمي بمذبحة القضاء، كما كان معنا خالد فضل وهو يمني الجنسية ويترأس حاليا حزب التجمع التقدمي الوحدوي اليمني. وكان قد تولي في الثمانينيات وزارة العدل في اليمن الجنوبي سابقا.. كما كان شقيقي عيداروس القصير ضمن تلك المجموعة النشطة حزبيا.. كانت صلاتنا السياسية في حلوان بكل ألوان الطيف السياسي. وكنا علي صلة دائمة بالمجموعات النشطة سياسيا لا سيما أحمد صادق عزام وهو من الحزب الوطني القديم، حزب فتحي رضوان ، وكان عزام يترأس تحرير صحيفة الملايين التي كانت تصدرها حدتو. ولم نكن علي علم آنذاك بطبيعة علاقته بحدتو. وهو شخصية جماهيرية في حلوان وكرس جهده للدفاع عن العمال مجانا في حلوان ويتبني قضاياهم. كما كنا ننسق مع أعضاء حزب مصر الفتاة ثم الوفد في مرحلة لاحقة خاصة عندما شكلنا جبهة وطنية كان يمثل الوفد فيها أبوبكر حمدي سيف النصر.. ومن الشخصيات البارزة التي كنا نتقابل ونتناقش معها في تلك الفترة سيد قطب وذلك بعد أن عاد من أمريكا عام 1951. وكان معنيا آنذاك بالتعليم والقضايا الأدبية. ولم نكن نلحظ أثناء المناقشة معه أي تبرم من اتجاهاتنا اليسارية علي عكس ما كنا نجده في الاخوان المسلمين. النشاط الجامعي وماذا عن فترة الدراسة الجامعية التي شهدت اعتقالك أكثر من مرة؟ لم أرتبط بنشاط حزبي يذكر في الجامعة، بل كان لي نشاط علمي وفكري. أما النشاط السياسي فاستمر مرتبطا بمنطقة حلوان بضواحي القاهرة حتي السبعينيات، وكنت مسؤولا عن النشاط الحزبي في تلك المنطقة العمالية. وكانت هذه الصفة تلتصق بي وتظهر تأثيراتها عند حدوث أي توترات في حلوان. ومثال ذلك اعتقالي في 4 كانون الثاني (يناير) 1975 عند قيام عمال حلوان بأحد إضراباتهم الواسعة النطاق رغم عدم تواجدي آنذاك بالمنطقة وعدم وجود صلة لي بذلك الإضراب سوي معرفتي ببعض القادة النقابيين. وكان ذلك هو الاعتقال الرابع.عندما التحقت بكلية الحقوق جامعة عين شمس عام 1953 لم أحصل علي فرصة حيث تم اعتقالي بعد شهرين فقط أي في كانون الاول (ديسمبر) من نفس العام.. وعند الإفراج عني في تموز (يوليو) 1956 وجدت قرارا من مجلس قيادة الثورة بفصلي. فالتحقت بكلية الآداب. وساعدني في ذلك الدكتور حلمي مراد، وهو شخصية عامة معروفة وكان آنذاك وكيلا لكلية الحقوق. وقد استند في التوصية التي أرسلها معي الي الدكتور مهدي علام عميد الكلية آنذاك الي أن قرار مجلس قيادة الثورة لم ينص علي الفصل من الجامعة بل من كلية الحقوق.. ولكن تم اعتقالي ثانية في فجر أول كانون الثاني (يناير) 1959 فانقطعت عن الدراسة بقسم الاجتماع بكلية الآداب ولم أعد اليها إلا بعد الإفراج عني في ايار (مايو) 1964. وقد تخرجت في 1967 والتحقت بالدراسات العليا. ولكن انقطعت عن الدراسة مرة ثالثة بسبب اعتقالي للمرة الثالثة في آذار (مارس) 1966. وأثناء وجودي بالمعتقل أرسلت سرا لقسم علم الاجتماع بكلية آداب عين شمس أطلب تسجيل موضوع لرسالة الماجستير ووافق القسم بالفعل علي تسجيله، وأرسل يطلب حضوري من المعتقل لمقابلة المشرف علي الرسالة. لكن الداخلية رفضت. وبعد الإفراج عني في 7 نيسان (أبريل) 1971 قمت بإعداد رسالة للماجستير في نفس الموضوع الذي تم تسجيله أثناء وجودي بالمعتقل وهو الأسس المنهجية في علم الاجتماع المعاصر .في تلك الفترة كان القسم يسمي قسم الدراسات النفسية والاجتماعية . لكنه انفصل بعد ذلك الي قسمين، أي قسم لعلم النفس وآخر لعلم الاجتماع. وكان القسم المشترك يضم آنذاك عددا من الأساتذة المتميزين علميا ولدي البعض منهم توجهــات يسارية. لكن أود أن أشير الي شخصية علمية شديدة التميز، وهو الدكتور مصطفي زيوار أستاذ علم النفس الشهير. وكان يعمل علي حماية الطلبة من أي عدوان ويشجع المتفوقين. وأذكر أنه دون صلة شخصية به عمل علي حمايتي من اضطهاد بعض الأساتذة التقليديين. كما قام بتقديمي للدكتور فؤاد زكريا لكي أنشر دراسة كتبتها في مجلة الفكر المعاصر التي كان يترأس تحريرها.لم أعمل بالتدريس الجامعي إلا بدءا من عام 1980. وقد اشتغلت مترجما فترة ليست قصيرة. كما اشتغلت بالصحافة. وعملت بعض الوقت في السبعينيات مع الصحافي حسنين كروم كأحد سكرتيري تحرير مجلة الكاتب. لكننا استقلنا في ايلول (سبتمبر) 1974 ضمن استقالة جماعية شملت رئيس تحرير المجلة وجميع أعضاء مجلس التحرير لأن يوسف السباعي وزير الثقافة آنذاك فرض رقابة علي المجلة. وكنت عضوا بنقابة الصحافيين. لكنني طلبت في الثمانينيات إيقاف عضويتي بالنقابة لأنني كنت أواجه مشاكل عند سفري الي الخارج بسبب مهنة الصحافي المسجلة في جواز سفري. وزادت حدة المشكلة عندما اعتزمت الإقامة في فرنسا في النصف الثاني من الثمانينيات.. وحصلت من نقابة الصحافيين بعد فترة من تقديمي ذلك الطلب علي ما يفيد انني لم أعد مسجلا في النقابة، واستطعت بذلك تغيير مهنة الصحافي في بطاقة الهوية وجواز السفر.مدرسة عين شمس للاجتماع أذكر أنك تحدثت عما يسمي في مصر بمدرسة عين شمس في علم الاجتماع . نريد مزيدا من الضوء؟ في الجامعة أظن أنني كنت أحد المساهمين في عملية ظهور ما سمي فيما بعد مدرسة جامعة عين شمس في علم الاجتماع . وقد قمت بانتقاد القصور الذي يهيمن علي المناهج السائدة في مجال علم الاجتماع في الجامعات المصرية. وكانت المدارس السائدة في علم الاجتماع ولا تزال بدرجة أو أخري عاجزة عن دراسة الواقع ومتأثرة بالأساس بالمدرسة الوظيفية الأمريكية الي جانب تأثرها بتوجهات فكرية أخري. من الناحية التطبيقية قدمت هذه المدارس، في أحسن الأحوال، بعض الدراسات الوصفية. وهي بالرغم من كل شيء دراسات هامة وتعتبر مقدمة لدراسة الواقع دراسة جادة ومتعمقة. فالوصف مرحلة أولية في العلم، لكن العلم يحتاج لكي يكتمل الي الانتقال من الوصف الي التحليل. وهذا ما تفتقر إليه المدرسة الوظيفية. وعلاوة علي ذلك فإن الدراسات الوصفية التي يعول عليها تعتبر نادرة للأسف، وترتبط بعدد محدود للغاية من أساتذة علم الاجتماع. وأبرز هؤلاء الدكتور حسن الساعاتي بجامعة عين شمس الذي قدم دراسة عن التصنيع والعمران بالاسكندرية ودراسة أخري عن القاهرة هي مسح باب الشعرية واعتبرت نماذج يجري تدريسها. وكانت جامعة القاهرة في ذلك الوقت بها بعض التوجهات المتميزة المرتبطة فكريا بالمفكر الفرنسي سان سيمون وتأثير أنصاره في مصر. لكن هذا التوجه ظل محصورا في شخص واحد تقريبا. وعلي أية حال فإن أصحاب المشروعات العلمية نادرون بين أساتذة علم الاجتماع المصريين. وأبرز أصحاب المشاريع العلمية هم الدكتور أحمد أبوزيد والدكتور أحمد خليفة والدكتور سيد عويس. لفتت التجربة التي ساعد علي إيجادها الدكتور السيد بدوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الاسكندرية الذي كان يحضر لتدريسنا بالدراسات العليا بآداب عين شمس انتباه بعض أساتذة القسم. وقد أتاحت تلك التجربة لطلاب الدراسات العليا فرصة مناقشة وانتقاد أوضاع علم الاجتماع وأوجه القصور السائدة. واقترح بعض الأساتذة استمرار تلك العملية وتعميمها لتشمل أيضا أعضاء هيئة التدريس. ولذلك اقترحوا تأسيس سيمينار أي ندوة أسبوعية بالقسم لطلاب الدراسات العليا وأساتذة القسم. وهو ما حدث بالفعل. ولعبت الندوة دورا في تطوير الأفكار المنهجية بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب علاوة علي تطوير موضوعات المحاضرات والرسائل الجامعية.وهناك عوامل أخري ساعدت في ظهور تلك المدرسة. ومن بينها دور الدكتور حسن الساعاتي رئيس القسم في دعوة أساتذة زائرين متميزين علميا وفكريا لتدريسنا نحن طلاب الدراسات العليا وإلقاء محاضرات لطلاب الدراسات العليا منفردين أو لطلاب الدراسات العليا مع أساتذة القسم. والملاحظ أن أغلب أولئك الأساتذة الزائرين يختلفون فكريا عن الدكتور الساعاتي. وأذكر في هذا المجال جاك بيرك المستشرق الفرنسي الذي ألقي علينا محاضرات لمدة شهرين كان يحضرها طلاب الدراسات العليا بعلم النفس وعلم الاجتماع. وأذكر أيضا حضور الدكتور أنور عبد الملك كأستاذ زائر حيث ألقي محاضرات استمرت عدة اسابيع لطلاب الدراسات العليا وجميع الأساتذة بقسم الاجتماع.دراسات عن اليمن وماذا عن إسهامك الشخصي في عجلة التطوير في مجال علم الاجتماع؟ الإسهام الأول نظري يتعلق بالمنهج. وقد أشرت الي ذلك الأمر سابقا عند حديثي عن انتقاد المدارس المنهجية السائدة في علم الاجتماع. فقد أوضحت العجز والقصور في دراسة الواقع. وكتابي عن منهجية علم الاجتماع يجري تدريسه في أكثر من جامعة عربية. أما الإسهام الثاني فهو تطبيقي.. ومن المفارقات أن دراساتي التطبيقية ارتبطت أساسا بالمجتمع اليمني حيث أشعر أنني قدمت نهجا جديدا في تناول قضايا المجتمع اليمني، وبالذات فيما يتعلق بتركيبة ذلك المجتمع المعقدة، وهي تركيبة تخدع الباحثين عادة. وقد انتقدت الدراسات التي أجراها الأوروبيون عن المجتمع اليمني ومن حذا حذوهم من الباحثين اليمنيين. فهي دراسات مضللة بكل المقاييس. ولا تؤدي الي فهم طبيعة ذلك المجتمع خاصة ما يتعلق بالجانب القبلي. وقد اجتهدت في دراساتي العديدة عن المجتمع اليمني بما في ذلك الدراسات الميدانية لتقديم افتراضات معينة وعملت علي تحقيقها. ومن المفارقات أنني وجدت ما يساعدني علي تحقيق تلك الافتراضات في الأعمال الأدبيــــة اليمنــية من شعر ورواية وقصة وأغان شعبية، إذ أن تلك الأعمال كانت أقرب الي فهم الواقع علي عكس الدراسات الاجتماعية التي قدمها الأجانب أو بعض اليمنيين. وأذكر من الأعمال الأدبية الهامة التي تعين أي باحث اجتماعي ديوان غريب علي الطريق لـ محمد أنعم غالب ، ويعود هذا الديوان الي خمسينيات القرن العشرين، ورواية يموتون غرباء و صنعاء مدينة مفتوحة للاديب اليمني محمد أحمد عبد الولي أيضا. وينتمي محمد أنعم ومحمد عبد الولي الي المجموعة التي أسهمت أساسا في إبداع الثقافة اليمنية الحديثة. ويقف في مقدمة هذه المجموعة الشاعر الراحل ابراهيم صادق رائد التجديد في الشعر اليمني، والشاعر عبده عثمان محمد، والمفكر أبوبكر السقاف أستاذ الفلسفة بجامعة صنعاء، والراحل عمر الجاوي الذي كان أمينا عاما لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والملقب بفارس الوحدة اليمنية. وأود أن أذكر أن جميع هؤلاء درسوا في مصر. وكانوا جميعا باستثناء شخص واحد أعضاء بمنظمة حدتو أثناء دراستهم بمصر. وهناك شخصيات أخري لعبت دورا بارزا في الحركة الطلابية اليمنية بمصر وقامت بتجميع الذين ذكرتهم آنفا. وأبرز تلك الشخصيات خالد فضل منصور الذي يترأس حاليا حزب التجمع الوحدوي التقدمي اليمني والذي كان وزيرا للعدل في اليمن الجنوبي سابقا، وطاهر رجب الذي كان مديرا للبنك اليمني للإنشاء والتعمير بصنعاء. وهما من زملائي بالفصل بمدرسة حلوان الثانوية وفي منظمة حدتو . ولعب الاثنان دورا رئيسيا في تنظيم وتوجيه الطلاب اليمنيين بمصر وربطهم بالفكر التقدمي. وكانا من أول الذين وفدوا الي مصر في تلك الفترة. وقد تبني جميع من ذكرتهم في حديثي من الطلاب اليمنيين منذ أوائل خمسينيات القرن العشرين فكرة الوحدة اليمنية علي أساس الخلاص من الاستعمار في الجنوب والحكم الإمامي المستبد في الشمال وتأسيس حكومة وطنية شعبية لكل اليمن. وقد بنوا نشاطهم علي أساس الجمع بين أبناء الشمال والجنوب ورفض التجزئة. القبلية في اليمن كيف تري الإشكال القبلي في اليمن، وما هو دور عدن في ظهور شخصية غير قبلية؟ تناولت دراساتي عن اليمن دور عدن في ظهور ملامح شخصية يمنية غير قبلية الطابع تحمل ثقافة جديدة وأنماط سلوك غير قبلية. كما عارضت في تلك الدراسات الآراء والمحاولات التي تصور المجتمع اليمني وكأن القبائل تسود أو تنتشر في كافة أرجاء البلاد وهو ما يناقض الواقع. وأوضحت أيضا الأسباب الكامنة وراء تلك التصورات الخاطئة. وفيما يتعلق بمدينة عدن فإنها شكلت منذ منتصف القرن التاسع عشر مركزا جذب أعدادا ليست قليلة من مختلف مناطق اليمن خاصة منطقة تعز. وانخرط هؤلاء في النشاط الاقتصادي الذي بدأ يتسع في المدينة بعد احتلال البريطانيين لها عام 1839. وكانت عدن بالفعل بوتقة انصهر فيها أبناء اليمن الذين وفدوا إليها ليمارسوا مهنا جديدة. وظهرت بالتالي شرائح اجتماعية جديدة. فقد انصهر الجميع في كيان ثقافي جديد مدني الطابع. وكان ذلك وراء ظهور النوادي والمنتديات الثقافية ثم النقابات والأحزاب.وفيما يتعلق بالأوضاع القبلية نجد أن معظم الكتابات عن اليمن تقدم صورة خاطئة وغير دقيقة. وتحمل تلك الكتابات عادة توجهـات إيديولوجية ينشرها بعض الباحثين الغربيين بوجه خاص. كما تعمل بعض الدوائر اليمنية، خاصة الرسمية، علي تغذية تلك التوجهات وترويجها. ويميل البعض عادة إلي التضخيم في وضع القبيلة في المجتمع اليمني. ويصل هذا التضخيم أحيانا إلي حد تصوير القبيلة وكأنها البديل للمجتمع. وهو المفهوم الذي كان يتبناه القاضي محمد محمود الزبيري الشاعر والسياسي اليمني الشهير سواء في أفكاره السياسية أو في برنامج حزب الله الذي أسسه بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 بعدة سنوات. كما ردد الزبيري نفس هذه الأفكار عن القبيلة بوضوح شديد في روايته مأساة واق الواق . فهو يعتبر مثلا أن القبيلة هي القوي التي تسكب كل دم جديد في عروق المجتمع كلما شاخ .إن المشكلة التي يواجههـا المجتمع اليمني لا تكمن في وجود القبيلة والانتماء القبلي في بعض المناطـق بقدر ما تكمن في عملية استغلال ذلك الوجود القبلي بهدف عرقلة تطور المجتمع المدني. ومما يثير الانتباه أن أصحاب القرار الفعلي في الدولة ينتمون الي تلك المناطق القبلية. إن غالبية سكان اليمن لا ينتمون إلي قبائل. وتوجد القبائل في المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء وشمالها ونواح أخري مثل مأرب والجوف. وتتسم المناطق القبلية عادة بالفقر في الموارد، وندرة الأمطار، وضعف الكثافة السكانية، وانخفاض نسبة التعليم. إن ضعف الدولة جعلها تعتمد علي القبائل لتقوية وضعها في مواجهة حركات المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني الحديث. وكان نهج الاعتماد علي القبائل وتقويتها سياسة ثابتة في اليمن الشمالي قبل الوحدة. كما تم اتباعه بعد الوحدة خاصة أثناء الحرب الأهلية عام 1994.إن سبب النفوذ القبلي يعود أساسا الي وجود تداخل بين القبيلة وأجهزة الدولة.. وقد حدث ذلك التداخل بين القبيلة والدولة بعد الإطاحة بحكم الرئيس السلال في أعقاب انسحاب القوات المصرية من اليمن عام 1967. ولعب حكم القاضي عبد الرحمن الإرياني الذي تولي الرئاسة بعد الانقلاب ضد السلال دورا أساسيا في تكريس هذه العملية التي أصبحت سياسة ثابتة منذ ذلك الحين باستثناء فترة قصيرة هي فترة حكم الرئيس الحمدي. لكن سرعان ما تم اغتياله وعاد نهج تكريس التداخل بين القبيلة والدولة من جديد ليستمر حتي الآن. وعلاوة علي ذلك هناك مسألة أخري تقوي العلاقة بين الدولة والقبيلة تعود أصولها الي أيام الإمامة وهي التزاوج بين القبيلة والإمامة ومذهبها الزيدي وذلك علي الرغم من التناقض المفترض بين الطرفين. ولا تزال تأثيرات ذلك الأمر علي الحياة السياسية اليمنية موجودة حتي الآن. فقد كانت الإمامة تعتمد علي القبائل في حروبها بينما كانت القبائل تستفيد من الغنائم التي تحصل عليها خلال تلك الحروب وتسد بها العجز في مواردها المعيشية. لقد ركزت دراساتي حول اليمن باستمرار علي إبراز هذه الحقائق التي تبدو غائبة عند الدارسين والاكاديميين الذين يؤثرون السلامة ويبتعدون عن تناول القضايا التي تبدو شائكة.الماركسية وعلم الاجتماع هل تعتقد أن الماركسية أفادت علم الاجتماع من واقع وعيك وقناعتك بها؟ الماركسية قيمتها الأساسية أنها تقدم منهجا للتفكير والتحليل. وكثير من المفكرين والباحثين غير الماركسيين يلجأون الي الماركسية لاستخدام ما تقدمه من منهج سواء كان ذلك في تحليل الطبقات أو تحليل الظواهر الاجتماعية عامة. وهي ضرورية وملائمة لفهم الواقع بصرف النظر عن الصواب والخطأ في الاجتهادات الرامية الي فهم ذلك الواقع. ومن أبرز الذين لجأوا الي الماركسية علي سبيل المثال البنيويون سواء في علم النفس أو علم الانسان، ومن أبرزهم ليفي شتراوس عالم الآنثروبولوجيا الفرنسي الشهير الذي قال إنه عندما يفكر في بعض القضايا العلمية فإنه عادة ما ينعش ذهنه بقراءة بضع صفحات من كتاب الثامن عشر من برومير لماركس. مصر الآن وكيف تقيم الوضع في مصر الآن من واقع خبراتك؟ نبدأ اولا بالجامعة ثم ننتقل الي المجتمع.. ومعرفتي ليست شاملة فيما يتعلق بالجامعة. لكن يمكنني الحديث عن علم الاجتماع حيث يبدو أن ما سطع في عين شمس مثلا أخذ يسير نحو الأفول. ويعود ذلك الي أن نسبة من الأجيال الجديدة ضعيفة علــميا ولا تلتزم أخلاقيا بالتقاليد الجامعية. وهذا الضعف في مجال الجامعة له علاقة بضعف كافة مؤسسات المجتمع. فقد شهدنا في السنوات الأخيرة عملية تفكيك وتدمير لكل شيء. وشمل التدمير النسيج الاجتماعي، ومختلف مؤسسات المجتمع، والقيم، وأنماط السلوك. بل وتحاول تلك العملية إصابة شعور الانتماء للوطن. وكأن هناك عملية جهنمية شيطانية تمضي بنا الي طريق العدم والانهيار. وهو وضع مخيف قد يفضي الي بشاعة لا يمكن تخيل مداها. وهناك ضرورة الي وقفة ومشروع للنهوض لإيقاف عملية التدمير التي تحدث للوطن.ومن الأشياء التي تجعل الإنسان لا يفقد الأمل أننا لا زلنا نرتبط بالتراث الوطني الذي تأسس في العصر الحديث خاصة الذي تأسس علي امتداد عدة عقود من القرن العشرين. وهو تراث شكل وجدانا عاما قائما علي ثقافة وطنية ارتبطت برموز عظيمة. واعتقد أن تلك الثقافة وذلك الوجدان أوقفا من سرعة المضي في طريق التفكيك والتدمير. وما هو الحل الذي تراه مرشحا للقبول العام حيال المأزق الوطني الراهن؟ اعتقد أن الحل ليس عن طريق طرح أسئلة من هذا النوع. فالمسألة أكثر تعقيدا من ذلك. فلا بد ان يجتمع أبناء الوطن علي شيء واحد وهو حماية هذا الكيان من الانهيار، وهنا لا بد من أن نستبعد أي عناصر سوي عنصر الانتماء للوطن والمواطنة. فالمواطنة هي المعيار الوحيد للانتماء والمشاركة علي قدم المساواة في الشأن العام. وأي صيغة غير ذلك لن تمنع مثلا الفتنة الطائفية بل ستتيح الفرصة لزيادة تفتيت نسيج المجتمع. ومن يرفض مبدأ المواطنة بدعوي أنه يتميز علي سبيل المثال بحمل لواء ديني فإنه سيجعلنا أسري للأوضاع الخطيرة الراهنة.. ويستلزم مبدأ المواطنة استبعاد الرداء الديني الذي تتدثر به بعض الجماعات العاملة بالسياسة والشأن العام. وعلينا أن نعي أن تراثنا الوطني هو الذي طرح فكرة أن الدين لله والوطن للجميع. واستمرار الوضع الراهن يعمق الأزمة ويزيد نطاق الفوضي ويضعف الدولة، ولا يؤدي الي أي تغيير حقيقي. وتعيش مصر بالفعل فوضي مستمرة حتي دون أحداث بارزة. وهنا مصدر الخطر الأكبر الذي يضع مصر أمام المجهول.. وأذكر أن بشاعة التدهور أدت الي اتساع نطاق الوعي ووصوله الي فئات عديدة ومجموعات مختلفة، ومن هنا اتسع نطاق التذمر والغضب. وقد عاش النظام الحالي واستمر من خلال استغلال الأزمات لصالحه وتركها دون معالجة، بل يعمل أحيانا علي زيادة حدتها. لكن ذلك لا يمكن أن يستمر للأبد. واعتقد ان المسألة أوشكت أن تصل الي نهايتها. ويبدو أن العيش بالأزمات ملمح يميز الأنظمة الديكتاتورية التي تري ان الاستقرار يحول بينها وبين الاستمرار. 7