تعد الراهبة كوريتا كنت، أو الأخت ماري كوريتا كنت 1918/ 1986 إحدى الفنانات التشكيليات في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أثرت في الحركة الفنية، وألهمت الأجيال اللاحقة، وقامت بتعليم مجموعة من الفنانين الآخرين. أسست كوريتا كنت مدرسة بصرية متميزة، حيث جمعت بين البوب آرت والفن المعاصر، ودمجت الرسالة الجمالية بالرسالة الروحانية والأخلاقية، ومزجت الرسوم والألوان بالكلمات المقدسة والأقوال المأثورة، وما كانت تقتبسه من آيات الإنجيل وتقدمه في لوحاتها برؤية فنية جديدة.
ولدت كوريتا كنت في ولاية أيوا باسم فرانسيس إليزابيث كنت، وسلكت حياة الرهبنة منذ سن مبكرة، لكنها بعد ثلاثين سنة عاشتها كراهبة ومعلمة، وبسبب خلاف مع الكنيسة التي اعترضت على بعض أفكارها وتوجهاتها السياسية والاجتماعية، تركت عملها الرسمي كراهبة، لكنها ظلت تعلم القيم الإيمانية والروحية والفنية أيضاً من خلال مؤسستها الخاصة، فالفن والإيمان كانا دائماً يمثلان شيئاً واحداً بالنسبة لها ولا ينفصلان عن بعضهما، وكانت ترى أن كل عمل فني هو صلاة إذا كان صادقاً، وأن الفن هو قداسة الحياة اليومية وأنه اللاهوت البصري الذي ينشر المحبة والرجاء.
فرادة الأسلوب
يجمع أسلوب كوريتا كنت بين العمق الروحي والتحرر البصري الملحوظ، وكانت كثيراً ما تعتمد على الكلمات والحروف، إلى جانب الرسوم لتوليد معان جديدة، ومن أجل تحقيق الرسالة الجمالية والإيمانية في وقت واحد. ونجد أن أعمالها القديمة، التي تعود لمرحلة البدايات كانت أكثر تأثراً بالفن الديني الكلاسيكي والأيقونات المسيحية، ثم مع الوقت بدأت تتكون ملامح شخصيتها الفنية الفريدة، التي شكلت طابعاً بصرياً خاصاً بها يمكن التعرف عليه بسهولة، خصوصاً مع استخدامها تقنية السيريغرافي، أو الطباعة الحريرية، أو الطباعة الشاشية، وصار هو العلامة المميزة لها متغلباً على بقية أعمالها السابقة، وصارت أكثر جرأة في استخدام الألوان الزاهية، كالأحمر والأصفر على سبيل المثال، بالإضافة إلى الضوء الساطع، واستخدام طبقات متعددة من اللون مع النصوص المكتوبة لخلق التأثير البصري المطلوب، ونرى في العديد من أعمالها نصوصاً واقتباسات من الإنجيل، محاطة بألوان شديدة النصوع، كأنها تؤكد عدم الانفصال بين الدين والحياة اليومية.

كما كانت لها طريقتها الخاصة في تلوين النصوص المكتوبة داخل اللوحات، وتعديل شكل الحروف، إما بالانحناء أو بالتداخل أو بالتقسيم، فربما يبحث المتلقي عن الحروف من أجل أن يجمع كلمة ما، فهي في هذه الحالة تستخدم الحروف كجزء من التكوين البصري للوحة فنية، لا لافتة معلقة على الحائط تحمل بعض التوجيهات والإرشادات، ونجد في أعمالها أيضاً لوحات تخلو من الكلمات والنصوص المكتوبة، وربما كان معظم هذه الأعمال في المرحلة المبكرة من مسيرتها الفنية، ومن أشهر هذه اللوحات لوحة «الرب معك»، وهي إن كانت تخلو من الاقتباسات داخل اللوحة، فعنوان اللوحة مقتبس من الكتاب المقدس، وتحديداً كلمات الملاك جبرائيل للسيدة العذراء عندما قال لها: «السلام لك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك». تعتمد اللوحة على درجات من اللون الأصفر واللون الأزرق وكذلك اللون البني، ونرى فيها عدة شخصيات ذات ملامح بشرية، تتوسطها السيدة العذراء، كما نرى تداخلات وتركيبات لونية ومساحات تضيع فيها ملامح الوجوه.
رسمت كوريتا كنت، العديد من اللوحات التي تجمع بين اليومي والمقدس، والحياة الروحانية والحياة العصرية، وحولت التفاصيل البسيطة إلى معان عميقة، ووضعت الاقتباسات الإنجيلية في قلب الألوان الصارخة والتكوينات البصرية الجريئة. كما واكبت بلوحاتها بعض الأحداث التي عاصرتها، وعبرت عن مواقفها ومبادئها وآرائها بخصوص تلك الأحداث والوقائع، فقدمت مجموعة من اللوحات التي تساند حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية في الستينيات، وعارضت الحرب في فيتنام، وتمثل لوحتها المعروفة بعنوان «أوقفوا القصف» احتجاجاً على كل الحروب العنيفة في العالم، وكذلك قدمت العديد من اللوحات التي تدعو للسلام والعدالة الاجتماعية، والأخلاق القويمة والإيمان الحقيقي، والتعلق بالإله والحياة الروحية، وكذلك التأمل الداخلي والعيش ببساطة في سكينة تامة.

من أشهر لوحات كوريتا كنت، لوحة بعنوان «أحبّ أخاك»، صممتها بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ، وفيها صورة فوتوغرافية له مع اقتباس من خطاباته وكلماته المأثورة يقول: «لا تدع أحداً يسحبك إلى أسفل لدرجة الكراهية، يجب أن نستخدم سلاح الحب، وأن يكون لدينا التفهم والرحمة لمن يكرهون»، وكتبت كوريتا على اللوحة «مات الملك». يعكس هذا العمل مساندة كوريتا كنت لحركة الحقوق المدنية، ودعوتها للحب والتعاطف في مواجهة العنف والكراهية، واقتناعها بفلسفة مارتن لوثر كينغ وحزنها العميق على فقدانه. وكذلك تعد لوحة «مباركون الذين يصنعون السلام» من أشهر لوحات كوريتا كنت، التي تعكس التزامها بالقيم والمبادئ الإنسانية وبالتعاليم المسيحية أيضاً، فاللوحة مستوحاة من عظة المسيح على الجبل في إنجيل متى: «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون». تتميز اللوحة بألوان زاهية من درجات الأحمر والأصفر والأزرق، وتعكس مرحلة ثقافة البوب في أعمال الفنانة الراحلة، وكتبت كوريتا بخطوط مبهجة عبارات تدور حول المعنى ذاته ومستلهمة من المصدر نفسه، وتتداخل النصوص مع التكوينات اللونية المشرقة بشكل يخلق رسالة بصرية قوية. كانت كوريتا لا تزال راهبة رسمية عندما قامت بتصميم هذه اللوحة، وكان ذلك في فترة زمنية تشهد فيها الولايات المتحدة توترات اجتماعية وسياسية كبيرة، ما بين الاحتجاجات ضد العنصرية وضد الحروب، وقد سخرت كوريتا كنت كراهبة وكفنانة كل أعمالها للدعوة إلى العدالة والسلام.