في ليالي الصيف
د. توفيق قريرة وحين تضيق البيوت الكرتونيّة بأنفاسنا كنّا نصعد إلي السطوح نطلب النسيم وشيئا من ضوء القمر؛ كنّا نجلس في مجموعات ولكن في صمت؛ عيوننا وحدها كانت تتكلّم ، وأجسامنا وتنهّداتنا. وحين نري أجساما في بؤرة ما من بؤر النور القليلة، نرسل إليها عيوننا كالسّهام تقتل شبحها حتّي تعود إلي ظلمة الليل ونعود لنصطاد شبحا جديدا.. وحين تمرّ كتلة من النور طائرة في السّماء تطاردها عيوننا حتّي تغيب ، كنّا نمارس علي السّطوح الجوسسة ومن سطوح الجيران البعيدة أو القريبة يمارس الآخرون علينا الجوسسة كانت السطوح مراصد ويا ويح من لا يصعد في الصيف إلي السطوح كانت العيونُ الحارّة تُرْسَلُ عليه مُمَدّدا في بيته أو مع زوجه؛ ويصبح لكلّ حركة معني رمزيّا شهوانيّا أو استفزازيّا؛ فكلّ الأجسام المتمدّدة أجسامنا وكلّ السجائر المشتعلة تتنفّسها نساؤنا وكلّ القصاع والجفنات والموائد لنا نأكل منها بالعين ما تأكل منها أفواه أصحابها وتشرب. وحين تكلّ عيوننا ولا يأتي شيء مهمّ يداعب جفوننا النعاس فتسارع النسوة إلي الأسفل لتنام ونبقي نحن الرجال عيونا عليهنّ وعلي غيرهنّ، فننام بنصف عين ونطمع أن تري الأخري من المحرّم ما لم تره أوّل الليل.في تلك الليلة نام الرجال الذين يقاسمونني السطح بملء عيونهم كانوا متعبين من الحصاد ولم أكن متعبا لأني أرسلت في اليوم نفسه إلي القرية المجاورة في مهمّة خفيفة فلم ينلني من تعب اليوم ما نالهم. لذلك لم أنم وبقيت أحدّق في السّماء أرعي النّجوم أجمّعها فِرَقًا فِرَقًا ثمّ أضع عليها سيّدا وبعدها أسوقها باتّجاه القمر. كان كلُّ شيء يمُرّ علي ما يُرام حتّي تصل النجوم إلي أوّل البُهْرَة القمريّة، وعندها يَنْفَرِطُ عقدُهَا وتجْري في كلّ اتّجاه؛ فأعيد الكرّة وأنَصِّب سادة جددا فيحدث معهم ما يحدث مع غيرهم تفرّ النّجوم من النور وتأبي أن تنصهر في بهر القمر كأنّما تعوّدت علي أن تكتفي ببعض أسلاكه ، تأتي إليها من بعيد. تركت النجوم تنفرط وعدت أتملّي هذا البهر القاتل غارت عيناي في لُجَّته حتّي لفّ النور كامل جسدي ارتعشتُ من الخوف واشتقت الظلمة ولمّا أردت أن أحوّل بصري إلي عتمة دارنا أُسِرَتْ عيناي وانجذبتا إلي محيط من النور شاسع. شعرت من فرط النّور المنبعث من دائرة القمر أنّ عيني سلبتا نورهما.. وفجأة انفتحت فجوة في دائرة الضوء الكبري ورأيت وجها مُفارقًا للوجوه البشريّة المألوفة. ابتسم لي وقال: تَمَنَّ..يَتَحَقَّقْ… قلتُ ومِنْ غيْر مَا تَفْكِيرٍ: برميلا من النفط. وما هي إلاّ لحظة وانقضاؤها حتّي صرت أنا بلحمي ودمي برميلا من النفط : جسمي صار قصديرا معلّبا في هيأة برميل ودمي صار نفطا رائحته مألوفة لديّ ولونه أسود وأنا بوعيي القديم وبروحي القديمة، وبأشياء أخري كلّها تكوّرت وصارت في برميل.. لم يفهم ذلك الجان القمريّ ما طلبته منه: طلبت منه أن يَهَبَنِي برميل نفط أبيعه كي أشري كسوة وقطعة جبن دنماركيّ ولكنّه جعلني أنا بلحمي ودمي برميل النفط.. من سيبيعني ومن سيقبض ثمني تمنّيت أن تبيعني أمّي علي الأقلّ أو أبي ليشتروا ما يرومون .. ما لي أنا والنفط والبراميل لم أفكّر فيها في يقظتي فكيف حدث حتّي أطلب ما طلبت.. ربّما كانت تلك آخر عبارات سمعتها في أخبار اليوم.. أيقظتني ساق دحْرَجَتْنِي علي ناقلة ظللت أتكوّر وأدور حتّي وجدت مكاني بين أشقّائي البراميل … شعرت بشيء من الطمأنينة لأنني كنت متحرّجا من هيأتي المفردة، فإذا أنا برميل بين آلاف البراميل.. لَكَزْتُ برميلا إلي جانبي وسألته: من أيّ البلاد جاؤوا بك فلم يجبني ..التفتّ إلي الجهة المقابلة وأعدت السّؤال فلم يجبني أحدٌ. كانت كلّ البراميل النفطيّة صمّاءَ بكماءَ إلاّ أنا أتكلّم .. خامرني شكّ في أن تكون البراميل تتكلّم لغات أخري غير لغتي سألتها بلسان حفظته في المدارس فلم تجبني.. لقد حُكِم عليّ بأن أعيش أخرس بين الخُرْس علي الرغم من هذا اللسان الذي لي . اللعنة علي هذا اللسان هو الذي جلب عليّ هذا الوبال عشت بين جماعتي أخرس فلمّا نطقت مسخني لساني فصرت برميلا لا يقف إلاّ ليُدَحْرَجَ.. لست أدري كم من الوقت مرّ من عُمُرِ البَرَامِيل حتّي وصلنا إلي مكان ما.. جاء العمّال فحملونا بكثير من اللطف الذي لم أعرفه وأنا كائنٌ بين البشر.. كان جسمي في كثير من أحواله البشريّة يُدفع ويُركل ويُضغط ويُعصر ويُلوي في الحافلات وطوابير الجمعيّات في الشّارع وفي البيت ..أمّا الآن فالرفقَ الرفقَ.. انتبهتُ إلي العيون تنظر إليّ بكثير من إعجاب وتقدير لم أحْظَ به في هيأتي البشريّة… لم أكن أمرّ إلاّ لأتبع بالنظرات الشّاكّة والمرتابة واللاّعنة والسّاخطة والكارهة والقاذفة والمتوعّدة والمتربّصة.. أمّا الآن فالعيون علي قشرتي تلج إلي ما في بطني الحامل نفطا تدغدغه وتربّت بنعومة عليه فتنزل علي النفط بردا وسلاما..أين زمن احتراق دمي في مرحلتي الآدميّة؟ حرقت دمي تلميذا وطالبا حرقت دمي عازقا للتربة، فلاّحا في أرض لا تبخل إلاّ علي من يحرثها ويرعاها ويحنو عليها…حرقت دمي علي الرجال أصطفيهم وبقلبي أشتريهم فيبيعوني في كلّ سوق بأزهد ثمن.. حرقت دمي عليَّ كيف أعبدُ ما لا يعبدون… والآن حين صار دمي نفطا صار كلّ شيء هادئا ومرتخيا ومريحا… ساقوني بكلّ الاحترام إلي السّوق اشتروني بالمزاد وباعوني بالمزاد؛ ودون أن يقلّبوني أو يتأكّدوا من لوني ومن عيوني .. وشوشت في أذن سيّدي الأشقر الجديد أني لست كالبراميل الباقية: لي لُغَةٌ ؛ قَهـْقَـه وقال: أنت لا تحتاج أن تتكلّم بل يُتكلّم عنك.. قلتُ: لي رُوحٌ ، قال والابتسامة لم تغادر مُحيّاه: أنت روح العصر..قلت: لي بلد بعيد أرجعوني إليه: قال ليس قبل أن يدفع أجرك…تركوني في مكان ما بين البراميل الأرستقراطيّة تحرسنا العيون من شيء ما قد يأتي ويسرق رونقنا أو رائحتنا ..علي الرغم من أنّي شعرت بالكبر فجأة فإنّ رغبتي في مشاركة الأهل النظر من السطوح ما فارقتني ..خامرني شعور أنّه لو انشقّ القمر وجاء ذلك الوجه لتمنيت منه أن يجعلني سيّدا للبرميل عندها أكون مالك أمري وسيّد قراري وأعود إلي أرضي الأولي.. سهرت وأنا بين البراميل أرقب القمر أن يجود عليّ بذلك الوجه ..كدت آيَسُ ولكنّ عزمي وصبري جَاءَا بذلك الوجه وأطلّ عليّ من جديد وقال: تحقَّقْ … وتمنَّ .. قلت: سَيِّدَ البراميل …..قال بصوت مزمجر: خسئت ..عليك اللعنة ..كيف يطمع مثلك في مراتب الألوهيّة ..عليك أن تستغفر وإلاّ رجمتك الآلهة ..قلت: لم يحدثني أحد في الأساطير عن آلهة النفط .. قال: سوف تعلم حين تُمسَخُ وتُردُّ إلي أقبح صورة..لم يُنِهِ كلامه حتّي انقلبت إلي هيأة قَمَعٍ مُلوّث برائحة البترول.. التفتّ حولي فرأيت مكانا أعرفه ..إنّه سطح دارنا..وأنا ملقي في ركن من أركان السطح وإلي جانبي وعاء تنبعث منه رائحة البترول… لم أفهم كيف صار الفصل علي سطوحنا شتاء …البرد يشوي جلدتي والريح تدفعني في جميع الاتّجاهات.. ما أدري كم من الوقت مرّ حتّي شعرت بدفء يد آدميّة تحملني …إنّها أمي..هي نفسها أمّي صرخت بأعلي صوتي:أمي أنا ولدك..أحضنيني ..لم تسمعني .. ولكنّها وضعتني في فم سخّان بتروليّ لا عهد لي به في دارنا.. أدركت أني غبت طويلا عن دارنا.. وأنّ أمّي تناستني …كيف لها أن تفخر برجل من رجالها وقد صار برميلا ثمّ ردّ إلي هذه الشكل الذي لا يكتم شيئا ممّا يحوي…هذا الشكل اللولبيّ المقعّر من الرأس حتّي المؤخّرة… ساورتني وأنا أتفكّر في شكلي السّاذج والمفرغ أن لا قوم بدوري صبَّابا للبترول وناقلا له عبر فؤادي المقعّر … كانت أميّ تسكب البترول من الوعاء فأراوغ المَصَبَّ فيضيع البترول.. حاولت أمي مرارا حتّي اندلق نصف السّائل الأسود المتوسّط… رمتني جانبا .. وحاولت سكب النفط من غير قمع .. ثمّ نزلت.. حاولت بعد ذلك مرّات مرّات فأعدت مراوغاتي حتّي يئست أمي من وظيفتي فأهملتني.. وفي يوم قررت أمّي أن تغسلني فلمّا تطهَّرتُ من ريح النفط وجَفَّت سيوله مني، سكبتْ مني زيتا من زيتونتنا العظيمة عند أوّل حقلنا .. شعرت بعبق الأرض فانصعت .. في يومها صار لي رونقٌ ونورٌ يزداد شيئا فشيئا كلّما اقترب الصيف.. صرت أطلّ بنوري علي الخارج المظلم وعادت عيني تري ما كنت أراه رجلا غير أنّي الآن عين من غير مُبْصِر … أنا هناك يا سادتي.. ناشدتكم بالله إذا ما زرتم أمّي وحملتكم إلي السّطوح أن تخبروها أنّ القمع الذي تصبّ منه الزيت هو ولدها كان ذات يوم برميلا من النفط فمسخته آلهته فتقمّع…أستاذ جامعي من تونس0