في مقابلة مع قناة «الجزيرة» القطرية بثت يوم الأربعاء قال رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة، إن حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها تعمل على تحقيق المصالحة وتوحيد مؤسسات الدولة التي تم دمج منها حوالي 80 في المئة باستثناء القوات المسلحة التي لا تزال موزعة بين الغرب والشرق أو جيش ليبيا الوطني الذي يتزعمه خليفة حفتر حيث ترك الأمر لمجموعة خمسة- خمسة التي تقوم بالتنسيق والتباحث في الأمور العسكرية. وقال دبيبة إن حكومته لا تنسق مع حفتر في الشؤون العسكرية. وعزا تأجيل زيارته لمدينة بنغازي في الشرق إلى أمور لوجيستية، حيث علقت الزيارة بعد منع وفد الحكومة من دخولها بعد الهبوط في مطار بنينا. وأكد دبيبة على أهمية نهاية الفترة الانتقالية وتمرير الدستور وعقد الانتخابات في نهاية العام، وهي المهمة التي أوكلت له ولحكومته بعد تعيينهم في شهر آذار/مارس. وبدا رئيس الوزراء متفائلا بشأن ملف المرتزقة، حيث يوجد في ليبيا حوالي 20.000 مرتزق من سوريا والسودان وتشاد وروسيا.
ليبيا وجوارها
وكشف عن تشابك الأزمة الليبية بعد مقتل الرئيس التشادي، إدريس ديبي، الشهر الماضي على يد جماعات معارضة تدريب وجهزت نفسها في ليبيا. وكشفت «نيويورك تايمز»(22/4/2021) أن أفراد المعارضة عملوا ولسنوات كمرتزقة إلى جانب قوات حفتر وعملوا مع مرتزقة فاغنر في قاعدة الجفرة العسكرية. وكان هدفهم الحصول على الخبرة والسلاح قبل تنظيم أنفسهم ودخول الأراضي التشادية لمواجهة ديبي الذي قتل بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته. وطرحت وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش ملف المرتزقة مع وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الذي زار ليبيا في الأسبوع الماضي حيث طالبته بالتزام بواجبات الأمم المتحدة بشأن ليبيا، لكنه رد عليها ان وجود القوات التركية هو اتفاق رسمي مع الحكومة السابقة، وهي التي طلبت من عدة دول مساعدتها لفك الحصار الذي فرضه حفتر على العاصمة لعام تقريبا، وأن بلاده هي التي استجابت بشكل حاسم للدعوة. وفي مقابلته مع «الجزيرة» أكد دبيبة على التزام حكومته باتفاق ترسيم الحدود البحرية مع تركيا وانتقد الرد اليوناني على المعاهدة التي وقعتها الحكومة السابقة.
موازنات
ونظرا لأن طبيعة الحكومة الحالية انتقالية فهي تحاول الموازنة بين المطالب والواجبات المحلية وبين مصالح الدول الإقليمية التي باتت لها مصلحة في كيفية حل النزاع الليبي الذي لم ينته بعد ولا يزال كل طرف فيه يبحث عن وسائل لتأمين حصته من الكعكة الليبية، ومن هنا فالتدافع على ليبيا الذي بدأ من محاولات خليفة حفتر تغيير الوضع السياسي في البلد مدعوما بدول الخارج توقفت عند أبواب طرابلس وهي صورة عن التحديات التي تواجه الحكومة الحالية. كما أن رفض البرلمان تمرير الميزانية التي طلبتها حكومة دبيبة إشارة على استمرار خطوط الصدع بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. ويظل توزيع الثروة وإعادة تشكيل البنى الحيوية مثل المصرف المركزي وتقاسم موارد، من الإشكاليات التي لا تستطيع حكومة ذات تفويض قصير حلها، بل حكومة منتخبة تتصدى لمشاكل ليبيا ما بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في أعقاب التدخل الغربي والإطاحة بمعمر القذافي.
الانهيار بدأ من سرت
فمع تلاشي الدائرة المحيطة به ودعم حلف الناتو الذي كان حيويا لانتصار الثوار ضده، وجد القذافي نفسه وحيدا مع عدد من الموالين في سرت. وكانت المعركة في المدينة ومقتل القذافي لاحقا هي بداية قام عليها النزاع الداخلي بين الشرق والغرب والمدن المتنافسة. وكما أشارت صحيفة «الغارديان» (26/4/2021) فقد اتسمت تلك المعركة بقتال شوارع مر، حيث تقاربت كتائب الثوار المتنافسة من بنغازي ومصراتة على آخر معقل للواجهة البحرية للنظام. وخاضوا أحيانا في المياه العميقة في الشوارع التي غمرتها الفيضانات، حتى في ذلك الوقت بدا المتمردون في كثير من الأحيان على خلاف حاد.
وبسبب طغيان سفك الدماء في سوريا على مدى العقد الماضي على المشهد فإن الدروس من سقوط القذافي والصراعات التي تلت ذلك، بالكاد تم فحصها، وإذا حدث ذلك، فقد تم نسيانها. وألقى الصراع أيضا بظلاله على العلاقات الدولية وعلى سمعة البعض. وفي عام 2016 تحدث باراك أوباما عن خيبة أمله من الجهود الأوروبية التي أعقبت سقوط القذافي، مشيرا، على وجه الخصوص، إلى أن ديفيد كاميرون كان «مشتتا» وأن ذلك ساهم في «الفوضى» التي تلت ذلك. بالنسبة للرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي، فإن الخلاف كان أكثر شخصية وجدية: فقد اتهم بأخذ أموال حملته الانتخابية من القذافي لانتخابه عام 2007. وتم اعتبار عملية الناتو في الأصل بمثابة تدخل إنساني نموذجي بموجب عقيدة المسؤولية عن الحماية. وبعد عامين تقريبا من سقوط القذافي، كان آلان كوبرمان في مجلة «الأمن الدولي» يصور ليبيا ليس كقصة نجاح بل مثال حالة عن الطريقة الخطأ للتدخل. وبحلول عام 2016 كان رئيس لجنة اختيار الشؤون الخارجية في مجلس العموم، النائب المحافظ كريسبين بلانت، قاسيا بنفس القدر للتدخل المدعوم من رئيس وزراء حزب المحافظين آنذاك ديفيد كاميرون. وأكد أن بريطانيا لم تفهم تداعيات الدخول في حرب لحماية المدنيين والتي شملت على انهيار الدولة وتسهيل التطرف الإسلامي في ليبيا. ومقارنة بدول العالم العربي ما عدا ربما سوريا، كانت التوترات في ليبيا غير مفهومة بدرجة كبيرة مثل دوافع الانتفاضات في مصر وتونس، حيث كانت هناك حركات سياسية وإن كانت مقموعة. وكان الخلاف في أعقاب سقوط القذافي سريعا كما لم يكن متوقعا وليس أقل من هذا في مالي قبل سنوات وتشاد حاليا. وبسبب الفوضى التي دخلت فيها البلاد وخلافات المدن وأمراء الحرب والجهات، فقد أصبح المهاجرون من دول أفريقيا بيدقا في يد الجماعات المسلحة وتجار البشر.
المهاجرون
ونظرا لتغيير الربيع العربي سياسات الهجرة في أوروبا بعد النزوح العظيم عام 2015 فقد تحول المهاجرون لورقة سياسية في يد جماعات اليمين المتطرف مما اضطر النخب الحاكمة والاتحاد الأوروبي الحد من تدفق المهاجرين، فقرب ليبيا من جنوب القارة جعلها نقطة انطلاق جديدة للباحثين عن حياة جديدة هناك. وكشف تقرير لصحيفة «الغارديان» (5/5/2021) أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي استخدمت عمليات غير قانونية لصد ما لا يقل عن 40 ألف طالب لجوء عن حدود أوروبا خلال الوباء، وارتبط ذلك بوفاة أكثر من 2000 شخص. مما يرقى لأكبر عمليات الطرد الجماعي منذ عقود، قامت الدول الأوروبية، بدعم من وكالة الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدفع اللاجئين بشكل منهجي، بمن فيهم الأطفال الفارين من الحروب، بالآلاف، باستخدام تكتيكات غير قانونية تتراوح من الاعتداء إلى الوحشية أثناء الاحتجاز أو النقل. ووفقا للجمعيات الخيرية ازداد انتظام ووحشية ممارسات الصد، مع ظهور كوفيد-19. كل هذه التداعيات كانت واضحة منذ البداية لصناع السياسة وبوقت مبكر، ففي مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» عام 2012 حذرت زاهية زبير من مخاطر انقسام ليبيا بين الجماعات المسلحة. «التحدي الرئيسي لليبيا … هو تجنب التقسيم، كما حدث في السودان – أو ما هو أسوأ، الصوملة، حيث لا تستطيع الدولة السيطرة على الميليشيات المختلفة التي تفرض قوانينها الخاصة على أراضيها». وهو ما حدث حيث تسبب التصدع بالعودة إلى حقبة ما قبل العصر الحديث لدول المدن، ولكل منها جيشها الخاص، وتحرسه نقاط التفتيش وبوابات المدن التي تتألف من حاويات الشاحنات والخردة المعدنية. وكما لاحظت كلوديا غازيني، المتخصصة في شؤون ليبيا في مجموعة الأزمات، فإن إعدام القذافي بدون محاكمة في سرت محاطا بأعدائه، وتم تصويره في مقطع فيديو مروع، بعيدا عن كونه علامة على نهاية عنف الدولة في ليبيا بل جعل العنف أكثر انتشارا. وبالنسبة لغازيني، ليس من الواضح إن كان نظام القذافي قد أُطيح به على الإطلاق لولا تدخل الناتو. وقالت: «إذا بدأت بالتدخل بقيادة الناتو، فإن الدرس الكبير المستفاد هو أن هذا زرع بذور الفوضى التي أعقبت ذلك. وأدى الاحتجاج المثالي للغاية بالمسؤولية عن الحماية إلى تغيير كامل وعنيف للنظام. الطريقة التي قُتل بها القذافي بالرصاص رسخت فكرة أنه لا بأس بالقتل، فلا بأس من اقتحام أماكن مثل ترهونة وبني وليد. لقد كانت هناك ثقافة تم فيها تمكين الميليشيات من ضرب أي شخص يعتقدون أنه مرتبط بالنظام».
فوضى في القيادة
وترافق كل هذا مع لامبالاة دول الخارج التي ظلت معنية بمنع تدفق موجات الهجرة إلى أراضيها، وترك الأمم المتحدة تكافح من أجل ترتيب وضع متشرذم ودعم جولات حوار عبثية. وترافق فوضى الميليشيات وأمراء المدن مع فوضى في القيادة الدولية وتخلي الولايات المتحدة عن دورها بخاصة بعد وصول دونالد ترامب عام 2017 وتبنيه أمير الحرب حفتر، فلم تكن دول الخارج مهتمة إلا بمحاربة الإرهاب. وبهذه الطريقة حصل حفتر على دعم مصر والإمارات وروسيا وفرنسا وترامب عندما حاصر طرابلس باسم محاربة الإرهاب. لم تتعب الميليشيات من حروبها، فهي تنتظر في الزاوية ولكن من تعب هو الشعب الليبي الذي يريد استعادة ليبيا التي حرم منها في فوضى الحروب المختلفة والمشاحنات السياسية بين الشرق والغرب والدول الإقليمية التي نقلت خلافاتها إلى الأرض الليبية. ويبدو أن تعب عقد من زمن هو ما يدفع نحو التغيير ولملمة الأوراق ومسارعة كل الدول المعنية بالتغيير السياسي الجديد.
بايدن المنشغل
وفي ظل التطورات الجديدة لم يبد الرئيس جوزيف بايدن وبعد مرور مئة يوم على توليه السلطة، أي اهتمام بالنزاعات المستعصية في المنطقة، سوريا وليبيا والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، وكان اهتمامه باليمن لأنه مرتبط بالعودة للملف النووي. وكما أشارت «وول ستريت جورنال» (1/5/2021) فقد جعل بايدن أس سياسته الخارجية مواجهة الصين وروسيا وبناء التحالفات في منطقة آسيا للتأكد من فعالية هذه المواجهة. ويريد بايدن تخفيف الأزمات في الشرق الأوسط لكي يتفرغ للخطرين الروسي والصيني، ومن هنا جاء قراره لسحب القوات الأمريكية من أطول الحروب التي تخوضها في أفغانستان منذ عام 2001. وفي موضوع ليبيا لم يصدر عن الإدارة سوى عدد من التصريحات ومعظمها دعما لجهود الأمم المتحدة. ولاحظت غازيني في تصريحات لموقع «ميدل إيست آي» (28/4/2021) نشاط إدارة بايدن في نزاعات أخرى ولكن ليس ليبيا و «لم نر مشاركة بهذا المستوى في ليبيا». ويرى مراقبون أن غياب أمريكا عن الميدان يحد من تأثيرها حيث تحاول الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي وتركيا ومصر والإمارات توثيق صلاتها مع حكومة الوحدة الوطنية الجديدة. ويرون أن كلا من مصر وتركيا سيكون لهما الأثر الأكبر على نجاح أو فشل الحكومة التي تم اختيارها. وتسعى تركيا للحفاظ على مكاسبها وبخاصة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ودخلت تركيا بموجبها الحرب وغيرت مسارها لصالح حكومة الوفاق الوطني السابقة. ومن هنا تظهر مستويات الزيارات المتبادلة بين طرابلس من جهة وأنقرة والقاهرة من جهة أخرى اهتمام البلدين في تأمين مكتسبات تتعلق بالأمن والتجارة. ويفهم في هذا السياق التقارب التركي- المصري على أنه جزء من ترتيب الأوراق فيما يتعلق بليبيا. فبالإضافة لزيارة رئيس وزراء مصر مصطفى متولي إلى طرابلس، أرسلت أنقرة وزير خارجيتها تشاوش أوغلو ودفاعها خلوصي أكار ويشار غولر، رئيس هيئة الأركان المشتركة وحقان فيدان، مدير الاستخبارات إلى العاصمة الليبية. وقدمت صحيفة «ديلي صباح» (8/5/2021) المقربة من الحكومة وجهة النظر التركية بشأن الوجود التركي في ليبيا وأنه قائم على اتفاقيات ثنائية مع الحكومة المسبقة، ولا يمكن الحديث عنها ضمن دعوات سحب المرتزقة من البلاد. وقالت إن وجود القوات التركية ضروري لتأمين عملية الانتقال وتقوية الجيش الليبي، فالأطراف في بنغازي ستجد صعوبة في قبول التغيير. ولأن تركيا عضو في حلف الناتو فوجودها في ليبيا مصلحة لأوروبا والاتحاد الأوروبي، والمطالبة بخروجها يؤثر على استقرار البلد.