في «ليل ينسى ودائعه»… القصص القصيرة تستعيد قوتها الشعرية

حجم الخط
0

لا تأنس النفس من القصص ما كان عابرا، عارضا، وإنما تميل إلى ما تهجع إليه معاودة ومراودة وتقليبا على أوجهٍ، ونظراً لا يقتصر على الفكر وإعمال الرأي وإنما يجاوز ذلك إلى تحقق لذة القراءة في كل معاودة.
نصوص «ليل ينسى ودائعه» لجوخة الحارثي ليست بالنصوص التي تقرأ مرة واحدة، وكرة مفردة، وإنما هي قصص يأخذ من القارئ خطف الأخذ، ويحمله طوعا إلى عمق النظر. مجموعة جوخة الحارثي القصصية الجديدة الصادرة عن دار تكوين، التي تصدرت بعنوانٍ جاذب، حاث على قراءته قصا وجيزا، «ليل ينسى ودائعه»، عمقت أصل النظر في قصير القصص، وأضافت إلى حيرته النقدية فكرا ورؤى. هي قصص اكتملت إخراجاً وإنجازاً ومضموناً وبناء، وتقصدت كاتبتها منها اكتمالاً بوحدة في البنية جامعةٍ لمختلف القصص، وتبدل في الأصوات، وخيطٍ في السرد كما الوتد يشد فرق القصص، ويرتق ما تفصل منها، ويضم شتاتها، وانطلاقٍ من غلافٍ أنجزه فنان مزاجه قص، وهو حسين المحروس، الذي أضاف بلمسة الغلاف قصة تساير القصص، وصورة فيها العبارة الحاملة إلى عميق الإشارة.
عنوان المجموعة القصصية «ليل ينسى ودائعه»، ليل منكر غير معهودٍ، وودائع معرفة بالانتساب إليه، وضابط بينهما رابط هو فعل في المضارع الباقي، هو النسيان، ليل بهيم مبهم يسند إليه فعل عاقل متعقل، فالنسيان، هو أثر عارض لصاحب العقل، الذي أصل جبلته التفكر والتذكر، ليل منكر نكير هو حمال النسيان، وحامل الودائع، الودائع التي هي جمع مفرده الوديعة، والوديعة في أصل اللغة هي ما يعهد به من مالٍ لشخصٍ يحفظه ويعيده إلى مالكه الأصل، وهي في جوهر الأثر القصص، فهل أن الليل الناسي قد نسي ما أودعه أو ما أودعه؟ ليس لليل أن يتملك مالاً حتى يودعه أو حتى يودعه، إذن هي الودائع القصص في حرم المجاز تدرك، والليل خير حافظ للقصص، يمكن أن يودعه قاص ما ينتج عنه من حكايا، يحفظها الليل، ويكتمها، ولكنه قد ينساها فلا يستردها مالكها الأصل، وقد ينساها فيبثها، كلها ممكنات دلالةٍ لا نقر منها حقا ولا أصلا، سوى أننا إزاء قصص مكتوبٍ، وآخر مكتومٍ، قصص ظاهرٍ مبثوث، ومن ورائه قصة توزع دمها بين القصص، ونسي الليل أصلها فبثها نجوما.

تدخل المتن فتعرف أنك أمام عناوين، هي الودائع، لا تبدي لك ما تريد أن تعلمه من نظر الناظر، أنت أمام قصةٍ تدعوك دوما إلى التدبر والتلهف إلى إدراك قصة العنوان الذي تكثف بوعيٍ وإدراكٍ، «قنديل للمرأة الأخرى»، «مذاق النجوم الباردة»، «الخركوشي وبدع أخرى»، «الهدايا في كيس الأزهار»، وكذا تسير عناوين تدعوك إلى بيانها وبلوغها، عناوين تحمل بعدا شعريا وإشكاليا في الآن ذاته، لن تهنأ قبل أن تشرع في الانغماس في القصص، قبل أن تغوص فيها، لتدرك أن الفواتح دعائم القصص، داعية إلى هدهدة حكايا جامعةٍ بين عميق المعنى، وغائر الرؤية. تتكون نصوص واصلها واحد وتنجمها عدد، اجتماع القصص في محور بنائي، لا يفقد ما به تستقل القصص فرادى، وكذا نجت الكاتبة من مزالق التكرار وإعادة القصة ذاتها بأثاثٍ مختلف.
قصة في المتن منها استقي عنوان المجموعة، وهي قصة أصل، جامعة، وتد، تنشد إليها أغلب القصص، المرأة المحبة العاشقة، الشاعرة، قصة «ودائع ليلية»، هي القصة الشعرية، التي تبث فيها المرأة المتعهدة بفعل الرواية وجدها وانسيابها، ووضوحها، طرحا لفكرةٍ في العشق طريفةٍ، هي التعادل في التكاشف، لا في التواجد، وهي ثانية قصتين، قامتا على شعرية عالية، مميزة، قصتان وردت إحداهما على لسان المرأة الراوية، والثانية على لسان الراوي، قد بلغتا من الشعرية والتكثيف المدى، وهما «ودائع ليلية»، و»كوكب الزهرة»، وصيغتا بقص عنصره التأمل وعماده الإشارة، بيانا – دوما- للتوازن الصوتي بين الغائب والراوي، وبين التوازي بين الجنسين في الرواية، والرؤية والمصير. شدة الوجد نهايتها في الغالب الأعم عدم الالتقاء، الشخصيتان الرئيستان تتأسسان على التوازي، هنالك دوما قاطع للواصل الواجد، هنالك دوما فعل مبتور، معطل يقطع صوت الوصل وينهي القصص إلى «بابين» إلى سبيلين، إلى التوازي دونا عن التلاقي، إلى التفارق بدل التلاقي، إلى نهاية تتلخص في ما ورد في قصة «الخركوشي وبدع أخرى»: «النفق يتطوى علينا بحلكة أشد، ويدعو كلا منا في درب». الاجتماع البنيوي في التثنية يضمر فرادة صوتٍ واحدٍ يغلب هو صوت الرجل إن كان هو الراوي وفي ثناياه تكون المرأة، أو هو صوت المرأة إن تعهدت بالرواية، وفي أثنائها يظهر الرجل، كذا الحكايات تتناوب مواقع النظر وطرق تمثل الآخر.

تجتمع القصص في انبنائها على شخصيتين مختلفتين جنسا، فكل قصة يعضدها ثنائي امرأة ورجل، وتجتمع القصص في هذه الوحدة البنيوية، وتختلف القصص في محتوى القصة ذاتها، وفي أبعادها، لا قصة تشبه الأخرى، ولا قصة تكرر ذاتها، وإنما أنت في حرم «جنة» القصص، تتنقل من مداخلة النفس، إلى رؤية الذات والآخر، من النفسي البسيط في حاجات الفرد، إلى النفسي العميق، الذهني الضارب في تعقد النفس البشرية، قصص متعددة الأوجه، فيها الأحلام والآلام، فيها سبيل الإنسان هو الأصل، فيها الأول والثاني والثالث المرفوع صورة، لم يكن المحبوب المعشوق خلاصا، ولم يتأسس لقاء، الحب المجهض هو الأصل، العشق المنقطع هو الغالب، وافتراق الصوتين والسبيلين هو السائد، وفي الثنايا بيان للذات البشرية في صلتها بالآخر المختلف جنسا، من يتحمل موعدا، يبذل فيه كل الحيل لتحقيقه، فإذا بعنصرٍ معطل يحوله أزمة، وإذا النفس تبسط كل ممكن السرد، وتطرح الاحتمالات العدد، ومن يخرج من جنة بخيانةٍ جزاؤها محو الهوية، ومن يقلب الحلم واقعا، ومن تنقص قصته بالاحتمال، بالإمكان، بـ»ماذا لو»، تفاصيل بسيطة، تقود قصصا عميقة، تفصيل داخل الإجمال، وتفتيت وإسراف ثني الاقتصاد في السرد، شخصيات لا تظهر بوجوهها ولا بملامحها ولا بصلتها بمكانٍ مرجعٍ، هي الإنسان في أدق تفاصيله الصانعة لماهيته، وإنك لواجد حتما ذاتك، روحك، هواجسك، أعمالك، رؤاك، حكاياتك في مختلف هذه النصوص، التي رغما عن إطلاقها تظل مشدودة إلى ذات الإنسان، إلى قصته مع نفسه، ومع الآخر، في نص «زيارة» امرأة حاضرة ورجل غائب، هو متشكل من متخيل الشخصية والحدث زيارة، منها تتأتى أوهام وأفعال ورؤى وأخيلة ووقائع تروى بلسان الزائرة. وفي نص «جنة» تصوير لعلاقة الأنا بالآخر من منظور نزوع النفس إلى عدم تقدير مدّ الحب، جنة تحوي محبين، نهايتها جحيم، يتعهد الرواية فيه الراوي المتلبس بالمرأة، الذي لا نعرف لها اسما ولا سمتا. وفي نص «النخالة الوردية» حكاية عن بابين وشخصين وحلم مؤسس ونخالة وردية تبقع جسد المرأة، وشتاء بارد المشاعر، ونهاية اثنين إلى الافتراق، تروى بلسان المرأة الحاملة لأشواك بقع الجلد، حيث تعلو الرمزية، وتفتح من البابين الموصدين في القصة آفاق بناء قصص متولدة، في نص «الهدايا في كيس الأزهار» تحويل للمنظور، وعرض قصة برواية الرجل ورؤيته، قصته مع هديةٍ، مع امرأةٍ ترى، وتتكون من روايته، ومن منظوره إليها، لا وجود للمرأة خارج رؤية صاحب الهدية. في نص «الخركوشي وبدع أخرى» مواصلة لرواية الرجل الذي يحكي المرأة، يبئرها، وقد «بدأ كل شيء حين أصبحت مسؤولا عن منامات شخص آخر»، تصبح الشخصية مسؤولة عن منامات المرأة، وكذا يتواصل منظور الرجل في تمثل وتمثيل المرأة، التي تظهر وتخفي ما يحتاج من القارئ إعمال خيالٍ.

في قصة «مذاق النجوم الباردة»، التي تفتح آلاما، المحب الكاتم، والمرأة السائرة في مسارها لا تحيد عنه، ثم يستعاد منظور المرأة في قصة «أوردة رخامية»، وهي قصة مثال لكتابة التفاصيل في القصة القصيرة، والتعبير عن دقائق الأشياء، دون أن يحيد الراوي عن تغييم وتعتيم شخصياته. «قنديل للمرأة الأخرى»، وجه من القصص الغائر في أعماق الذات في حكاية المرأة الغائبة، صورة عن حضور المرأة في ذهن المرأة، عن أثر الغائب في الحاضر، عن رجلٍ فؤاده في سبيلٍ وجثمانه في سبيل آخر.
هكذا تصنع كل قصة فرادتها رغم الاشتراك البنيوي الجامع، كل قصة لها حكاية، ولها أبعاد، وآثار، كل قصة تتميز بذاتها، وإن ائتلفت مع أخواتها وأخذ بعضها برقاب بعضٍ. تصاغ القصص بلغة آسرة، تأخذ من الشعرية أطرافا، ومن الرمزية أبعادا، ومن الواقع أوجها، لغة تتوافق مع وجود الشخصيات وتكونها الذهني والثقافي، تعلو فيها الشعرية والترميز ساعة وتتبسط في منطوق الشخصيات، تتوافق مع عوالم كائنات القصة وشواغلها، لغة قاصة لا يملها القارئ ولا ينفرها، لغة الشخصيات فيما تكونت عليه وبنيت، ومثاله، ما به تختص المرأة من نزوعٍ إلى التفاصيل، إلى ملاحظة الرقائق والدقائق، المرأة بكل شواغلها وتفاصيلها ورقة ميلها، تقود لها آفاق قصة تطابقها، ولغة تناسبها، «حدثتني عن فوائد حليب الإبل، وعن نجم سهيل، وعن الاهتداء باتجاه الريح، وببهجة مكتومة أرتني شالها المنقوش بزهرات الصحراء ونجومها».
خصيصة أخرى تفردت بها هذه المجموعة القصصية، وهي الممكن السردي، أو الاحتمال القصصي، أو «السرد بماذا لو»، وهو أفق في الحكاية باعث لحكاياتٍ ممكنة من وراء الحكاية الأصل، ذكرتني بعض هذه الحكايات بفيلم برز في التسعينيات وأعدته أول ما انتهى، لأن خاتمته أبانت لي أني اتخذت في الفهم مسارا وهنالك مسارات أخرى، وهو فيلم «محامي الشيطان»، كذا قصص جوخة الحارثي، خواتمها دافعة لإنشاء فهم آخر، وإدراك مختلف عن سطح الفهم، تنفتح الحكاية بممكن آخر قد يغير مسار الأحداث، «ماذا لو»، ماذا لو رجعت المرأة الزائرة ولم تدخل البناية، ماذا لو لم تقبل المرأة المقبلة على العنوسة الزواج من الرجل الأرمل، «ماذا لو»، سبيل فاتق لحكاياتٍ ممكنة، وليس لتعطيل الحكاية الأصل، العالم قائم في أصله دوما على حكاية ما من منظورٍ ما. تأسست أغلب القصص بشكل صريح أو ضمني على مبدأ الحكاية المحتملة، ظهر ذلك في عدد من الأمثلة، يمكن أن نذكر بعضا من أمثلتها:

ففي قصة «كيس الأزهار» يقول الراوي الشخصية: «ماذا لو لم تكن الشعرة قد سقطت سهوا في الكيس، بل أسقطت عمدا؟»، وفي قصة «النخالة الوردية»، تقول الشخصية الراوية: «عندها رأيت البابين المتجاورين بوضوح. وفكرت أنه ربما كانا هناك، دوما»، هنالك وجه آخر للقصة يفتحه الراوي ويمد أسبابه.
علامات عدد فارقة ميزت هذا القصص القصير في مجموعة «ليل ينسى ودائعه»، شخصيات بلا ملامح خارجية وبلا انتسابٍ مكاني ولا مرجعي، مشاعرها هي أصل القصة، رؤاها أحيانا، أحلامها ومناماتها، واقعها كما تراه، شخصيات لا تحيل إلى المكان ولا تتخذ سمتا ولا خلقة، وإنما هي الإنسان في جوهره، الجوهر، المساررة، الحوار الذاتي، هو مصدر السرد. مبدأ السرد الاحتمالي، السرد بالترجيح، يؤمن أفقا قرائيا لمنظورٍ يبعث حكاية فقط ويحجب حكايا ممكنة. بنية واحدة متماثلة في توفير شخصيتين هما قوام القصص، وفي نهاية الافتراق، شخصيتان قوامهما التوازي لا التوازن، توازي في الميل، توازي في الأصوات، توازي في الرغبة، ونوازع في الدلالة والتأويل مجنحة يتأسس من قصص تسن لكل قصة، حكاية مختلفة بنية ومضمونا ورؤية. أصوات متعددة جنسا وانتماء وثقافة وميلاً، وعوالم قصص مرغبة في التفكير في حال الإنسان يتنقل من حكايةٍ إلى حكايةٍ، ومن ورائها قاصة عارفة، آخذة من ماء القصص بطرف، ومن معرفة طرائقه ومراجعه بطرف. بان ذلك في جمعٍ بين إطلاق الشخصية حرة حيية تصنع عالمها ولغتها وحكايتها، ولا تعسف ولا تدخل ولا تقييد من قبل الذات الراوية، وبان كذلك في عملٍ دقيق على الجمع بين حسنيين في القصة يعسر اجتماعهما، التكثيف والتفصيل.
كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية