في مئوية الشاعر الانكليزي ـ الامريكي دبليو اتش أودين (1907 ـ 2007): شاعر مجدد في الحركة الشعرية الانكليزية.. حياته وشذوذه وخيانته خيمت علي الاحتفاء به…

حجم الخط
0

في مئوية الشاعر الانكليزي ـ الامريكي دبليو اتش أودين (1907 ـ 2007): شاعر مجدد في الحركة الشعرية الانكليزية.. حياته وشذوذه وخيانته خيمت علي الاحتفاء به…

ابراهيم درويشفي مئوية الشاعر الانكليزي ـ الامريكي دبليو اتش أودين (1907 ـ 2007): شاعر مجدد في الحركة الشعرية الانكليزية.. حياته وشذوذه وخيانته خيمت علي الاحتفاء به…في عام 1937 كان دبليو اتش اودين (1907 ـ 1973) شاعرا مهما في الحركة الشعرية البريطانية في الثلاثينات من القرن الماضي، سافر كثيرا، وطاف العالم، وكان كما وصفه معاصروه شاعر الشباب الانكليزي، واجتازت شهرته الاطلنطي، كان صوت الشباب وصوت المتحمسين اليساريين، ونظرا لهذه الشهرة فقد خصصت مجلة نيو فيرس عددا مزدوجا له ولشعره، ولم يكن الذين شاركوا في مديح اودين متفقين علي هذه الشهرة، فقد كان هناك عدد من الذين شكوا به وباخلاصه، فقد شارك الشاعر المعروف توماس ديلان بنص غامض حيث قال انظر الي شعر اودين كما انظر الي النظافة، المعرفة والممارسة قائمة علي تحليل متحيز لفوضي النظام المعاصر، ويتعلق بالحفاظ علي الصحة وتشجيعها، العلوم النظيفة وقلع الماليخونيا، في بعض الاحيان انظر لشعره علي انه تعبير عن حرب عظيمة، واعجب بالنضج الكبير، وبالمقاتل الديني والعلمي ، شهادة توماس الغامضة حول شعر اودين تشير الي فكرة التحول وفكرة الجدلية التي يثيرها اسم اودين في السياق الشعري الانكليزي، فهو للكثيرين يرتبط بالخائن، والجبان الذي قرر الهجرة الي امريكا مع بداية الحرب العالمية الثانية وبلاده كانت قد دخلت الحرب.ولد وينستون هيو اودين في يورك عام 1907، كان والده طبيبا، وقد اهتم اودين بعمل والده باعتباره حقلا لخياله الشعري العلاج ليس علما ولكنه فن الانجذاب نحو الطبيعة ، بعد عام ولادته انتقلت عائلته الي بيرمنغهام التي تعتبر واحدة من المراكز الصناعية في بريطانيا، وقد سحره فضاء العالم الصناعي الذي تمثله منطقة ميدلاند، فحقول المعادن والصخور والجيولوجيا قدمت له مصدرا من مصادر الخيال. والدة اودين كانت مهتمة بالموسيقي وقد شجعته وفي الكثير من الاحيان كانت تعزف معه علي البيانو في البيت في الوقت الذي كان فيه الاب يشارك في الحرب. كتب اودين لاحقا شعرا لكي يتم تحويله للموسيقي، وكتب النشيد للامم المتحدة الذي لم يكن جميلا. في سن السادسة حتي الثانية عشرة انشغل اودين ببناء عالم خيالي ثانوي محفور من الكلس والرصاص والمعادن، وفي قصيدة له معنونة في مديح الشيد/ الكلس تشير الي هذا العالم الخيالي الذي كان مهما في تشكله الشعري، فقد تعلم من هذا العالم الخيالي اشياء كثيرة منها أن كل عمل فني مشتق ومحكوم بشروط العالم الاول/ الحقيقي، وكل عمل فني له عالم من المعاني، واي عمل فني يحتاج الي قوانين ثابتة او عشوائية ضرورية للعبة العمل.. وبناء عليه، فعلي الشاعر ان لا يصدر احكاما علي عمل فني، لانه ببساطة مثير وجميل ولكنه اي الفنان او الاديب يجب ان يعتقد ان هذا العمل حقيقي وصحيح.. ومهمة الشاعر بناء علي انه لا يعبر عن نفسه بقدر ما يعبر عن واقع نشترك فيه نعرفه، ولكن تم التعامل معه من خلال منظور استثنائي . عالم الشاعر الثانوي في الغالب ما تم النظر اليه من خلال صور الدولة والمدينة فالقصيدة هي محاولة لتقديم موازاة بين الدولة الجنة / المثالية التي تتوحد فيها قيم الحرية والقانون والنظام، ومن هنا فالقصيدة الجميلة هي ما تكون اقرب الي المثال او اليوتوبيا، والصور التي تنثال من هذا الجوهر تتضمن طرقا، صورا عن الاتصال والاشكال، خطوط التلغراف، سكك حديد، شوارع، شريانات، وفي داخل هذه الشبكة من الخطوط والمواصلات يصبح لحرف الجر مثلا بين او في داخل قوة تقترب من قوة الافعال – بالمعني النحوي .درس اودين في المدرسة الاعدادية في مدرسة في مقاطعة ساري، ثم انتقل الي مدرسة ثانوية في نورفولك حيث درس البيولوجيا، في عمر السادسة عشرة اكتشف بالصدفة قدراته الشعرية، حيث يقول في مساء يوم احد عام 1922، اقترح علي احد الاصدقاء ان اكتب شعرا، وهو امر لم يعن بخاطري من قبل، وكان هذا الطلب بمثابة البذرة الاولي التي بذرت الشعر. وكغيره من الشعراء فان الطفولة تعتبر المخزن الذي يعود اليه حيث يقول: طفولة ملآي بالخبز.. واشياء حلوة.. لماذا يجب ان لا يكره تغيرها . شعره يكثر فيه وصف الطعام والسمنة، وطبقته الاجتماعية. مع مؤثرات الطفولة كان لتوماس هاردي اثر كبير علي شعريته، حيث كتب يقول لمدة عام لم اقرأ شيئا باستثناء هاردي، وقد احترم هاردي ككاتب مهم وشاعر حكيم، الذي تعامل مع العالم بصفاء كبير، ومن موقع اخلاقي مرتفع.في عام 1925، التحق اودين بجامعة اوكسفورد، في كلية كرايست تشيرتش وذلك لدراسة اللغة الانكليزية، وفي هذه المرحلة انجذب الي المرحلة الاولي من الشعر الانكليزي/ القديم. وبدأ يحرر مجلة ادبية في الجامعة وبعد ذلك جمع عددا من مقطوعاته الشعرية في كتيب، حيث تم تحويل بعض اشعار المجموعة للموسيقي من قبل الشاعر سيسل دي لويس، وبعد ذلك بدأت الاعمال الشعرية تتوالي اشعار 1930، اجر من كل الجهات: الغاز 1930، الخطباء 1932 و رقصة الموت 1933، تبدو غريبا 1936 و رسائل الي لورد بايرون ، 1936 وفي عام 1937 اسبانيا ، و رسائل من ايسلندا ، وهو نفس العام الذي احتفت به مجلة نيوفيرس ، وتعاون كذلك مع معاصره كريستوفر ايشوارد بكتابة مسرحيات علي النمط البريختي الكلب تحت الجلد 1935، صعود اف6 1936، شعر جديد: جبهة جديدة 1938 و رحلة للحرب 1939. وبحلول عام 1939 كان قد سافر وطاف الكثير من بلدان العالم الصين واليابان وايسلندا واسبانيا الحرب الاهلية. في عام 1939 قرر الهجرة الي امريكا مع صديقه كريستوفر ايشاروود حيث قررا طلاق السياسة وترك المعجبين بهما خلفها والبحث عن نفسيهما. اخر مجموعة شعرية صدرت له في المرحلة الانكليزية كانت عام 1940 زمن آخر حيث حصل علي الجنسية الامريكية عام 1946. تعلم رحلته لامريكا نهاية المرحلة الانكليزية، بالتزامها الاجتماعي وطاقاتها ووجوهها المتعددة في التجريب الفني، ولكن المرحلة هذه كانت مشروطة بماركسيته في اوكسفورد التي تحتفل بالهم الاجتماعي وقضايا العالم والانفتاح علي العلم والمعرفة، حيث بدأ اودين يتخلي عنها لصالح الذاتية الفردية ولم يكن قادرا علي الجمع بين ماركس وفرويد، مع انهما مثلا له بدائل ولكنه اختار فرويد. عندما مات الاخير عام 1939 كتب مرثية له: عندما يكون هناك كثيرون علينا ان نبكيهم، وعندما اصبح الحزن معروفا ومنكشفا، لناقد عهد باكمله، هشاشة ضميرنا ولوعته، لمن نتحدث، كل يوم يموتون بيننا، اؤلئك الذين يحرصون علينا .. وتنتهي القصيدة بعبارات قوية: صوت العقل اصبح اصما، في القبر، بيت نبض الحياة يبكي علي المحبوب، حزين هو ايروس، باني المدن، وباكية هي افروديت الفوضوية… .تبدو اشعار اودين الانكليزي غامضة وتدور حول معان لم يوضحها اودين نفسه، وفي رسالة لصديق له كتب قائلا لا تكتب من رأسك ولكن من….! في اشارة الي ان الشعر محله الشهوة وليس التفكير. وهو الشاعر نفسه الذي كان شاذا ورفض الاعتراف بشذوذه بل منع نشر اشعاره في مجموعات شعرية/ مختارات للشاذين. وكما اشار الناقد والروائي المعروف كلايف جيمس فقد كان اودين المعروف بمباشرته وصراحته يبحث عن استراتيجية غير مباشرة للتعبير عن شذوذه. ونفس الشيء يقال عن مواقفه وافكاره السياسية فاهتماماته وان ظلت كما هي، مثل الطبقة، ذكريات المدرسة، الظلم والشهوة، وقد تطورت هذه الاهتمامات الي اهتمامات فردية، وقد وصل مرحلة للتساؤل عن الشعر وامكانية كتابة شعر حقيقي شعر حقيقي جاد لا يمكن كتابته اليوم ، السخرية ليست حكرا علي اودين نفسه بل هي جزء من تجربة اودين فهي موجودة في شعر ماكنيس وبيتجمان وروي فولر. كان جيل اودين مخدوعا لوجود مظاهر من الخداع فيه، الاعجاب بالتجربة السوفييتية، ومن هناك فان رحلته لامريكا كانت التفافا علي الذات وتخلياً عن الوعي الجمعي وضرورة التكريس، فهي لم تكن ردة علي اليسار والاحلام الكبيرة، بل مناسبة للغوص في الذات. رسالة العالم الجديد كانت مجموعته الشعرية الاولي في مرحلته الامريكية، حيث وزع وقته بين امريكا والنمسا وبين النمسا واوكسفورد ـ يكتب ويلقي شعرا من ذاكرته وعندما ينسي بيتا شعريا كان يسعل في الميكروفون، وكان يترجم ويحرر ويأكل ويشرب. في 1971 نشر مختاراته الشعرية عالم محدد حيث قدم اجمل ما يراه من شعره، وفيه اختار نصوصا لم ترق للكثير من معجبيه، وفيها نزعة للتشاؤم فيها حديث كثير عن جهنم اكثر من الجنة، الاثم اكثر من الطاعة والحرب اكثر من السلام. ويري الشاعر الاخر المعروف لاركين الذي تخيل حوارا بين اودين الانكليزي والامريكي ان اودين اصبح قارئا في مرحلته الاخيرة أكثر منه كاتبا، في ايامه الاخيرة اصبح مهتما بالترجمة ودافع وحامي من اجل ترجمة اعمال جوزيف برودسكي وساعده في التخلص من مرحلته السوفييتية. كما رعي اجيالا من الادباء وحاول اكتشافهم بل وقضي وقته مع اعمالهم. واذا كان في الثلاثينات ضوءا مهما في حركة الشعر الانكليزي، فقد تحول في نهاية حياته لضوء او مشعل في حركة الشعر الامريكي، خاصة في نيويورك.يمثل اودين، صورة عن تحولات شاعر، حيث بدأ يساريا وناشطا دوليا ثم انتقل الي اليمين، وغادر بلاده وهي تتأهب لدخول حرب مصيرية، ولهذا كثر اعداؤه، الذين لا يذكرونه الا بوصف الخائن/ الجبان، المرتد، ليس فقط علي الفكر بل علي الشعر وابداعيته فهو بدأ في حركة الشعر الحر، ولكنه عاد في آخر ايامه للغنائية الموسقية. علي العموم يري الباحثون في اشعار اودين وحياته، وهو الذي احب حفلات الكوكتيل التي كان يحبها في موعد دقيق، ان الفترة الامريكية هي التي حاول فيها الشاعر اعادة النظر في اعماله الشعرية، حيث قام باختيار اشعاره التي تناسب حالته، وانتهي لكي يقمع الكثير من اعماله المهمة والجميلة مثل اسبانيا ، وحذف سطورا من اشعاره مثل علينا ان نحب بعضنا البعض او نموت ، الا ان ما حدث بعد وفاته 1973 ان كل شعره دخل من جديد الفضاء العام، مما ساعد الي احياء الاهتمام به من جديد بعيدا عن خلافات وجدالات الزمن الماضي.لم يتم الاحتفاء كثيرا باودين ولا باعماله، غير مؤتمر علمي عقد في مدينته يورك ومحاولة سائقي السيارات لحفظ بعض اشعاره وذلك كي يجلبوا السياح الي المدينة التي ولد فيها، مع انه اي الشاعر، بعيدا عن محاكمة افكاره السياسية كان شاعرا مجربا منذ صباه في برمنغهام حتي رحيله الي امريكا، ويظهر تنوعا في الاداء الشعري وقاموسه حافل بالمفردات والدفق الشعري الذي منحه تنوعا في التجربة، واعطاه القدرة علي كتابة شعر احبه الانكليز، وتحولاته السياسية وسلوكياته لم تؤثر علي موهبته، فهو كما كتب عن ييتس فموهبته، اي الاخير، ظلت موجودة، وبالنسبة لاودين كانت عبقرية.عاش اودين حياتين وشخصا في اثنين، مرحلتين، انكليزية وامريكية، وبعد وفاته، تمظهرت حياته من جديد عبر اطارين، ثورة الشاذين الذي اكدوا وفضحوا سره الذي اخفاه، والبحث العلمي والاكاديمي الذي كشف جوانب عديدة عن حياته. اودين، وشهرته اكدتا افلاما شهيرة في التسعينات مثل اربع جنازات وعرس واحد ، وفيلم اولاد التاريخ ، كما قامت مؤسسة فابر اند فابر التي نشرت اعماله واعمال شعراء اخرين، باصدار طبعات جديدة من دواوينه مثل مرة اخري . وضمن هذا السياق تمت اعادة النظر في قصة هروبه او هجرته لامريكا. يري نقاد وكتاب عن حياة اودين ان قصة هروبه الي امريكا قبل الحرب ليس صحيحة، فقد غادر مع صديقه الشاعر ايشاروود لزيارة امريكا بعد عودتهما من الحرب الصينية ـ اليابانية، وكان قد غادرا انكلترا في كانون الثاني (يناير) 1939 اي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأشهر، وقد قوبلا هناك باهتمام وعوملا كما النجوم ودفعت لهما مبالغ كبيرة من اجل العمل في مجلات ادبية. وقد قدر اودين ان بامكانه الاعتياش من مهنته ككاتب في امريكا، وتشير رسائله الي شقيقه انه كان يخطط الاقامة بشكل دائم في امريكا، يضاف الي هذا ان شذوذه كان معضلة بالنسبة له ويشعر بعقدة ذنب، وقد حاول التغلب عليه عبر عدد وسائل، خاصة انه كمسيحي كان يري ان الشذوذ الجنسي إثم. وهناك التقي في كاليفورنيا مع تشيستر كالمان، الشاعر الشاب الذي اقام علاقة معه ثم اصبح رفيقه فيما بعد.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية