هنالك تيارات في السينما، لها رموزها، روادها ومن ثم المتأثرين بهم. وهنالك لويس بونويل الإسباني الذي كان بمفرده تيارا، وبدون متأثرين أو مريدين ينسخون، بأساليبهم، سينماه، لخصوصية هذه السينما ربما، وصعوبة نسخها. لكن، لهذه الخصوصية كذلك ولتمايز سينماه عن غيرها، تسهل إحالة مَشاهد هنا وهناك، بسياقات منفصلة، إلى أفلامه التي صار الكثير من مَشاهدها مرجعيات – وإن عصية- لغيرها.
من فيلمه الأول «كلب أندلسي» Un Chien Andalou (1928) إلى الثاني «العصر الذهبي» L’Age d’Or (1930) في سنتين وبفيلمين، صار بونويل اسما أساسيا في تيار السيريالية في عموم الفنون، وفي زمن صعود السيريالية، وفي مجاله تحديدا: السينما، بشراكةٍ مع الرسام سلڤادور دالي. من هذين الفيلمين تطورت سينما بونويل لتراكم ما صار يُعرف كإرثٍ سينمائي سيريالي متواتر وفريد من نوعه.
قد يكون توقيت العروض الاستعادية لأفلام بونويل، (من 30 سبتمبر/أيلول إلى 1 نوفمبر/تشرين الثاني) في السينماتيك الفرنسية في باريس، بحد ذاته، حالة سيريالية، مع تفشي فيروس كورونا والإغلاقات النسبية لصالات السينما، وإمكانيات الاستيعاب النصفية للصالات المفتوحة، بما فيها السينماتيك، وإلزامية ارتداء الكمامة في العتمة، على طول عرض الفيلم. قد يبدو هذا مشهدا «بونويليا» تاما، مشهدا مرجحا لأن يصير مرجعيا لآخرين، في فهم الحالة التي يعيشها العالم اليوم. وهي حالة بتناقضات غرائبية، يمكن ملاحظتها سريعا في أي من أفلام بونويل، في العقدين الأخيرين من سيرته السينمائية تحديدا.
للمخرج الإسباني (والمكسيكي والفرنسي نسبة لأفلامه بمراحلها) الذي نمر هذا العام بمئويته (1900-1983) أفلام كانت أساسية في مشواره، تركزت في مراحله المتقدمة، بعد عدة أفلام تلت الفيلمين الأولين له، أهم هذه الأفلام كان «Belle de jour» (1967) الذي كان فاتحة لأفلام ممتازة وحاصدة لجوائز وتقييمات نقدية عالية هنا وهناك، قد يكون أهمها «Tristana» (1970) و«Le charme discret de la bourgeoisie» (1972) و «Le fantôme de la liberté» (1974) وهي من بين الأفلام الأخيرة في مسيرته، تُضاف إلى أفلام أخرى تلت وسبقت بقليل «Belle de jour» وهي ما نستطيع تسميتها بمرحلته الفرنسية.
«Belle de jour» أو «جميلة النهار»
يبدأ الفيلم بمشهد سنلحظ سريعا غرابتَه، ثم سندرك أنه حلم يقظة، وسينتهي الفيلم بالحلم ذاته، إنما بمرحلة سابقة منه، كحلم يقظة كذلك، أما واقع الفيلم فيدور في الأيام القليلة ما بينهما، لندرك أن الحلم يأتي للشخصية الرئيسية، بشكل متكرر على طول الفيلم.
ليس غريبا أن يبدأ فيلم بونويل المحوري هذا، بحلم وأن ينتهي به، وليس غريبا هذا التداخل بين الحلم والواقع، وبونويل رائدٌ في السينما السيريالية، أو، لنستعِر من دالي عبارتَه: وبونويل هو السينما السيريالية، منذ فيلمه القصير الأول «كلب أندلسي» إلى الأخير «Cet obscur objet du désir» (1977).
أما الحلم فكان أنها وزوجها في عربة تجرها أحصنة، في غابة، يُنزلها زوجها ويربطها ويعريــــها ويطلب من ســـائق العربة جلدها ثم اغتصابها، ينقطع المشهد إلى الواقع، لــــنراها تائهة في خيالها وتعيش حياة تبدو طبيعية لزوجيْن محبين هانئَين.
تعيش سيڤرين (كاترين دونوڤ) حياة بورجوازية مملة وفارغة، زوجها طبيب ويعمل معظم وقته، تصده كلما أراد ممارسة الجنس معها، يحترم رغبتها.
وهي كذلك امرأة خجولة، لكن هذه وتلك لم تمنعاها من التفكير بتمضية وقت فراغها كبائعة هــــوى، وهذا تناقض في شخصيتها أحسن بونويل توليفه.
فتذهب إلى شقة لسيدة تديرها كبيت دعارة وتطلب أن تعمل لديها في فترة ما بعد الظهر، باستثناء أيام العطل، أي متى يكون زوجها في عمله.
الفيلم الذي نال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان ڤينيسيا السينمائي عام 1967، هو تجسيد لرؤية بونويل للسينما بأنها اختُرعت لتعبر عن الحالة ما بين الوعي واللاوعي (Subconscious) كالرغبات الجنسية الكامنة، فلا تكون رغبة سيڤرين في ممارسة الدعارة لنقص في المال، ولا لشهوانية مفرطة، بل لسببٍ هو الفانتازم، أو الرغبة في تجربة غريبة، بل غرائبية بالنظر إلى شخصية سيڤرين وحالتها الاجتماعية، وأناقتها البارزة. فالفيلم حالة دراسية لسيكولوجية امرأة (أو رجل في سياقات أخرى) لا تحتاج أسبابا ظاهرة كي تجنح لسلوك غير مُتوقع منها، دافعها هو الرغبة المحضة لا في السلوك ذاته، بل في فكرة ممارسته.
أخذا بعين الاعتبار أن الفيلم لبونويل، سيزيد أحدنا من نسبة السيريالية والفانتازمية في ما تتم مشاهدته، وبالتالي من احتمال أن هذا المشهد أو ذاك حلمٌ، أو لا يحدث في غير مخيلة المرأة، وهذا التداخل بين الواقع والخيال يعطي لأحداث الفيلم أكثر من تأويل، وهو يحكي عن الرغبة الجنسية غير العادية، المكبوتة والمرفَقة بشعور بالذنب، لكن المبتغاة في كل الأحوال، وإخراجها يكون بالفانتازمات المحققة، فتحقيق رغبة قلما يخرج عن الخيال.
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا